همّ الهوية في الحقبة الأخيرة بدا لنا كأن الهوية الثقافية العربية التي كانت تستحوذ على اهتمام الجميع قد انضمت إلى الملفات العربية الكثيرة التي تعاني من الإهمال والنسيان . وقد نعذر الجمهور العريض في الشارع العربي، لكن من يستطيع أن يعذر المثقف والمفكر في وطننا الكبير، وكل قضايانا المحورية تتراجع إلى الصفوف الخلفية من الاهتمام العام، وتحجبها جملة قضايا جزئية، لا تزال تتضاءل وتتشعب حتى تشغل كل مجموعة من الأفراد بهم خاص لن تخرج منه بطائل؟
حسب قاعدة التواصل بين فكر المثقف واستجابة الجمهور، تعد المسافة بالسنوات والعقود، حيث تتبنى الجماهير آراء مفكريها بعد حقبة من إبداعهم لتلك الآراء، فماذا نتوقع أن تتبنى الجماهير العربية غدا من آراء مثقفينا اليوم، حين يحل الحصاد، وتبدأ هذه الجماهير في غربلة أفكار مثقفيها لتنتخب منها ما يفيدها في تجاوز واقعها المتردي، وما يساعدها على حل قضاياها المزمنة وتلك العاجلة التي تطل برؤوسها كل وقت؟
لكن هناك قضية أكبر وأقرب من أن نتركها تخضع لهذه الدورة العبثية، ألا وهي قضية “الهوية الثقافية العربية” . القضية التي يجب أن تستدرج انتباه المثقفين والمفكرين العرب إليها بكل إلحاح . نحن اليوم نواجه ضغوطا هائلة من واقعنا بمختلف تشكلاته، ونعاني نتائج استهداف منظم، ومحكم، ومتواصل، من بلدان وأمم لا تتكتم على استهدافها لنا باعتبار تفتيتنا، وإضعافنا، وهز ثقتنا في أنفسنا . . أركانا أساسية في سعادتها ورفاهها . هذا زيادة على الدوائر الداخلية للمشكلات والأزمات في وطننا العربي (المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، العوائق في وجه العلاقات العربية البينية، والعلاقات بين النخب الحاكمة والمواطنين في الأقطار العربية، وأزمة الثقة المتزايدة بين الزعماء والشعوب . .)، وكيف إذا تحدثنا عن قضيتنا الكبرى، قضية فلسطين التي تعاني الآن من انكماش ثقافي وفكري استراتيجي مهول؟ وكيف لو تذكرنا ما لحق بفلسطين من احتلال أو احتواء لبلدان عربية عريقة؟
إذا كنا لم نستوعب بعد كل هذا الكم الهائل من التحديات في منظومتنا الفكرية العربية، ولم يتحفنا مثقفونا بحلول ومناهج لحله، فإن هذا لا يبرر تراجع الاهتمام بالهوية الثقافية العربية التي تعتبر حجر الزاوية في ما تبقى لهذه الأمة من عزة .
وهنا ألفت انتباه مثقفينا ومفكرينا إلى أن العناية بإشكالية الهوية الثقافية العربية، وإعادة الاعتبار إليها كخط دفاعي حصين هي أهم جهد فكري وثقافي يسهمون به اليوم في الرفع من سقف الدفاع عن هذه الأمة الشجاعة التي تواجه مشكلاتها وأطماع العالم .
في المغرب العربي تطرح منذ فترة، وبشكل متزايد، مسألة الهوية الثقافية في الشارع المغاربي من قبل قوى داخلية أقل ما يقال إنها “مشبوهة”، تبحث عن صدام كبير مع الثقافة العربية الإسلامية التي كانت وراء مقاومة وطرد الاستعمار من ربوع المنطقة . فهل كان أحد المفكرين ذكياً عندما أشار إلى المسألة الحقوقية باعتبارها حصان طروادة لمنع حقوق الشعوب؟
المفكر العربي اليوم مدعو للانخراط في التصدي الفكري للكارثة التي يمهد لها بتفتيت الهوية الثقافية العربية، وسلبها من خاصية التنوع والشمول، التي جعلت منها هوية حاضنة للعديد من الثقافات القومية المحلية، وجعلت من هذه الثقافات روافد للثقافة العربية الأم . المصدر : دار الخليج |