اليأس من الوردة بعد قراءة مجموعة الشاعر محمد علي شمس الدين الجديدة <اليأس من الوردة> لا بد وأن يبزغ السؤال عن شعرنة الشعر، والدخول في تضاعيفه، وفي جيولوجيا أعماقه الموارة لالتماس الزلازل والبراكين والصهارات التي تتقاذفها القصائد في وجوهنا، في اجسادنا وارواحنا عبر هذه اللغة المائية السلسبيل التي يتطارح الشاعر قصائده بها ويتجارحها عبر الدهشة الضوئية التي يثيرها في اعماقنا، وعبر هذه الرقرقة والتموّج والعذوبة والافتتان، وما يطالعنا به من شطحات تكاد تكون صوفية حديثة، خاصة في تناصه مع صوفية الحلاج المقتول، ومع طواسينه، كما لو انه ينقب وينجم في حدثه وفي مقتله، وتقطيعه ورجمه وحرقه وذر رماده في نهر دجلة لأنه استدخل الوجد والوله في ايمانه، والاصطلاء والاصطلام في مجريات روحه· كما لو انه كان في غيبوبة وغيمومة التعبير وانطماسه عبر <انا من اهوى، ومن اهوى انا··· الخ>، ثم ان الشاعر يقدّم ديوانه ببيت الحلاج <يا نسيم الروض وخبر للرشا، لم يزدني الورد الا عطشا> ولا ادري لماذا اتناهى في ذاكرتي البيت <يا نسيم الروح خير للرشا، لم يزدني الورد الا عطشا> على اية حال ربما اختلاف روايات وان الشاعر محمد علي شمس الدين ربما كان ادق في ذلك رغم اهتمامي القديم بالصوفية واشعارهم، وبقصة الوردة التي قتلت الحلاج، فبينما عرضوه ضمن حلقة للرجم بالحجارة، يبدو ان معلم الحلاج المتصوّف ولا اعرف اذا كان الجنيد، قدر رمى الحلاج بدل الحجر بوردة فتطلع فيه الحلاج بوجهه الدامي، وقال له: والله لقد قتلتني يا معلمي، فهل يئس الشاعر من هذه الوردة ام ماذا؟ ام انه اسقاط على معاناة الشاعر الحديثة في عالم قاس عنيف، دام وراعب وهكذا يكون في التناص مع الحلاج، عبر مأساته الدرامية الاعمق من شكسبيرية بكثير والافدح والمروعة على صعيد انساني، وكأن الشاعر في قصائده يرفض دمعاً وينزف دماً من روح جريحة ذبيحة، شهيدة حيث يتناقل شعره مع الحلاج بين النثر، وقصائد الكلاسيك ببضعة ابيات، وقصائد الشعر الحر، وهو يتنافد ويتناضح مأساة الحسين بن منصور بن الحلاج مع مأساة الحسين في كربلاء ومع الشهادة الحديثة في المقاومة انه يعمر الروح الانساني بأبنية اللغة الجمالية ويقدح شرر هذه اللغة ويشعل حتى احطابها الرطبة، ويتذاهب بها شهباً ونيازك اقماراً وشموساً ونجوماً ويخالط في نكهاتها وامزجتها، وخلاطها، ازمنه وكائنات، ومدائن واساطير، حيث يتباحث مع نفسه مع وعيه وشعوره ولا شعوره في متون قصائده وهوامشها وهي في كل الاحوال والمقامات والمقابسات الشعرية ذات محرق وبؤرة شديدة الاشعاع قوية الضوء والنور والنيران الشعرية معاً· ولأن الشاعر محمد علي شمس الدين على بيّنة واضحة عن شعره وقصائده وتناصه الذي عقده في شيرازيات ويعقده هنا ايضاً مع شعر الحلاج واحواله، يبتدع في هذا الشعر احواله هو الداخلية وبعض الخارجية حين يتعازف ويتعانق الوجود والعدم من خلال ذلك الى درجة استشعار جاذبية اليأس من الوردة الذي هو اليأس بعينه، والذي يسمّيه نيتشه فيلسوف التشاؤم ايضاً ان اليأس هو مرض الموت واظن الشاعر الذي يتقارع احوال الموت، يعلي من شأن الحياة، ويرفع راياتها في الحب والعشق ونضارة الوجود وعرامات الحياة، في صباباتها وغواياتها بحيث يتداخل شعره في المرئي واللامرئي من الصور التي يتوالدها، خاصة حين يدور في فلك التماهي مع المتنبي، وفي التماهي مع رثاء الشاعر الراحل محمود درويش انه يتوحّد في كائناته ويتقمّصها من بداية المجموعة الى نهايتها، تساعده هذه اللغة الالماسية المشعّة والذهبية الثمينة والمائية في سيولاتها والحجرية في صلوداتها، انها حجرية الرخام والمرمر مع رخامية اصوات اللغة لديه، وغنائها ونذيرها وأثيريتها وانوارها في الحب، ومضياءاتها التي تتأتى من كينونة الشاعر· كل ما تقدّم يقوله الشاعر بالإيحاء والدلالة والمجاز بعيداً عن الخطاب المباشر تماماً، لأن لديه اضواءه وظلاله في قصائده