القيان والأدب في العصر العباسي الأول للدكتورة ليلى الطبّوبي هذا الكتاب يكشف جانب من جوانب كون المرأة الإبداعي في أدبنا القديم - في العصر العباسي الأوّل، وهو عصر اختفت فيه الحرائر أو كدن على مسرح الحياة الاجتماعية والأدبية ولم تثبت غير الأمة المملوكة والجارية المغنية· هذا الكتاب هو بحث يمتد زمنياً من قيام الدولة العباسية (132 هـ) إلى نهية خلافة المتوكّل (247 هـ) ونظراً لكثرة القيان في هذا العصر من جهة ووفرة المادة الأدبية لهن من جهة أخرى· إن القيان صنف مخصوص من الجواري بمواصفات معينة من الجنس والصفة والعمل فالقينة بهذا التحديد هي الجارية المولّدة المختصة بالغناء· كان الرقيق المؤنث من أجناس مختلفة منهن البيض: الصقلبيات والروميات والتركيات والارمنيات واليونانيات ومن اسواقه سوق سمرقند ويجلب إليها رقيق تركستان وما وراء النهر والبلغار وسوق شرق أوروبا وهو يمر من ألمانيا الى الاندلس وصولاً الى موانئ إيطاليا وفرنسا ومنها إلى الشرق، وكان هذا الصنف من الجواري يُعد من اجود الرقيق واغلاه ثمناً، وتقول الكاتبة: <الميل إلى الرقيق الأبيض قديم عند العرب فقد كان البياض من الصفات المحمودة في عرفهم لأنه نادر عندهم فاستطرفوه وتغنوا به في اشعارهم من ذلك قول الشاعر الجاهلي قيس بن الخطيم: <فرأيت مثل الشمس عند طلوعها في الحسن أو كدنوّها لغروب صفراء أعجلها الشباب لداتها موسومة بالحسن غير قطوب> ومنه السود وهن الجواري اللاتي كن يجلبن من شرق افريقيا وآسيا وفيهن البربريات والزنجيات والحبشيات والنوبيات والهنديات والسنديات والقندهاريات· وتُشير الكاتبة إلى ان كل طائفة منهن اختصت بلون من جمال وميزة من حسن تحدث عنها العارفون وافاض المؤرخون في ذكرها· وقد كان لكل نوع من أنواع الرقيق ميزات خاصة يعرف بها، فالهنديات عرفن بالوداعة ولين الجانب ولكن سرعان ما يعرض لهن الذبول، واشتهرت السنديات بالخصر النحيل والشعر الطويل· هذا على سبيل المثال· تجلّى في العصر العباسي الأوّل الحس المرهف بالجمال والادراك الرقيق لنواحي الفن والابداع واتضحت القدرة على التعبير عن ذلك الحس وذلك الادراك وكان حب القيان فيه مظهراً من مظاهر تحسس الجمال ورد فعل مباشر له· وقد راجت سوقهن، <وكثر إقبال الناس عليهن وقد عني أصحابهن بإعدادهن لحياة العصر خير إعداد فعلّموهن الرواية والشعر والاجازة والمطارحة والغناء، وغير ذلك من آداب المفاكهة والمجالسة وفنون الإغراء وفتحوا لهن بيوتاً ومحلات كانت مواطن أنس وطرب يجتمع فيها طلاب اللهو واللذة من شعراء وأدباء وأعيان وغيرهم>· فشاع عشقهن والولوع بهن في زمن خف فيه التحرّج من إعلان العشق والتحشم في إظهار الحب والتصريح به· وصار الحديث عن العشق حديثاً مشاعاً وموضوعاً للدرس في مجالس الخلفاء والوزراء والأعيان أو في حلقات الفلسفة وعلم الكلام، وكثرت اشعار الحب والعشق والغزل، كثرة لعل من اكبر اسبابها ازدهار الغناء وانصراف المغنّيات والمغنّين الى اختيار انغامهم من اشعار الغزل والنسيب وتخيّر الألصق منها بالعواطف وأقربها الى النفوس واحلاها في الاسماع· وتؤكد الكاتبة أن ارتباط الشعراء لم يكن مقتصراً على القيان فقط، بل أن تعلّق الشاعر بالجواري عامة، قيان أو غير قيان، ظاهرة تفشّت في هذا العصر فقلما يلمع شاعر إلا وله جارية أو جوار يذعن شعره فلمطيع بن اياس جواريه، ولبشار جواريه هو الآخر· واشتهر غير شاعر بجارية وقف عليها شعره واشتهر أبو نواس بجنان، وأبو العتاهية بعتبة، والعباس بن الاحنف بفوز وكان مسلم بن الوليد يُلقب بصريع الغواني· المصدر : اللواء اللبنانية |