<القرية في الجبل> كتاب القرية ومشهديات الحياة والفلكلور فيها وطقوسيات الناس بأحوالهم ومقاماتهم وسيرتهم الرعوية والزراعية هي جزء من سيرة الفنان جميل ملاعب الجمالية ورؤيته الذاتية للبشر كما يعتكسها في مراياه الداخلية عبر البصر والبصيرة وتوهم اللامرئي في المرئي حيث يضعنا جميل في مدارات الحدس والذوق والمخيّلة وبناء اللوحة بالتصوير والتلوين الذي يتطارح ويتجارح الضوء فيه ويراكمه ويراكبه عبر الريشة سواء بالغواش أو الزيت او عبر الباستيل الزيتي ولأنني عايشت فن جميل عبر عقود ارى ان لديه الرؤية والرؤيا معاً وهو عداء مسافات الألوان الطويلة في اشتقاقاته وكيماوياته وملوانته التي تتغيّر أسرع من تغيّرات الضوء في النهار أو تتواقت وتتواقع مع هذه التغيّرات حين يستلهم مشهديات القرية سواء داخل البيوت او خارجها في الزراعة والحصاد والرعي وجني الثمار والمحاصيل او نقل الماء وعمارة البيوت الولادات والختان والاعراس وجنازة الشهيد والمدرسة والباعة المتجوّلين والمصالحات وغير ذلك في بناء قرية او قرى وحيوات طبيعية في الشجر والبشر والطير والحيوان والعمار كل لك في حيوية وحركة وتوتر هذه المشاهد بسبب عصب الفنان وجسده وروحه الغنائية والبنائية معاً، وكأنه يحاول اغماض عينيه والحلم بهذه المشهديات، حيث هو الذي يرتبها ويبنيها ويخرجها فنياً وكأنه يمسرح اللوحة، ويجعل المرأة والاطفال الطيور والحيوانات ثم الرجال ابطالاً فيها ابطالاً عاديين يجترحون الحياة، في العمل والشقاء ودراما الافراح الصغيرة التي يناورون ويداورون فيها ويحتربون ويشتجرون عليها لكأن جميل يتكاتب ويتقارأ هذه القصائد الجمالية التي يدبجها بريشته، وهو يقوم فيها مقام المايسترو بسبب هذا العزيف المديد والعميق للحياة وبسبب الموسيقى الجذلة السرية والعلنية للأشكال والألوان التي يبادر الى استحضار ارواحها واجسادها معاً·· لا بد ان للفنان شهوة الضد فيما يتخايل ويتصاور ويتراسم في لوحاته النشوانة المنتشية بغوايات الالوان وصباباتها وحتى فراداتها فهي من عصارات روح الفنان وجسده، ومن تجواب دمه في عتمات الاعراق والشرايين والتماعاته، ومن خفق واصطفاق قلبه معاً، وهذا ما نتحسسه في الاشكال الشرقية الاشراقية التي يتجون ويتجوى في تعابيرها وحضورها المرح الميال الى الفرح والابتسام· حتى لو آثر احزانها في جنازة الشهيد وحتى لو آثر جديتها في المصالحات وحتى لو تراسم الديكة دون الدجاج في اطعام الدجاج، انه البازغ الباذخ في مقاماته الشكلية واللونية والمحتفي والمحتفل بالحياة والحركة وحرية القرية في التعامل مع الطبيعة في طقوسيات الزراعة والحصاد وجني الثمار وحتى في الموت والانبعاث عبر دورة الفصول وكأن احمره من دم تموز او ادونيس ويجري ويتجارى في مساحات اللوحات، حيث الاجساد في كامل نضارتها، وفتوتها وألوانها التي ضرجتها الشمس بأشعتها انه يتراسم زمن القرية بتحفير وتحقيب المكان وأثره على البشر وجدلهم وحوارهم وحركتهم فيه هم الذين يعمّرون حيواتهم كما يعمّرون بيوتهم ويستنبتون غذاءهم كذلك، في دورة الحياة· وحتى لو كانت الغنائية جذلة قوية في الالوان، الا ان هذه التقاليد التي يتراسمها الفنان يحورها ويحولها باتجاه الحداثة في صياغاته الفنية ومعالجاته للأرواح التي تتراءى كفراشات ملوّنة هنا وهناك، حتى انه يتداخل ويتخارج في هندساتها المرئية واللامرئية وبعض الموضوعات تفرض عليه رصفاً ما وهندسة للأشكال، واستظهاراً قوياً لضربات الريشة وكأنه يعمر تلك الاشكال، يطينها يفخرها ويخزفها، مرات، وحتى انه يتحافرها ويتناحتها احياناً اكثر من تذويب الاحاسيس فيها، ودفنها في مطاويها ربما حسب ما يرغب ويرتئي رغم انه يتراسم ويستكمل فردوس الطفولة المفقود وكأنه يتداوى به عن جراح المدينة ومنافيها واغتراباتها الحادة وعن المؤسسة التي داوم سنوات وسنوات وعلم فيها عبر جمود مناهج الفن وطرائق تدريسه التي تقيد الفنان، وتضغط على جسده وروحه ورؤاه الجمالية··! كتاب الفنان جميل ملاعب عن الجبل او القرية في الجبل وكأنه باحث انثروبولوجي لكن بقدر ما اللوحات مرئية ومحسوسة بقدر ما هي سرية وسحرية داخل الجواءات والمناخات التي آثر الفنان ان يشحنها في هواء اللوحات وفي ضوئها، وفي استعراءاتها المموسقة، حيث تماكن وتزامن معها وجعلنا في دهشة الطفولة لرؤية هذه المشهديات الحياتية بسبب الجاذبيات البصرية التي فيها وأبجدية الألوان الغنية المتجمهرة الحاشدة، والحافلة بشغف الفنان على التحويرات والتحوّلات والانزياحات التعبيرية التي تحرث في جوانية اللوحة، وفي الايقاعات المضمرة والمحمولة فيها، وكأنه يقشر جلد الواقعية ويكشطه، كي يصقل الألوان ويذهب في جواهرها واعراضها وفي توهجها وسطوعها وصحوها ومحوها معاً·· وقد آثر الفنان ان يقدّم كتابه الشاعر ادونيس الذي كان له رؤيا في الفن التشكيلي وفي الحداثة كما قدّم كتاب الفن التشكيلي السوري الذي اصدرته صالة الاتاسي بصاحبتها منى الاتاسي وأظنه من افضل النصوص والرؤى الجمالية التي قرأتها عن التشكيل وقدّم الفنان علي مقوص كما قدّم الفنان سبهان آدم في باريس، وهنا يقدّم الفنان جميل ملاعب على رؤية في حدس الفنان وتخييله للحياة المتحركة المتحوّلة في الجبل، ومشهدياتها الغنية الثرة والوفيرة كما جاءت في لوحات الفنان التي تشي بطفولته، ومرئيات من جنائنه وفردوسه المفقود حيث استبصر هذه المرئيات وجاء بها من اعماقه من هناك الى هنا عبر كيماويات جمالية رائعة ومذهلة· زهير غانم < كتاب الجبل < الفنان جميل ملاعب < 164 صفحة كبيرة < 120 لوحة بالألوان < إصدار فيني آرت بويليشينغ الناقد سيزار نمور المصدر : اللواء اللبنانية |