أدباء يحوِّلون فيسبوك مقهى ثقافياً مقال للكاتب البرتغالي انطونيو لوبو انطونيس عنوانه «إلى من سيكتب؟»، ترجمه الشاعر المصري المقيم في إسبانيا أحمد يماني إلى العربية ونشره في موقع «الأوان» على شبكة «الانترنت» قبل نحو عامين، ثم أعاد نشره أخيراً على موقع «فيسبوك»، لتتوالى التعليقات عليه. على سبيل المثل، علَّقت الشاعرة ايمان مرسال، المقيمة في كندا، فكتبت بالدارجة المصرية: «الله ينوَّر يا يمش». و «يمش»، على ما يبدو هو «اسم الدلع» ليماني، الذي علَّق بدوره على التعليق بحميمية، فكتب «فُلّ يا إيمو». لغة بسيطة إذن تلك المتداولة على «فايس بوك»، حتى وإن كانت بين مثقفين، فهو على أي حال موقع اجتماعي في الأساس، لكنه بات في الفترة الأخيرة منافساً لمواقع ثقافية كثيرة على الشبكة العنكبوتية، بل ومنافساً للمقاهي الثقافية التقليدية، بجذبه أدباء من أعمار مختلفة وخلفيات متباينة، يطالعون عبره أخبار بعضهم البعض، ويتناقشون حول نصوص وقضايا شتى. وإلى يماني ومرسال، تضم قائمة الأصدقاء من متعاطي الأدب ومبدعيه على إحدى مجموعات «فيسبوك» كلاًّ من لينا كريدية، وميرال الطحاوي، وجمال القصاص، وعماد فؤاد، ووحيد الطويلة، وميسون صقر، وفريد أبو سعدة، وعزت القمحاوي، وإبراهيم داود، وأحمد اللباد ... وسواهم، ويوماً بعد يوم تطول القائمة، ولا تكاد تمر ساعة واحدة ليلاً أو نهاراً من دون رأي من هنا، وتعليق من هناك، وتبادل للصور والنصوص والتهاني والنميمة... وربما الشتائم أيضاً. تقول الروائية المصرية المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية ميرال الطحاوي: «قبل بضعة أشهر لم أكن أعرف ما هو الفيسبوك، ومعرفتي به بدأت عندما دعاني أحد طلابي، وهو الصحافي المصري بلال رمضان، إلى إنشاء «جروب» لروايتي «بروكلين هايتس». أيضاً لم أكن اعرف ما هو «الجروب». ثم أصبحَتْ لي صفحة على هذا الوسيط الالكتروني، ووجدتُني أعثر من خلالها على أصحابي بسهولة، وأتصفح الاخبار واتصل عموماً بالعالم الذي تركته ورائي». وتضيف صاحبة رواية «نقرات الظباء»: «في البداية كنت ارتكب أخطاء شنيعة، فأنا لا أعرف كيف أردّ ولا اعرف كيف ارسل رسالة، ولم تكن لي اي خصوصية. الآن القي نظرة على الفيسبوك كل يوم، أرى الوجوه التي أفتقدها، واحياناً اتابع المعارك الثقافية». وتلاحظ الطحاوي التي اختيرت روايتها «بروكلين هايتس» ضمن القائمة الطويلة لجائزة «البوكر» العربية في دورتها الرابعة، ان «الفيسبوك» بات أداة سياسية فاعلة في أميركا، معتبرة أن تجربة سارة بالين تظل موضع نقاش في هذا الصدد. وسارة بالين هي حاكمة ولاية ألاسكا السابقة، واختارها المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة جون ماكين لتكون نائبة له في حال فوزه، وهي حالياً تروِّج لنفسها، عبر الشبكة العنكبوتية خصوصاً، كمرشحة محتملة لخوض الاستحقاق الرئاسي الأميركي في 2012. وتختم الطحاوي افادتها لـ «الحياة» حول تجربتها مع «الفيسبوك» بالقول: «يحتاج الأديب إلى التواصل، ولكنْ بحساب، لأنه (الفيسبوك) يدمر الوقت أيضاً». لا يتوقف الأمر إذن عند مجرد الرغبة في «التواصل»، فهناك أيضاً الرغبة في «الترويج»، ليس بين الساسة فحسب، بل بين الأدباء أيضاً. يقول الشاعر المصري المقيم في بلجيكا عماد فؤاد: «أتاح الفيسبوك للكثيرين تواصلاً أعمق في ما بينهم وبين قراء نصوصهم، كما أتاح للكتاب والشعراء أنفسهم التواصل بعضهم مع بعض بصورة أكثر مباشرة وأسرع، فمِن قبلُ كان البريد الالكتروني يقتلنا ببطئه». ويضيف صاحب ديوان «عشرة طرق للتنكيل بجثة» رداً على سؤال لـ «الحياة»: «هذا لا يعني أن الفيسبوك أصبح جنة الشعراء