مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

ثقافة التبرير أو اللاثقافة

لا ثقافة من دون إنسان، قد يبدو هذا بديهياً في سياق الحديث عن العلاقة بين الثقافة بالإنسان كونه يشكل جوهر الثقافة، غير أن المسألة ليست بهذه البساطة، فالثقافة في تعدد أوجهها وفي كونها قابلة لتأويلات كثيرة قد تنقلب أحياناً ضد نفسها، وضد الإنسان الذي يفترض أنها تستهدفه، وهذه المسألة التي عرفها التاريخ بصور مختلفة تبدو اليوم أكثر شراسة في ظل التحولات العولمية، ويغدو المثقف مع ظل تنامي الضغوط الواقعية ميالاً إلى التبرير، والتبرير الذي هو الأخ الأكبر للتلفيق، ليس إلا البوابة التي تدمر فيها الثقافة نفسها، وتنتهك فيها شعاراتها .


كلنا نعرف كم لعب المثقفون الألمان في ظل الحكم النازي دوراً رئيساً في تبرير النازية، وفي تبرير القتل، وفي تبرير انتهاك حقوق الإنسان الألماني بحجة الغايات الأسمى، ومثلما حدث في ألمانيا حدث في غير بلد في العالم أثناء الحرب الباردة، ولم تختلف في هذا الأمر المنظومتان الغربية والشرقية، أو الرأسمالية والاشتراكية إلا من حيث الأساليب، ومن حيث التبريرات، لكنهما في الجوهر كانتا تبرران على المستوى الثقافي أشد الممارسات عنفاً ضد الإنسان .


ثقافة التبرير مستمرة، ولم يلغ التطور التقني في التواصل عبر الإنترنيت بوصفه حالة ديمقراطية الحاجة إلى هذه الثقافة، بل “ربما” حدث هناك نوع من التحول في الأدوات، حتى إن التبرير الذي راح يمتلك قدرات هائلة عبر نخب ثقافية وفكرية إمكانات جديدة ألغت كل إمكانية في إيجاد حكم قيمة حقيقي، ففي ظل تكاثر النسبيات أصبح من الصعب إيجاد الحقيقة نفسها، فقد توزع دمها في مسارب الشبكة العنكبوتية، وفي الألوان اللامتناهية للنسبية .


فضح التبرير ضروري، وفضح الثقافة التبريرية وأدواتها أكثر ضرورية، فالنضال ضد التبرير الزائف هو حصانة الوجود الإنساني، ذلك الوجود الذي يمتلك جزءاً كبيراً من معناه من تعرية الفكر نفسه، فالفكر أيا كان يجب ألا يكون خارج نطاق المساءلة، وخارج نطاق التعرية، وأي فكر يصبح محصناً فإن مآله إلى الانتهاء كفكر أولاً، والتاريخ لديه من الشواهد ما لا يعد ولا يحصى .


في الفكر العربي تحدث مفكرون من طراز كبير عن ثقافة التبرير بوصفها واحدة من أكثر العلل التي أصيب بها الفكر العربي المعاصر، ومن هؤلاء عبدالله العروي، وياسين الحافظ، وفؤاد زكريا، وغيرهم، وكشفوا عن دورها في تأخر المجتمعات، وفي تسويغ الانتهاكات المستمرة ضد البشر، وكما لعبت هذه الثقافة دوراً سلبياً في واقعنا، فإنها اليوم تبدو أشد وأخطر على الضفة الأخرى، ففي الغرب ولدت وترعرت ثقافة إلغائية تستهدف المختلف حضارياً، وتقوم بتزييف الحقائق، وعلى ما يبدو أن إنساننا العربي أصبح بين فكي كماشة الأولى عربية، والأخرى أجنبية، إذاً، هل نقول لهذا الإنسان لا حول ولا قوة؟

المصدر : دار الخليج