مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

لينة كريدية وروايتها: خان زاده؟

بقلم: عبد اللطيف فاخوري محام ومؤرخ أصدرت دار الآداب سنة 2010 رواية لصاحبة دار النهضة لينة كريدية بعنوان <خان زاده>· ومع أن الرواية تدور حول ثلاث بطلات بيروتيات هن جيهان اليسارية السابقة العائدة الى تقاليدها القديمة، وروعة أسيرة أمها وحماتها، والراوية المتمردة المحبطة التي ترى مصيرها كمصير عمتها خان زاده·

يصحّ أن نعتبر الرواية صورة مجتمع بيروتي تشده الحداثة الى الغد، وترده الأحداث الى الماضي، يلهث مع الحركة ويرتاح الى السكون·

نسجل للكاتبة، التي يمكن أن تكون هي شخصية الرواية، لأن بطل الرواية هو غالباً كاتب الرواية نفسه، نسجل لها أنها تحتفظ في إسمها بالإملاء الصحيح للكلمة أي بالتاء المربوطة كما وردت في القرآن (وما من لينة قطعتموها··· الخ) وليس بالألف كما يحلو لبعض بنات اليوم· كما نسجل لها أيضاً أن القراء البيارتة يمكن أن يجدوا في روايتها شيئاً من ذواتهم وتاريخهم وعاداتهم·

تقرأ الرواية فيتمثل أمامك شريط من الذكريات المصورة، لأسر بيروتية محافظة وكل ذلك خلال مسيرة إحتساء زجاجة نبيذ وتدخين علبة تبغ·

تبدأ الذكريات مع أول رشفة من أول كأس النبيذ، وتنتهي الرواية مع ثمالة آخر كأس من الزجاجة حتى يصح القول: ما بين رشفة نبيذ ومثيلتها يبدل الله من حال الى حال· وما بين الجرعة والجرعة، تقص علينا الرواية تجارب جيهان وروعة·

ونتعرف الى تجارب الراوية في الحب والجنس، وهي اعترافات امرأة شرقية تبوح بأحاسيسها إصراراً منها على الإنفلات من هذا التابو <الجنس> الذي غدا لدى كاتبات الروايات من قبيل: الشيء لزوم الشي· وفي الأسطورة أن سالومي راقصة مجلس القيصر والتي انتقمت من يوحنا المعمدان، كانت ترتدي سبع غلالات (أقنعة)، وأن الإنسان قد يخلع ستة من هذه الأقنعة، إلا أن السابع لا يخلع لأنه مستكن في لاوعيه، فلا يبوح بدخائله إلا لنفسه، وقد يرويه في قصة ذاتية غير راغب في نشرها· وتبدو <خان زازه> خليطاً من السيرة الذاتية للراوية، والسيرة الشخصية لعمتها·

نجحت لينة كريدية بأن تجعل من القارئ نديماً للراوية، يجالسها ويستمع إليها، ولا يريد أن يغادر مجلسها إلا عندما تفرغ زجاجة النبيذ، فيمشي كل في طريق: تأوي الراوية الى مضجعها ويذهب القارئ الى غايته·

وسواء كان إحتساء زجاجة النبيذ حقيقياً، أو كان مجرد سيناريو مبتكر لسرد الذكريات، فليس من مهمة الناقد محاسبة الأدباء على سلوكهم الأخلاقي والإجتماعي، فمحكمة الأخلاق لها موضعها ومكانها وإجراءاتها· كما أنه ليس من مهمة الناقد النظر في الخمر الذي حرمت؟

هل كان يدخل فيها أنواع النبيذ التي كانت تصنع من التمر والعسل والشعير والذرة وغيرها؟ وفي تاج العروس نبذ الشيء ألقاه من يده وإنما سمي النبيذ نبيذاً لأن الذي يتخذه، يأخذ زبيباً أو ثمراً فينبذه، أي يلقيه في وعاء أو سقاء أو يطرحه في جرّة ويصب عليه ماء ويتركه حتى يفور من غير نار، وهو ما لم يسكر حلال·

