مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

الشعر يؤنسن الأشياء عبر الذاكرة

يندر أن يجد القارئ اليوم مجموعة شعرية جديدة لشاعر جديد تحوي نصوصاً مفارِقة أو مختلفة عن سائد الشعر العربي من حيث الشكل أو المضمون. أكثر من عشر سنوات مرت لم نسمع خلالها بظهور شاعر مهم يختلف شعره عما يكتب اليوم من شعر ينهل كله من منهل واحد هو اليومي والمألوف. تغيب الأفكار والفلسفات والرؤى ويغيب معها تأثير المعلمين الكبار، منذ الرواد وحتى بداية الألفية الثالثة، ويبدو تأثير العولمة واضحاً على الأجيال الجديدة التي وجدت في الانترنت وسيلة سهلة لنشر نصوصها المكتوبة بعجالة مصحوبة بمجاملات لا تقل خفة عن النصوص المنشورة. قلة قليلة، وفي أوقات متباعدة، نجد ديواناً جديداً نرصد فيه عدداً من النصوص التي يمكن التوقف عندها وتأملها مثل ما يحصل مع الشاعر السوري الشاب حسام ميرو في مجموعته الأولى «بين غيبوبة وأخرى».

احتوت المجموعة ستاً وثلاثين قصيدة، نعلِّق على ثلاث منها، وجدناها تشترك في سمة واحدة هي الأنسنة، أو انسنة الأشياء الصماء، وهي ميزة هذه المجموعة التي يمكن أن تتطور في المستقبل وتتحول مشروعاً شعرياً ينبغي على الشاعر أن يحفر فيه بهدوء وجدية. النص الأول بعنوان «سرير»، وهو مكتوب بلغة صافية وسهلة لا أثر فيها للبلاغة او التجريد، يعتمد الوصف الذهني، وهو ما خلص النص من الوقوع في النثرية والوصف الفوتوغرافي.

«لا يشبه ولادة صيف / لا يشبه تفاحة المباغتة الزرقاء / لا يشبه الكرة الأرضية / بالأمس / نهضت عنه المرأة / تركته في منتصف الأغنية / تركت فوقه شال المصادفة / دبوس شعرها / رائحة الكستناء في شراشفه / عنب الفخذين / ظلال الإبطين / نظرات عينيها الأخيرة / تركته وحيداً في اللاشيء / مقوساً كقنطرة بلا مصير».

يحاول الشاعر هنا ان يمنح الســـرير حياة من خلال ربطه بعلاقة مع كائن بــشري هو امرأة ستغادره، مبقية على الإرث الأنثوي الذي يقابله من الجانب الآخر الحضور الذكوري للسرير، والذي يرمز إلى الحاضنة الذكورية. يأخذ السرير في هذا النص ذاكرة الرجل وحواسه الســـت التي تهجس بما ستؤول له الأمور بـــعد مـــغادرتها وبذلك لا يبقى السرير ذاكرة فقط، ولكنه سيظل حاملاً هذه الذكرى، لأنه سيبقى بلا مصير كما هو في الجملة الأخيرة من القصيدة.

والنص الثاني هو «باب توما»، محلة في دمشق القديمة تبدأ بقوس هو بمثابة مدخل او بوابة لهذه المنطقة القديمة من الشام. ولان هذا النص اطول قليلاً من النص الأول، فسنقوم باختيار مقاطع صغيرة منه: «نحدق في قوسه / من تحته الآلاف الصبايا مررن / يا له / كم تحمَّل كي لا يقع في الحب / كل ذلك العطر ولم يدخ / قلنا : قديس بحق». كما هو حال النص الأول، نجد إن الشاعر قام بأنسنة الحجر عبر القوس الذي يستقبل يومياً آلاف الصبايا اللواتي يتركن في مدخله الروائح الزكية المثيرة. ما يلاحَظ أيضاً في هذه النصوص الثلاثة هو حضور المكان بقوة، ما يجعل هذه الانسنة مقبولة وحميمة وغير صادمة في الوقت نفسه، فالسرير ينطوي على حميمية خاصة لأنه يحتوي جسد الإنسان ويمنحه الدفء والراحة وهو مكان أيضا يتميز عن الأمكنة الأخرى بوصفه مكاناً شخصياً او فردياً ينطوي على أسرار. أما «باب توما» فهو مكان للاجتماع واستحضار الآخر الذي يمر عبر هذه البوابة التي تقود إلى ذلك اللقاء المنتظر بين كائنات بشرية يكون هو نقطة التقاء حيوية تدعو إلى السعادة والحب، فيبدو حميماً كإنسان، كما سنرى في نص «الاوتوبيس» الذي لا يتذمر من المرور على المقبرة.

«على الاوتوبيس ان يمضي / مارّاً بالدوائر الحكومية ومبنى الجامعة والحديقة / عليه ألاّ يتذمر / او يتمارض / او يفكر بيوم عطلة/ عليه أن يأخذ العاشق إلى موعده مع حبيبته السمراء / والمدرس إلى تلاميذه الكسالى / وان يعيد العانس من أحلامها / والمخمور إلى بيته المفقود / وان يتوقف كالعادة أمام المقبرة / ليرمي علينا سلامه الصباحي / نحن الذين لم يعد بمقدورنا الذهاب أو العودة».

ليس مفارقة ان تتخذ هذه الأشياء صفة الرجل، او الذكر مثلما أرادها الشاعر، ولكن الأهم من ذلك هو تحولها ذاكرةً كما قلنا في البداية، والذاكرة من أهم صفات الكائن البشري، فالسرير يتذكر، والحجر والباص كذلك، من خلال عملية ذهنية اقرب إلى الحلم، نجح الشاعر في إسباغها على أشيائه الصلدة، وحوَّلها كائناتٍ حميمةً يمكنها أن تتكلم في أي لحظة.

المصدر : دار الحياة