وجدليات الظاهر والباطن قانون اساسي في شعره، خاصة لجهة تقليب الكلام وتقليب المعاني لجهة يقينيتها واكتمالها ولجهة توقيفها وتورياتها واحتمالها، وكأن سكاكين الكلام تسلخ جلد اللغة الكيتم السميك احياناً كي تستظهر اللحم الحي، والدم والعصب للغة التي يستنزلها في شعره او يتنزل فيها بكل براءتها وعنفوانها، ونضارتها وغضارتها وطزاجتها وكل تحوّلاتها وانزياحاتها الكيماوية، فيما يندغم الشاعر في خطابه الشعري ويتماهى فيه بين الهمز واللمز، والهمهمة والدمدمة والهمس وبين الصوت الصائت والصدى الترجيعي الاسترجاعي، وبين الصمت الذي لا يصمت كما لو انه يتفاصح هذه اللغة ويتفاضحها، يستخدمها احياناً ويخدمها في اغلب الاحايين ليروى خصوباتها وخصوماتها الشعرية المتحاورة! ولمحمد علي شمس الدين قامته الشعرية وأسانيد عماراته في القصائد وكأنه يبنيها مدماكاً مدماكاً من احوال ومقامات ويموسقها حتى الهارموني الذي تنجلي فيه اللغة الشعرية، وتتجلى ويمارس فيها الشطح والشطوء حيث معتمد الصوفي في هذه المقامات الداوية داخل الروح، وحيث مجموعته مدينة شعرية لها زمنها وذاكرتها ولها اماكن الجسد واثيرية اماكن الروح وهو باب هذه المدينة الشاعرة عارف كثيراً بمداخلها ومخارجها الى درجة الصحو والمحو، ومسرحة القصيدة وادارة الكلام في المونولوغ والديالوغ مع كائناته التي يحاورها وكأنه يحاور نفسه، الا ان قوافل وجمهرات الكلمات تنفلت من عقالها، وتنتظم في هذه القصيدة او تلك كعقود الالماس· ولديه في الشعر تقاليبه في الحب، قرين الحياة والموت، وله عذاباته وحضوراته وغياباته معاً، وكأن له تصاريف ازمنة عديدة من الماوراء والما أمام أيضاً وهو في نقطة الارتكاز الوهمية بين هذه الازمنة يحاول الخلاص بالشعر، لكن هذا الطوفان الدموي، كأن لا منجى ولا عاصم الا ما يلطف فيه الشعر او الايمان معاً، ويستمر نداء استغاثاته! وحين يعانق الشعر النفس الانسانية يتأسس في اسها ويتشاكل مع نسغها وجذورها ويتداخل في جذوعها والاغصان الازهار والثمار ثم ينفلت الى الصمدية العليا، وكأن الشاعر يصدر في شعره عن العناصر الاربعة، ثم عن الزمن، فهو يزوج النار بالماء ويزوج التراب بالهواء ويتجاسد في هذه العناصر عن طريق تراكب الكائنات والاشجار الصحراء والرياح انه في شوق الى العود الابدي والاتحاد بهذه العناصر حتى لو كان الماء هو الغالب فيها <وجعلنا من الماء كل شيء حي> وماء اللغة هو الذي يتدفق ويجري بهذه السيولة والسلاسة في مستويات التعبير والجمل الشعرية التي يتخاصفها الشاعر ويتحاصدها ربما كي يغطي بها عورات هذا العالم او يتكاشفها ويتباصرها ربما كي يستعري كل شيء من الجسد الى الروح ومن الوجود الى العدم· ولغة الشاعر في <اليأس من الوردة> لغة توليدية متفجرة حرائقية ساخنة ودافئة وجدلية بما يحملها الشاعر من معاني تتفتق عن سريرة غنية ثرة وغزيرة بالمشاعر والرؤى والخيالات فهو ينزل المعنوي منزلة المادي ويصاعد بالمادي مع انفاسه الحارة الى مقام المعنوي، ويجادلهما معاً، كما يذهب في تخليق لغة التراث من القرآن والشعر مذاهب شتى مريحة وجديدة وتبتعث التساؤلات عن طاقة الشاعر على الانزياح في اللغة وعلى تحوّلاتها الكيمياوية الاشتقاقية والدرامية حيث تتطامن الكلمات وتخف منها ادوات العطف والاستئناف والوصل لكن الانقطاعات اللغوية والتعبيرية تظل في التواصل الشعوري الضاغط عالياً على مقياس ريختر بحيث تتبركن اللغة وتزلزل، وتدفق صهاراتها الشعرية الكشافة التي توحي وتدل وتذهب في بيّنة ما يعتمل في جسد الشاعر وروحه، وازمنته المتدافرة المتصارعة لكن القصيدة بهندساتها المرئية واللامرئية تنظم اشواق الشاعر، وتوقه الدائم الى الحرية والانعتاق حتى باستحضار الفناء والعدم والموت، حيث يحضر في قصائده، من غياب الغياب الى حضور الحضور واستحضار والارواح الشعرية المحومة المحلقة في فضاء الشعر· المصدر : اللواء اللبنانية |