ويبو أن كؤوس النبيذ ساعدت الراوية على حل عقدة لسانها، ومكنتها من البوح بمكنوناتها وإظهار ما أخفته واستكن في لاوعيها·

ونعود إلى خان زاه، لنقول بأن اختيار اسم خان زادة من الراوية لم يكن عبثاً، فإن لم يكن حقيقة إسم عمّه الراوية، فهو إسم تركي فارسي شاع أيام حكم العثمانيين، سميت كثيرات في بيروت به، منهن خان زاده بيهم، وخان زاده بنت الشيخ محيي الدين الفاخوري، جدة محيي الدين وأنيس النصولي، وقد يكتبها البعض موصولة، وهي من كلمتين خان وتعني السلطان الملك، وزادة وتعني بنت·

فالكاتبة بذلك تضعنا في المكان - بيروت بالذات مما يمنح عملها خصوصية· وتضعنا أيضاً في تمام الزمان - الزمان الأول، ما يمنح العمل أصالة وحنيناً، والذي كلما ذكر قيل: رزق الله·

وقد نجحت الكاتبة في تصوير نماذج بيروتية ففي كل اسرة توجد خان زادة، عمة أو خالة تهتم ببنات أشقائها وبنات شقيقاتها وهي العانس التي لم تتزوج لأنها من العائلات السبع - وكل يدعي وصلاً بليلى - فازدرت بأول عريس قائلة: من هيدا؟ ثم تقدم بها السن وقالت للخاطب الثاني: كيف هو؟ وتساءلت لما لم يتقدم الثالث: أين هو؟ في وقت كانت الأم تهيء جهاز ابنتها من مناشف وشراشف وحمالات صدر وفساتين نوم وفوط صحية وتجمع كل صنف في بقجة حتى صارت سبع بقج·

وفي كل أسرة إقبال وعلاقاتها مع حماتها وبنت حماتها التي تخفي غيرتها ببخلها وينطبق عليها المثل البيروتي الذي أحدثه إستعمال بابور البريموس والقائل: الحما بابور وبنات الحما إبره·

وتحدثنا الراوية عن أمها نموذج كبيرة الأسرة التي نحرص على تطبيق تقاليد الدفن بحذافيرها، من الدرجة الأولى والدفن درجات، الى البقجة الصرمة التي توضع على النعش وتتوارثها الأسرة (وأصبحت الآن تعلق في الحيطان) الى سيارة المقاصد إلى تأمين سير أولاد المدارس في الجنازة وقد بطلت هذه العادة، الى مشاركة بعض رجال البوليس والبصراء من المشايخ··· وصولاً إلى مكان العزاء الخ·

وتذكر الرواية إحدى النماذج ، من أفراد عائلتها أي طليقة جدها الذي كان ككل الرجال يلزم نساءه بلبس الخمار ووضع الفيشة على الوجه وكيف ضاق الأمر بالعروس من البقاء حبيسة البيت·

هذه الفيشة التي حجبت النساء عن المجتمع والتي تذكر بذاك الرجل الذي تزوج دون أن يعاين زوجته وفوجئ بجمالها غير الفتان - وخرج باكراً (في الصباحية) إلى المقهى بعد وضع بعض التنباك في شملة غنبازه، ونادتzه زوجته يا آغا··· يا آغا فقال لها: إإمري يا خانم؟ قالت: لم تقل لي على مين بغطي وعلى مين بكشف من أهلك؟ فقال: كشفي على كل الناس وغطي عليّ·

وقد نسيت الراوية، ما انسانها إلا النبيذ، أن تذكر يوماً محدداً شهرياً التي كانت ستات بيوت العائلات يستقبلن فيه صديقاتهن·

