ليلى عساف في مجموعتها <ربيع يباغتنا> تسع وثلاثون قصيدة نثرية مع الإهداء· في مجموعة الشاعرة القاصة ليلى عساف وهي تتملى حياتها في الشروق والغروب معاً· حيث تفتح دخيلتها للشعر· وتنصرف إلى البوح والإعتراف بما عسفتها به الأيام حتى يجيء الشعر عبارة عن دراما الوقت· وتجلياته في الحياة التي لم تكن حياة كما يجب· أو كانت في مكان آخر، وربما كانت سرابية فرارة، فيها من التقدم في السن· والجثث والموتى· والأسرى والأمهات· بدءاً بأمها· وفيها من الآخر الذي يمكن احتسابه حبيباً، حسب إيماءات الشاعرة· من أول قصيدة، وداخل قصائد متعددة، إلا أن الخطاب الشعري يتعلق بالذات الشاعرة، والمرايا التي تعتكس هذه الذات الشغوفة بتفاصيل المحيط والعالم· وكأن الشاعرة تحاول تجميع حديقة إنسانية· أشجار وعصافير· في بعض القصائد· لكنها دائماً ما تتعثر بالغياب، رغم اتسامها في مشهديات متعددة· إنما لا شيء يكفي· إن الضرب الشعري في النقصان· وفي المحذوف· وفي خبر كان الذي تفتش الشاعرة عنه من خلال التعبير القصير· أو الطويل· كما هي أنفاسها في كتابتها الطازجة الغضيرة اللغة، حيث تبرم اتفاقها مع مرئياتها ومحسوساتها· ومسموعاتها· وليس كثيراً مع مشموماتها· وملموساتها· فيما المشاعر الطرية تكتنف ذلك· ليس هذا فحسب إنها في قصيدة الهايكو· توقع مشهدياتها وغياباتها· كما توقع حضورها الذي تتواقت وتتواقع معه· خاصة وأنها في صيرورة الزمن· وفي التحولات والإزاحات اتي تجريها طوال النوم والحلم واليقظة في تضاريس قصائدها· وفي جغرافيتها وطبوغرافيتها· وجيولوجيا أعماقها، وكأن ليس لها سوى أن تحلم في اليقظة هذه القصائد· فهي تحدسها وتتذوقها وتتأملها· وتحاول تفكرها أحياناً· إنما تغمد ذلك التفكر في مياه القصيدة الجارية الرقراقة العذبة التي تتكون من الأطياف والأشباح· ومن ظلال الأشياء· ليلى عساف تشتق قصيدتها، من جموح روحها الحبيسة، وتتوق بها إلى كسر الجدار الذي يحدث فيها ويتربصها· كما أنها تتوق إلى الحرية· ومحاولة وضع قرائن لفردوس أرضي· لفتاة تعيش عالماً مضطرباً مجنوناً· من الصراعات والحروب تحاول تبين مجريات حياتها من خلاله· فلا تعثر على هذه الحياة، ويصرعها الغياب أو قل يحولها من شاهدة إلى شهيدة، وهي كأنما تصاعد أنفاسها حسرات إلى السماء· مع ذلك هي في مصيدة الأرض· وجاذبية الأرض· والرحيل من مكان إلى مكان· وأكثر الأماكن حميمية· جسدها الذي يضج بالرغبات الفراسة الكاسرة· وبالشهوات أيضاًَ· فتفلت القصائد منها· وتطول لأكثر من صفحة· ثم تتقاصر لبضعة أسطر· ومشهديات· تتبارق فيها الصور الشعرية وتتراعد· وهي تحاول قول نفسها واستخدام تفاصيل العالم· لصياغة بورتريه كامل· لها· وللغيوم التي تعبرها· أو تتراءى لها· أو تتجاوفها وتتضايفها في قصائدها· إنها ترى الطبيعة كمرايا· تأخذ الأضواء والظلال السرابات والمياه· وتأخذ الحقائق والأوهام· مع ذلك تستسقي من هذه الطبيعة مياه الأنوثات الطافحات· وشبق الدم الشعري اللاحق بما ينسفك منه عبر العالم، بسبب الحروب، هي تنهي قصائدها· بأن من يُشرد، يجوع ويقتل· ويتأتى لها ذلك عبر تأمل غيمة وشعور بالدوار· إنها تتخايل ذلك لكن ألا تؤشر إلى مخيمات صيدا· وما يحدث فيها للاجئين، عبر سنوات اللجوء· إنها في تقفي الألم العربي· والألم الإنساني من خلال تقفي ألمها الخاص، وهي تتراءى في أحافير عوالمها، كما يتراسمها ويتخايلها كما هي من الداخل - وليس من الخارج· إنها تتصاور هذه العوالم· وقد تختمها بجمل كاشفة كالضوء· رغم سواد ما تتخايله، إلا أنها تتباصر ذلك لأنها عدا عن كونها شاعرة· فهي رسامة أيضاً وقاصة نبيلة··! ولم يكن من شأني الإطلالة على شعر الشاعرة لولا أنها قدمت مجموعتها لي· وتساءلت من أن أحداً لا يحتفي بها· بل لا يعرف حتى كونها تعيش خارج لبنان· قلت لها: لم أكن أكتب في الثقافة· فأنا محرر تشكيلي في جريدة <اللـــــواء>، ومع ذلك وعدتها بالكتابة عنها عند عودتي للكتابة في الثقافة، وها أنا أفعل كي لا يضيع الوفاء بين العرب· وهو ضائع على أية حال· إنما أنا أؤمن أن الأصدقاء هم كل شيء· وبعدها الأدغال وأعمل على توطيد ذلك خاصة في الصداقات الشعرية، وإيماني بالديمقراطية، رغم أن كتابة الشاعرة غير كتابتي· لكنني واسع في مروحة الشعر· من الكلاسيك حتى الشعر الحر· حتى قصيدة النثر· وقد علمني شوقي أبي شقرا ذلك على مر السنين· لذلك أنظر في شعر ليلى· وأراه أنيساً أليفاً· إنسانياً حتى وهي تبحث عن طفولة مفقودة فيه أو عن فردوس ضائع··! وليلى لا تقع في نمطية قصيدة النثر· كالكثير من مجايليها· بل هي تبحث فيها عما يخصها وعما تتمايز فيه عن بصمتها ووشمها، ووشيها وغريزتها التي تنفح فيها· ما يتشاكل في روحها من قلق عظيم· ومن أرق وسهاد· ربما تكون الكتابة عزاء· أو تخفيفاً لمواجع ومواجد الروح، ربما تكون وربما لا· لكن فعل كتابة قصيدة النثر· فعل حرية ومغامرة في التعبير عما هو كائن· عما يمكن أن يكون· لذلك تظل موقوفة على احتمالاتها· معلقة على صمتها وصوتها وصداها معاً··! زهيرغانم < <ربيع يباغتنا> شعر < الشاعرة ليلى عساف < دار بيسان للطباعة والنشر والتوزيع < 90 صفحة قطع وسط· غلاف ملون للشاعرة·
المصدر : اللواء اللبنانية |