شيفرة دافنشي ودرس البحث بعيداً عما أثارته رواية “شيفرة دافنشي” للكاتب الأمريكي دان براون من ردود فعل مختلفة، إلا أن الرواية تفصح من بدايتها عن مجموعة من الإشارات إلى حالة من الاهتمام من قبل براون بمن ساعدوه في إنجاز عمله، والجدير بالذكر أن أكثر من 600 كلمة يفردها الكاتب ليذكر بالاسم الأفراد والمؤسسات التي كان لها دور في تقديم الدعم البحثي ما كان براون ليتم عمله الجبار أو حتى يفكر به من دونه، وهنا نقول إذا كانت كتابة رواية مهما بلغت من الأهمية قد احتاجت إلى فريق عمل كبير، وهو أمر يبدو طبيعياً لما تحتويه “شيفرة دافنشي” من معلومات أراد لها الكاتب أن تكون حقيقية، فإن كل ذلك يؤشر إلى أن تطور العمل البحثي ليس مسألة عبثية، وإنما هو جهد جبار يقوم به فريق عمل، وأحياناً أكثر، ومهما كان الجهد الفردي في ذلك البحث مهما، ومتفرداً، وخاصاً، إلا أنه من الطبيعي الاعتراف بجهود الآخرين، وهو ما قام به براون بكل تواضع .
قلة هي الأعمال العربية التي نجد فيها روائياً ما يستبق عمله بشكر أشخاص أسهموا من قريب أو من بعيد في ظهور عمله، و”ربما” في الحقيقة ما زال العمل الإبداعي يعتبر عملاً فردياً محضاً، وهذه واحدة من المشكلات الكبرى في الإبداع العربي عموماً، وهي نتيجة طبيعية للواقع المجزأ، وهو واقع ينعكس بطبيعة الحال على الأكاديميات العربية، وعلى الباحثين، والروائيين، وقد أصبحت هذه التجزئة عموما سمة عامة للحياة الثقافية والإبداعية في وطننا العربي، وهي حالة نقلت أمراضها إلى المثقف أو المبدع نفسه الذي تقوقع على ذاته، وهو يعتبر أن ما ينتجه يجب أن يكون نتاجه وحده، وهذه مسألة تجد تفسيرها شعورياً على الأقل في المجتمعات ذات الطابع الأبوي “البطريركي” لأن النتاج الفردي يصبح تعبيراً عن حرية مزعومة، ولكنها غير حقيقية، كذلك فإن هذه الحالة أيضاً تعبر عن نزعة الظهور، وهو أيضا ظهور ناقص، أو منقوص، فلم يعد من الممكن انتاج المعرفة بعيداً عن تكامل الجهود، والأهم من ذلك الاعتراف بأهميتها .
إن نظرة واقعية وموضوعية إلى واقع البحث الثقافي أو المعرفي أو الإبداعي في وطننا العربي كفيلة أن ترينا ما آل إليه الواقع البحثي، فرغما من وجود بعض المؤسسات المعنية بالبحث إلا أنها مؤسسات تفتقد الكثير من الإمكانات الضرورية لعملها، وهي تفتقد للآليات الكفيلة أن تجعل منها صلة وصل بين الأطراف كافة التي تحتاج إلى المعلومة الدقيقة في عملها، والمسألة مرهونة دوما بالمكانة التي توليها الجهات المشرفة على التخطيط في بلداننا، حيث يعتقد بأن البحث يأتي لاحقاً على القضايا الحياتية الأساسية، وهو فهم أثبت أنه خاطىء بحكم التحول العالمي إلى السلطة المستمدة من المعرفة نفسها . المصدر : دار الخليج |