ولا بد أن نشير إلى موضوع يجدر بالكاتب أن يأخذه بعين الاعتبار وهو التدقيق في بعض المعلومات والأخبار· فالدقة مطلوبة في الكتابة سواء كان العمل رواية أو سيرة ذاتية أو شخصية أو تاريخاً اجتماعياً، ولا يجاز للكاتب أن يغفل عن أسماء النباتات والأشياء وعن جغرافية الأماكن وتاريخية الوقائع· وهو ما لاحظنا عدم مراعاته في الرواية·

ففي الصفحة 84 تذكر الكاتبة أن أهل الطفل الذي يولد أعمى مخيرون بين تحفيظه القرآن أو تعليمه تقشيش <كراسي السبيدران> وقد فسرت الكاتبة هذه الكلمة الأخيرة بأنها كراسي الخيزران القديمة، وهذا الرأي غير دقيق لأن المعروف في أثاث البيارتة قديماً أمران:

كراسي خيزران وتخت سبيدران· والسبيدران حسب رأينا هو السرير النحاسي المرتفع عن الأرض والتي في أعلاه طارة تركب عليها الناموسية·

وفيما تروي الكاتبة أخبار مطلقة جدها تشير في الصفحة 63 إلى أن المذكورة تقدم لها شاب غني <وهي لم تكد تنهي مدة الأربعة أشهر وعشرة أيام أي مدة العدة الشرعية> والحقيقة ان العدة الشرعية للمطلقة غير الحامل ثلاثة أشهر، والعدة الشرعية للأرملة أربعة أشهر وعشرة أيام، أي ثلاثة أشهر و40 يوماً· وتذكر في الصفحة 85 انه في أيام الدولة العثمانية> شكل أهالي عين المريسة وفداً لزيارة الوالي وان الهدف من الزيادة كان الشكوى على الشمس··> والعنعنات البيروتية المحلية تنسب هذه الشكوى إلى وفد من مزارعي مزرعة رأس بيروت الذين كانوا ينزلون بخضرواتهم إلى وسط بيروت فكانت شمس الصباح في وجوههم، ويعودون بعد العصر إلى رأس بيروت وتكون شمس الأصيل في وجوههم أيضا· ولا بد من الإشارة إلى أن عين المريسة تسمية حدثت أثناء الانتداب الفرنسي عندما جرت اعمال المسح العقاري، وكان اسم المحلة قديماَ <دار المريسة> أو <دير المريسة> كما اثبتنا في كتابنا <منزول بيروت>· وقد أصبح للمحلة إسمان دار المريسة في سجلات الأحوال الشخصية وعين المريسة في السجلات العقارية·

وفيما تذكر الراوية طفولة والدها، تشير إلى أنه كان يلحق بـ <خروج عيتاني> وتعني بها السيدة البيروتية التي كانت تقرر أربعاء أيوب· ونعتقد أن ثمة خطأً مطبعياً، ولعل المقصود خدرج (خديجة) وليس خروج·

تخبرنا الراوية (صفحة 105) بأن والدتها كانت تذهب إلى مقبرة الباشورة لتزور زوجها كل يوم جمعة حاملة أي نوع من الأزهار البيضاء، ونبتة <الأيس> التي تزين قبور المسلمين عادة·

ولعل النبتة المقصودة هي نبتة الأس بالانكليزية Myrtle وبالفرنسية Myrte وهو ضرب من الرياحين كان مقدساً عند الرومان ورمزاً للنصر عند اليونان وعنوان التكريم والاحتفاء عند العرب· كانوا يزينون به الجنازات في بلاد الشام· وثمر الآس تسميه العامة حنبلاس (حب الآس) ويرغبون بالحبة الكبيرة ويقولون مثل الحنبلاس الشامي كلما كبر كلما حلي، يشبهون به الإنسان إذا تجمل عند الكبر· وفي أمثال البيارتة بخمسة آس ولا عازة الناس دليلاً على نفورهم من الدين وتفضيلهم الموت على السؤال والحاجة إلى الناس· أما لماذا يضع الناس الآس على قبور موتاهم ففي ذلك حكاية ذكرناها في كتابنا <البيارتة· حكايات أمثالهم ووقائع أيامهم>···

المصدر : اللواء اللبنانية