والكتاب، لأنه مثله مثل أي وسيط الكتروني، لا يخلو من المتنطعين ومن الذين ركبوا الموجة فأصبحوا يتهافتون على الإعلان عن أنفسهم وعن كتاباتهم الرديئة». ويرى فؤاد أن «شبكة الإنترنت ستبقى - شئنا أم أبينا – عبارة عن سلة قمامة كبيرة وعامة، تتسع للجميع، وإن حالفك الحظ ستعثر على جوهرة هنا أو هناك من حين إلى آخر»، معتبراً أن ذلك هو منطق تَعامُلِه الشخصي مع العالم الافتراضي عموماً! مدينة فاضلة ومن جانبه يرى الشاعر والروائي المصري صبحي موسى أن «الانترنت» عموماً «أصبحت تمثِّل الآن المدينة الفاضلة لكثيرين لا يتحقق وجودهم على الأرض إلا من خلالها، فهم ينشرون ويكتبون ويصادقون عشرات المؤمنين مثلهم بهذه المدينة». ويضيف صاحب ديوان «لهذا أرحل» ورواية «صمت الكهنة»: «لا تتعدى علاقتي بالشبكة العنكبوتية حدود صندوق البريد أو البحث في جوجل، ولا أستطيع متابعة ما تعرضه شاشة الكومبيوتر لأكثر من ساعة، إذ لا يمكنني أن أستعيض عن واقعي الصعب بعالم افتراضي وإن كان غاية في الجمال». ويستطرد قائلاً لـ»الحياة»: «لكننا يجب أن نعترف أيضاً أن المواقع الإلكترونية ساعدت على تواصل المبدعين بعضهم مع بعض، بل إنها كانت عاملاً مهماً في عقد الملتقى العربي لقصيدة النثر في القاهرة العام الماضي، فمن خلالها تواصلنا مع الكثير من الشعراء والنقاد العرب وإنتاجهم، وعلينا أن نعترف أن نشر أعمال خفيفة الكترونياً حقَّقَ لأصحابها في زمن قياسي ربحاً مادياً فاق ما حققه نجيب محفوظ من نشر رواياته ورقياً على مدى يزيد على نصف قرن». يقول الروائي والقاصّ المصري ممدوح عبد الستار: «علاقتي بالشبكة العنكبوتية بدأت حينما تعاقدت على نشر كتبي في أحد المواقع الالكترونية، وهذا جعلني أتعامل معها مرغماً». ويضيف صاحب رواية «منامة الشيخ»: «سرعان ما اكتشفت بعد ذلك الفيسبوك، وأدركت أن عدداً كبيراً من الأدباء في مصر والعالم العربي مشتركون في هذا الموقع الاجتماعي». عبد الستار الذي يقيم في قرية في شمال مصر، يجد نفسه الآن غير قادر على الاستغناء عن «التواصل» مع الآخرين عبر الفيسبوك والماسنجر والبريد الالكتروني، فضلاً عن أنه اكتشف- كما يقول لـ الحياة»- أن العالم الافتراضي «بات ساحة يستخدمها الجميع للترويج لأنفسهم من دون عائق». لكنه يستطرد ليؤكد أن «النشر الورقي مازال هو الأهم، فتجربتي الشخصية في النشر الإلكتروني لم تسفر عن بيع أي نسخة من كتبي حتى الآن، مع أن بعضها طُبع ورقياً مرتين، وفاز بجوائز أدبية تتميز بصدقية عالية». أما الروائي محمد العشري فيرى أن «ميزة الفيسبوك تتمثل في أنه يجمع أصحاب الاهتمام الواحد، والإبداع المشترك، من رواية وشعر وقصة ونقد، والمهن المتشابهة، من صحافة وإعلام وغيرها، في مجموعات أدبية، أو سياسية، أو دينية، أو نميمية بعضهم مع بعض، مما يسهِّل عملية التواصل بينهم، كما أنه يخلق نوعاً من العلاقة المباشرة مع قارئ يدفعه الفضول إلى قراءة أعمال سمع بها». ويضيف العــشري: «حــتى وإن كان ذلك التواصل في عالم افتراضي، إلا أنه عالم قابل للتحقُّق على أرض الواقع، إضافة إلى أنه ساهم في جذب الكثيرين إلى عالم القراءة، كما وسَّع من حلقة الدعاية المجانية للأعمال الإبداعية، وهي ميزة إعلامية ممتازة، توفرها شبكة واسعة الانتشار والتأثير». في الخلاصة يلاحظ العشري أن الفيسبوك «تحوَّل مقهى ثقافياً كبيراً، منفتحاً على عوالم كثيرة متنوعة ومتعددة، تمسك بأطراف بعيدة من الكون وتجعلها متلاحمة، تثرثر وتتنــاقش، تتجاذب وتتنافر، تحب وتكره، كــما أفادني كثيراً في نشر روايتي الأخيرة «خيال ساخن»، وفي إعـــادة قــراءة رواياتي السابقة». المصدر : دار الحياة |