الروائي ومشرط عالم الاجتماع في عام 1902 ذهب الروائي الأمريكي جاك لندن إلى إنجلترا ليستكشف عالم مدينة لندن السفلي، مدفوعاً بتقارير صحافية تتحدث عن فقر شديد يعيشه القاطنون في هذا العالم، يسكن لندن في شرقي المدينة، وفي العام التالي يصدر روايته “أهل الهاوية” المترجمة مؤخراً إلى العربية، تمتلئ الرواية بصور وتحليلات ربما تجعل القارئ يشك في أن أحداثها تدور في عاصمة الإمبراطورية الاستعمارية المهيمنة على جزء كبير من الأرض آنذاك .
يبدأ لندن روايته بمقتطفات صحافية تصور الحشود الجائعة أمام أبوابها والتي تتوق إلى الطعام والمأوى . السرد بعد ذلك يتماس مع وجدان المتلقي من خلال استخدام ضمير المتكلم، الراوي يستخدم لغة أدبية معبّرة تظهر مفعول الفقر وانعكاساته على روح الإنسان، يفتتح كل فصل بأبيات شعرية لافتة تخدم الفكرة التي يريد إيصالها إلى القارئ، يورد إحصاءات تشعرنا بأننا أمام عالم اجتماع متمكن من أدواته . في رواية لندن: أطفال يموتون من الجوع، شوارع مزدحمة، أماكن غير صحية، عشرات من العمال يعيشون في بيوت ضيقة يطلق عليها “الجيتو” بكل دلالات المفردة السلبية، خاصة في المخيلة الأوروبية، لصوص وقطاع طرق، مرضى بلا مستشفيات، وملاجئ تمتلئ بالمشرّدين . إنه “زمن الازدهار العظيم” كما يصفه لندن بسخرية مريرة .
تجاوز لندن في روايته كتابات تحليلية ناقدة لطبيعة الرأسمالية المتوحشة من منظور نخبوي ربما لا يجذب القارئ العادي، أو تلك التي تدخلنا في نظريات اقتصادية تحتاج إلى دراسة متخصصة . استبق لندن أيضاً دعوات غربية سيعلو صوتها في النصف الثاني من القرن العشرين، مطالبة بكتابة التاريخ الاجتماعي الحقيقي للبشر .
في خاتمة الرواية يتحدث لندن عن سكان العاصمة الإنجليزية الفقراء قائلاً “في مناخ بارد يعيشون اليوم كما كانوا يعيشون في العصر الحجري منذ عشرة آلاف سنة . إنه التحدي” .
يمكننا قراءة رواية “أهل الهاوية” في أكثر من مستوى، من ناحية تكشف لنا الوجه الآخر للحضارة الغربية، تفضح عصر “الإمبراطورية” في القرن الماضي، ذلك الذي وصفه إريك هوبزبادم من منطلق يساري بأنه أكثر عظمة ونجاحاً من القرن التاسع عشر، فمشاهدات لندن المباشرة تتفوق في مأساويتها على كتابات ديكنز المغلفة بقدر من الرومانسية .
على مستوى النقاشات الثقافية العربية يبدو لندن أكثر راهنية، وربما أكثر قدرة على استشراف متطلبات المستقبل من معظم المشاركين في تلك النقاشات، التي تدور حول علاقة الأدب بالتاريخ، أو تطنطن حول دور الرواية في تسجيل الوقائع من دون منتج إبداعي ملموس على أرض الواقع، وتذكّرنا بذلك الجدل السخيف الذي قرأناه منذ سنوات عدة بخصوص اعتماد المؤرخ على الصحافة كمصدر موثوق به .
تنتمي رواية لندن إلى الأدب الجيد، ذلك الذي يرصد مصائر البشر في لحظات التحول الاجتماعي، ويبدو أنها بموضوعها وتقنياتها وتاريخ صدورها تدعونا إلى تأمل الأدب الجيد، الموصوف أحياناً بالأدب العظيم، لنسائل مبدعينا: أين هو في ثقافتنا المعاصرة؟ وهل نقاشاتنا حول قضايا فرعية ترتبط به دلالة فعلية على غيابه؟ المصدر : دار الخليج |