الاستهلاك الإعلامي لم ينحصر الاستهلاك في شهر رمضان على تخمة شراء الأطعمة بأنواعها وتكديسها على الموائد، أو على الأمراض الجسدية التي تلي ما يحدث من غزوات غذائية غير مقننة، بل تجاوز الأمر إلى تخمة عروض المسلسلات والبرامج التي تحولت بدورها إلى ما يشبه المرض المستشري في العقول عقب بثها عبر القنوات الفضائية بأنواعها، ولم يعد المتفرج قادراً على التمحيص بين الغث والسمين، وصار يمكن أن يتابع مسلسلاً ما لمجرد الدخول في نقاش حول ثياب الممثلة، أو آخر ما توصلت إليه من عمليات تجميلية وغيرها .
ولم يعد هذا الأمر يدق جرساً على ما يبدو، بل ما يحدث هو ازدياد رداءة المعروض، وصار من الممكن أن نسمع بين يوم وآخر هجوماً على عرض فيه إسفاف أو إخلال بالقيم، أو غيرها من الأمور التي تبين ما وصل إليه حال العروض المتراكمة طوال الشهر، والتي تبين كذلك معنى الاستعجال في الكتابة والإخراج، وكذلك التمثيل .
وتعقب الهجمات العديد من الإجراءات التي لا تكفي بإيقاف عرض المسلسل أو البرنامج المعني، بل تتحول إلى قضايا في المحاكم بين سب وقذف، ولا تنتهي الأمور كما يجب، بل بتوسيع فجوة المشكلة وإقحام المتفرجين في الأخبار الصحفية التي تتناثر حولهم بلا مبرر .
وبدلاً من إيصال رسالة هادفة إلى المتفرجين، بدأت المحطات الفضائية تستنزف عقولهم، وتستفيد من ذلك مجلات الأخبار الاستهلاكية ضمن حلقات من الإثارة الإعلامية والأخبار التي تسير بالمتفرج المسكين فوق حقول ألغام، وتضعه بين ذراعي الموقف السطحي لما يحدث وراء الكواليس وحقيقة ما يدور من مشكلات ومشادات ينبغي ألا تظهر للعيان، وهي تؤكد أن ما يحدث حالياً لا ينتمي إلى الفن الراقي أصلاً، ويبتعد تماماً عن واقع الأخلاقيات الفنية والأدبية لما يجب أن يكون .
ومع أن هذه المواقف تتكرر في كل شهر، فلم يحدث أن تدخل أحد لإيقاف سلسلة المهازل، ولم نسمع عن موقف صريح يعلن عن تحجيم العروض الرمضانية وإلغاء المخططات التي ترمي إلى إعادة حلقات السذاجة والسطحية بشكل سنوي، ولم نعثر على من يأتي ويطالب بعدم إعادة وتكرار ما يحدث، مستفيدين من مشكلات الأعوام الماضية، ومبتعدين بذلك عما يمكن أن يحدث في الأعوام التالية .
ومع ذلك فمازالت العروض تتوالى كل عام، ومازالت الأفكار الباهتة والضعيفة تجد لها سوقاً رابحة بين المنتجين، ومازال الكتّاب المبتدئون والباحثون عن شهرة سريعة وغريبة يعثرون على أماكن الصدارة، وصار الممثل الذي يعتمد الصراخ والعويل هو البطل الأول لكل المسلسلات . ولا أدري إلى أي مدى يمكن أن يصل مستوى ما يدعونه فناً، ولا أعرف لماذا كتب على شهر رمضان أن يتحمل هذه السطحية، وأن نحوّله من شهر للتسامح والسلام والرضا، إلى شهر للعنف والبغض والخلافات القضائية المرهقة؟ المصدر : دار الخليج |