التأثيرات العربية ثمة ظاهرة عربية لا تبارحنا، وهي سبب غرورنا، ظاهرة أننا نرى في معظم عظماء الغرب العالميين، من شعراء ومفكرين ورسامين وروائيين، نرى فيهم إذاًً تأثرهم أولاً وآخراً بنا نحن العرب، بحضارتنا وثقافتنا مما أنتجته هذه من نور وعلم، فكانت مصدر إلهام في أكثر من حقل على ما يبدو· فها هو العظيم غوتيه المتأثر بالفكر العربي، علماً إنه، وعكس ما يشيعه بعض المجتهدين المبالغين في الأمور من العرب بسبب النرجسية الفائقة ومن المجتهدين الأجانب وأخص بهم الألمان هنا بسبب حبهم في التقارب الرائج اليوم وتحديداً منذ أوائل هذا العقد الأخير من الزمن، إذاً خلافاً لما يشيعه الكثيرون، فغوتيه قرأ كذلك أدب الحضارات الشرقية جمعاء وعلى سبيل المثال الهندية منها، وها هو ماتيس المتأثر بالفن الأندلسي حيث مزيج النور والهندسة التي شيّدها العرب أيام إقامتهم في جنوب إسبانيا ولولا زيارة ماتيس لتلك البقعة الجغرافية لما أتى فنه بكل ما أتى به من روعة، كما يقال، وها هو بيكاسو كما علمتُ قبل فترة (ولله أعلم!)، أنه لما أصبح رائد العبقرية في الرسم الحديث لو لم يتأثر بالفن الإسلامي أي الأرابيسك، وها هو دانتيه الذي إذا أتانا بكوميديته البديعة فلأنه كذلك تأثر بالأدب العربي، دون أن أنسى الشعراء السورياليين الفرنسيين الذين أنعموا علينا بإبداعاتهم لأنهم تبحروا في شعرائنا القدامى ومتصوفينا إلخ، مرورا ً بالكبير سرباتنس الذي لما كان أتى برائعته <دون كيخوتيه> لو لم يقرأ اولاً <الف ليلة وليلة> متأثراً بها وغارفاً منها، كما يقول أيضاً المجتهدون في غمرة موضة التقارب الحضاري بين الهنا والهناك، من بحاثة عرب وأجانب· وتالياً، كم يدعونا هذا الأمر إلى المفخرة بما أعطينا العالم أجمع من تأثيرات لا حدود لها وفي جميع الحقول الفنية والفكرية واللغوية، لكن ما يدعوني إلى الريبة، هو ما يعكسه الواقع! فلماذا نحن الذين نعتبر أنفسنا (دون أن أجزم هذه الظاهرة العجيبة الغريبة) مصدر كل هذا <الإلهام الفذ> في أرجاء العالم، لماذا، والحال هذه، لم نبدأ بأنفسنا قبل كل شيء وتالياً، لماذا لم ننتج أي دانتيه ولا أي سوريالية أولى، ولماذا لم يطلع من عندنا أي عبقري إسمه غوتيه خاص بنا، ولماذا لم نخترع أي ماتيس ولا أي سربانتس، وأشير إلى سربانتس في معنى أبويته للرواية الحديثة الأوروبية وما تركته هذه من أثر في الرواية العربية الحديثة العهد، وبالمناسبة <ألف ليلة وليلة> لم يكن مصدر روائي لسربانتس، ونعرف أن رسامينا لم يخترعوا البارود إنما انبثقوا من بطن المدارس الأوروبية، ثم وإذا كانت التكعيبية والأرابيسك من عندنا فلماذا لم نحبل ولم نلد بأي بيكاسو لبناني أو عربي، وكذلك، لماذا لم نبن ِ أي اندلس في ربوعنا كوننا نحن أنشأنا تلك التي في الجغرافيا الإسبانية ؟! أخيرا ً، ليتنا أنجبنا ولو شيئاً ضئيلاً من كل هذا بدل أن نضيّع وقتنا في تربيح العالم جميلنا على مدار الساعة· صباح زوين
المصدر : اللواء اللبنانية |