مكتبات وتواريخ أهدى واسيني الأعرج مكتبة الإسكندرية أعماله الكاملة، وتتضمن الأعمال المهداة للمكتبة كتاب -على خطى سرفانتس في الجزائر-، ورواية -البيت الأندلسي- التي تمثل استعارة لما يحدث في الوطن العربي من معضلات كبرى تتعلق بصعوبة استيعاب الحداثة في ظل أفق مفتوح على المزيد من الانكسارات .
وكنت أنظر دائماً الى فكرة قيام أديب معروف بإهداء مكتبته الكاملة وليس فقط أعماله الى مؤسسة أو مركز ثقافي في بلده أو غيرهما من المؤسسات الثقافية الكبرى نظرة الإبداع الأكبر، وأجدها الأكثر أهمية من كل ما يمكن أن يقوم به هذا المفكر أو الأديب طوال حياته، فهو يضع في حساب تاريخه الثقافي رصيداً كبيراً من الابداع، بل ويحقق بهذا ما لم تحققه ربما أكبر المشاريع الثقافية نجاحاً في العالم، ويسهم في توزيع إرث ثقافي هائل على أكبر نسبة من الناس محققاً بذلك فائدة كبرى أكثر مما يتخيل .
ومن المعروف أن مكتبة الأديب تجمع أكثر ما يمكن النظر إليه على أنه تاريخ أدبي، سواء من الكتب التي اشتراها وقرأها أو الأخرى التي أهديت إليه، وبهذا فهي تحقق مردودا ثقافياً وإنسانياً وتاريخياً أعلى بكثير مما يحققه مردود الأعمال التي تخصه أو إبداعاته بشكل عام .
ولا شك بأن العالم يحفل بالمكتبات التي لا يدري أحد إلى أين تنتهي وما هو مصيرها، حينما يغيب أصحابها ويتركونها وراءهم، فهي قد تبقى قائمة في تاريخ وذاكرة المكان الذي أقيمت به، أو ربما تتشتت وترحل إلى عوالم أخرى وأماكن مختلفة، بعد أن تصبح نهباً للأيدي التي لا تعرف قيمتها ولا تدرك مواطن كنوزها وقيمتها الثقافية والأدبية الكبرى .
ومن أهم ما يمكن التفكير به في هذا الشأن، كون المكتبة، جزءاً لا يتجزأ من العمل الإبداعي، الذي لا يتوقف عند تأليف كتاب أو إصدار عمل فكري، لكنه يزيد عن ذلك بكونه يضع أمام الآخرين مراجع وكتباً، أغلبها يكون نادراً والأكثر منها يحمل تواقيع المؤلفين من الراحلين أو غيرهم ممن تبقى لهم بصمة أدبية وتاريخ يجعل هذا التوقيع عملة نادرة في كل زمان، أما ما يمكن أن تحويه المكتبة من نتاج أدبي لصاحبها نفسه، الذي لم يحالفه الوقت ولا الحظ بإصداره أو طباعته وتقديمه للناس، فهو بدوره يلفت الانتباه إلى ضرورة أن تحفظ هذه المكتبات وأن تتحول إلى ملكية عامة للدولة نفسها، بحيث تضاف إلى المكتبات الوطنية أو تجمع في متاحف متخصصة، تتيح للجمهور المهتم زيارتها والاطلاع على ما فيها اضافة إلى فتح أبواب فرص البحث فيها والاسترشاد بالمراجع التي يمكن أن تكون مفيدة للجامعات وللمتخصصين وللكتّاب والمؤلفين في مجالات أخرى عدة .
ان أهمية مكتبة الأدباء والمثقفين والمهتمين بجمع الكتب، لا تتوقف عند دورها في حياتهم ولا تعني انتهاء هذا الدور وانفضاض أهميته وقيمته بعد رحيلهم، بل تعني بقاءها من بعدهم وإحياءها للدور الثقافي الأكبر بعد رحيلهم، بحيث تبقى مكتبة كل منهم علما قائما يحفظ اسمه وتاريخه الابداعي اضافة إلى ما تؤديه من خدمة جليلة للثقافة وللقراء، ولمن يبحثون عن مثل هذه المكتبات ويفتشون بين أرففها عن كنوز ونفائس تختبىء بين الأرفف . المصدر : دار الخليج |