الإعلام المتوحش! يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتاب «الحداثة ومابعد الحداثة» إن الفكر الغربي في مرحلة مابعد الحداثة، والعولمة، وبلوغ النزعة التفكيكية ذروتها، لم يعد فكراً معرفياً عقلانياً، بل معرفة تدور في دائرة مغلقة من مفاهيم لايسأل أحد على علاقتها بالواقع، أو إذا كانت في مصلحة الإنسان والمجتمع، والبشرية برمتها، والأمر في هذا المجال يشبه آلة عمياء تدور، حتى أصبحت عبئاً لا يطاق على البشر في الهوامش المنسية في العالم الثالث، إلى أن طالت آثارها بعنف أصحابها في الغرب، من الذين أرادوا غزو العالم بثقافة العنف والفوضى والاقصاء، وإنكار التمايز بل السعي لالقاء التعدد والثراء في الحضارات والثقافات، لصالح نموذج ثبت أنه لايبشر سوى بالموت الجماعي واليباب الروحي والأزمات التي تولد من رحم اندفاع سريع، من دون أهداف معقولة أو موضع اعتراف أخلاقي، نحو هاوية سحيقة، لم يعد الغرب ذاته، يجد السبيل للخروج منها، إلا بمزيد من العنف والحروب والنهب المنظم لثروات ومستقبل ومصير الشعوب الضعيفة والمقهورة، ولهذا لم يأت مفهوم الرأسمالية المتوحشة من فراغ، لأنه وصف دقيق وصائب، جعل آليات تطور الرأسمالية في الدول الغربية ذاتها، يخرج عن نطاق السيطرة والتحكم، وفي هذه الموجة الرهيبة ما أطلق عليه تسمية العولمة، كانت الثقافة ووسائل الإعلام قد تحولت إلى آلة حربية حقيقية، وأصبحت فلسفة المنظومة الاقتصادية السياسية الإعلامية، تتناسل من مقولات أن الحق والقيم والهوية ما هي إلا ذرات تسبح بين أيدي من يمسك بزمام القوة، ويستطيع أن يفرض منطقه بالعنف على الآخرين، دون رادع أو معيار يتم الاحتكام إليه، وليس من الغريب جراء ذلك، أن يصبح رجل الاقتصاد، أو مؤسسته، بديلاً عن دور المثقف والأديب ورجل الفكر، لأن هذه المؤسسة تقوم بتصنيع هؤلاء، على عجالة عبر وسائل الإعلام، التي خُنقت حريتها باسم الحرية، وتم تنميط خطابها إلى الحد الأقصى، حيث إن الخروج عنه يكفي للاتهام بأشنع الموبقات، فالضحايا في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ارهابيون، وصاحب موقع «ويكليكس» الالكتروني مغتصب لأنه تجرأ على الغناء خارج الجوقة فكشف عن بشاعات الاحتلال الأمريكي في العراق وأفغانستان، وفي البلد العربي الصغير لبنان، قامت وسائل الاعلام الغربية منذ خمسة أعوام ولحد الآن بأوسع حملة قصف منظمة للعقول وكانت أشد وطأة على الناس من وحشية عدوان تموز 2006 الصهيوني، الذي مني بهزيمة فادحة، فجاءت وحشية الاعلام، والسخرية وذلك تم تحت شعار «العدالة» لحصاد ما عجزت عنه الآلة الحربية. في هذا المناخ الرهيب، تتصرف وسائل الاعلام الغربية وكأن مقتل قرابة مليون ونصف مليون انسان في العراق مجرد خبر عابر وتم نسيان مآسي الملايين في هذا البلد وأفغانستان وفلسطين ومناطق أخرى، وكأن الذي جرى في هذه البقاع لا يستحق كلمة اعتذار واحدة من رؤساء يكتبون مذكراتهم عما فعلوا، وكأنهم يتحدثون عن إبادة الذباب في أماكن موبوءة، وفي مراكز قرار القوي لا يريد أن يسمع أحد أي صوت سوى صوته في الواقع العملي، ولا بأس من بعض الأكاذيب المطلية ببريق ذهب مزيف موجهة لنا، بين فترة وأخرى إلى الموتى والأحياء تقول لهم فعلنا كل هذا من أجلكم من أجلنا، ألا يفوق ذلك كثيراً ما بعد الخيال ألا يشبه صمت الموت في صحراء قاحلة؟! أدر زر التلفاز وشاهد فقط، لأنك من دون صوت!! المصدر : تشرين السورية |