مرارة الترجمة يقول الروائي الإسباني ميغيل سيرفانتس صاحب رواية دون كيشوت: الترجمة هي الوجه الآخر من النسيج . وفي هذه العبارة ما يكفي، لإظهار معنى الترجمة بدقة وحرفية متقنة، وللتأكيد على أنها يجب ألا تخرج عن نطاق النسج الأصلي ولا تتجاوزه ولا تكون بأي شكل من الأشكال مختلفة عنه، فهي وجه النسيج الآخر، وهي التي إن قرأها شخص على الجهتين لم ير فيها فرقاً أو خللاً يذكر .
لكن ما يعانيه عالم الترجمة، لم يعد يقتصر على التغييرات التي يمكن أن تخرج بها نصوص خانتها الترجمة أو قصرت في حقها، أو في البعض منها، بل هناك أيضاً نصوص أصلية ضعيفة أخرجتها الترجمة من وحل عثرتها ونفضت عنها أغبرة الرداءة فحوّلتها إلى نصوص عظيمة وثرية الفكر .
مرارة الترجمة يتذوقها في البداية اثنان، المترجم ومن يترجم له مؤلفه . والمرارة الأولى تكمن في أن المترجم يحتاج إلى أكثر من قراءة للمؤلف الذي يعكف على ترجمته، ويحتاج إلى جهد في إعادة قراءة العبارات والاطمئنان إلى كونه قد أتقن المعنى والمضمون كما يجب، وفهم المقصود متجاوزاً اختلاف المضامين بين اللغات . إضافة إلى جهده الآخر والأكثر صعوبة، وهو منع نفسه من التدخل في الترجمة أو من إدخال عباراته التي قد تبتعد عن المعنى أحياناً لكنه يرمي بها إضافة لغوية بديعية .
أما المؤلف الأصلي، فهو الذي لا يدري ما حدث في نصه ولا يعلم في كثير من الأحيان بما جرى حينما نقل إلى لغة لا يعرفها ولا يمكنه القراءة بها . ولاشك في أن الإصدار الجديد للكتاب نفسه، والذي يخرج بلغة جديدة مختلفة، يبدو دائماً مختلفاً عن إصداره الأصلي، بروحه ولغته، حتى كيانه المادي من غلاف وإخراج وحروف .
أما المرارة التي يتذوقها القارئ، فهي التي تقع بين فئتين، مرارة الاستمتاع بحلاوة النص الجديد المترجم إلى لغته، والذي يستأثر بمشاعره إلى درجة نسيانه التام أنه مجرد ترجمة من لغة أخرى قد تختلف أو تكون أحلى من الترجمة بكثير، والفئة الثانية مرارة قراءة نص لا يشبه الأصل بشيء، بل يبتعد عنه ويختلف إلى درجة تجعله نصاً آخر .
الترجمة إبداع تزداد أهميته من منطلق قدرته على التعاطي مع أكثر من لغة، واحتضانه من قبل أكثر من أديب وكاتب ومترجم، يوازي في إبداعه كل الإبداعات الأدبية الأخرى ويفوق أحياناً، في تعب المترجم عليه وجهده إبداع، التأليف الأصلي، فالفكرة التي تسترسل في خاطر المؤلف ويتمكن من صياغتها وسبكها فوق الورق، جزء من أفكاره الخاصة، والتي يتعلق بها ويعشقها ويعيش لحظة كتابتها كما تعيش الأم لحظة ولادة ابنها . وحينما يرى طفله يكبر بين أحضان أخرى، يزداد خوفه من ألا يعامل ذلك الحضن كما فعل هو، أو أن ينساه ابنه إن استأنس بمكان آخر سوى حضنه الأصلي . المصدر : دار الخليج |