وفي بعض القصائد نجد شيئاً من التناص كما في قصيدتها (أواخر صيف) حيث في هذه القصيدة تحاول التعبير عما يجول بداخلها من مشاعر وشجون تجاه أغاني أم كلثوم وروائعها الوجدانية لتلتحم روحياً مع أغنية (أنت عمري) مقتطعة بعضاً من جملها على طريقة القص الشعري.. وقصيدتها (إلى حبيب مسافر) تتقاطع من حيث الإيقاع اللحني والمنهج مع أغنية (أضنيتني بالهجر) للموسيقار الكبير فريد الأطرش..
السردية والفصول الممسرحة
مايلفت الانتباه عند الشاعرة سلمى حداد هو أن قصائدها التي جاءت تحت عنوان (الشعرة الشقراء.. بمقاطعها 1+2+3+4+) والقصائد التي تلتها هي عبارة عن نصوص نثرية أخذت الطابع السردي المسجع.. وهذه القصائد عبارة عن فصول ممكن أن تشكل بمجملها قصة أقرب إلى المسرحية ذات خط بياني يتواتر بين الصعود والهبوط على شكل استنكار حيناً وحيناً آخر تسليم ورضا وأحياناً أخرى تذمر وغضب وحيرة وغيرة وكل ذلك نتيجة الحب الزائد الذي ولد كل هذه الهواجس.. علماً أن الذي يلفت الانتباه أيضاً هو أن الشاعرة سلمى تنقل هواجسها المتواترة مابين التصاعد والهبوط بين تلك المقامات الشعورية ولهذا نجد تفاوتاً بين قصيدة وأخرى، ومقطع وآخر، وجملة وأخرى..
قراءة سيكولوجية
ولكن الفائدة هو أن إخراجها الخط السردي على هذا الشكل لتلك النصوص التي جاءت أقرب للحكائية الملحمية يساعد المتلقي في قراءة الحالة الشعورية والنفسية لشخصية الشاعرة أياً كان شأنها بغض النظر عن فاعلية النص..
وعدا عن ذلك فإن الشاعرة تستخدم أكثر من مصطلح، وحتى ولو كان سطحياً، دون أي تردد، لكنها تستقر في الأعم الأغلب على النداء /الاستغاثة المبطنة.. على الكثير من التوسل والاستنكار (إلهي!) لكأنها تؤكد أنها تعي أهمية ماتتضمنه هذا الكلمة من إيمان ويقين بأن لاحول لها ولا قوة.. وربما مايحويه من حركة مستمرة باتجاه الاستقرار والسكون والراحة والطمأنينة والرضا والتسليم هو الذي جعلها تتمسك به على طول الخط السردي الممثل للنصوص..
الميلودرامية
والأهم من ذلك كله ضبطها لحركة الفصول من حيث تطور الحبكة وتأزم العقدة وتطور الحالة.. لكن سلمى لاتركن إلى هذا الإيمان وحسب رغم فاعليته بل تعمل على مساندة اليقين المؤمن بتبريرات عاطفية، انفعالية ذات طبيعة ميلودرامية تؤكد الامتثال لقدرها المحتوم التي لامناص لها من الرضوخ إليه وبالتالي الصمت (صمت لأنني أنثى.. ولأنني بلهاء..).. وطبعاً هنا تبرز مأساة الشاعرة في تمزقها النفسي بين ماهو كائن وماتريد له أن يكون..
الدرامية والجدل بين الذاكرة والرؤيا
معظم القصائد/ النصوص التي قدمتها الشاعرة سلمى حداد ذات توجه درامي يشتمل على التضاد، والجدل بين الذاكرة والرؤيا، والمزج بين الذات والموضوع: ففي التضاد تتحول نصوصها إلى حركة تستوعب مفارقات الحياة، وتشمل الألفاظ والصور، أما الألفاظ فموظفة للإيحاء بالمفارقة الضاربة بجذورها في عمق الوجود (أطفئ/ أنفجر- سوياً/ لوحدي- الفقيد/ البقاء- الليل/ النور- الجنون/ العقل- الموت/ الحياة) كما توحي الصور بشكل عام في معظم النصوص بالتضاد أيضاً..
وأما ظاهرة الجدل بين الذاكرة والرؤيا فتأتي بمنزلة الصدى المباشر لوجود الأضداد، حيث تطرح الذاكرة مخزونها في شكل ومضات تتبع من الماضي (مازالت الشقراء تطارد أيامي..) فتزيد في الغنائية التي طغت على أغلبية النصوص والتي سيطر عليها جو الابتهال والتشكي والتوسل.. وبالمقابل تتحفز الرؤيا وتنشط لتوضح مسار تلك الصراعات، وهذا الجدل يتحكم بجميع حركات النصوص، ويتضافر الطابع الغنائي مع ألفاظ التفجع والتحسر والتوسل، وتتحول النصوص إلى مجموعة من المشاهد الدرامية التي تخفف بشكل دوري على شكل تداعيات وتتداخل الذات (لا أنام وصور الشقراوات تقتحم عقلي..) بالموضوعي (ما أصعب القرار.. ما من رجل ينصت لهراء أنثى... أو لغيرتها الجوفاء..) وأما الزمن الذي تتحرك القصيدة ضمن إطاره فيأخذ أكثر من وجه ولكنه في الغالب متولد عن الومضات الواقعية التي ترد في شكل تداعيات.. وتكون اللازمة في معظم القصائد اللجوء إلى الله (إلهي! بشكلها الصريح أو الإيحائي إظهار الضعف والانقياد للقدر) بمنزلة المستقر الذي تصب فيه جميع الوحدات والحركات.