إن الصراع الذي نشب وربما لايزال بين النوعين هو بسبب خلو النثر من الموسيقا!، الأمر ليس تحرراً من التفعيلة، فالموسيقا شأن يختص به علم الموسيقا، أما هنا في قصيدة النثر من الممكن التحدث عما يسمى الإيقاع الداخلي.. واعتبر خضر الآغا أن الشعر هو في قلب العدم ويقول: لاإيديولوجية مكتوبة تدل عليه أو يدل عليها محمول على الريح، يخرج من المناطق الأكثر هشاشة وخوفاً وظلمة واعتاماً في النفس البشرية..
من جهة أخرى اختلفت المستويات اللغوية بالرغم من النثر الواحد بين الشعراء المشاركين فعلى سبيل المثال محمد دريوس وله (خط صوت منفلش) (ثلم في تفاحة طافية) يتميز بأسلوب سردي خاص في شعره لايخلو من المخاطبة المباشرة والحوار مستخدماً ضمير المتكلم ويوجه حديثه إلى ضمير المخاطب الأنثى بشكل عام كما في القصيدة التي ألقاها بعنوان (العبث الذي ينتحل عبثاً):
مأخوذاً بطيور من مخمل أبيض
كانت تقصر الليل عن يمينك
ثم تقطر
وتتبلر، على ممتد من قصب أصفر على شمالك
حين سمعت وأخذ منك خطر ماأخذ الخطر منك..
يختلف عن جمانة مصطفى (الأردن) التي تختار التكثيف والإيجاز لصالح معجم لغوي غني بالمفردات مبرزة الصور الفنية أكثر:
أدعوهم لعشاء
سأطهو فيه رجلاً
كان يسمى حبيبي
كان أن صحوت من تمعن قصير
ولم أجد لعابه على الوسادة وجدت سائلاً طحلبياً
تخرج منه ضفادع دقيقة تنقنق باحتراف
قبليني، قبليني
لم أحب اللزوجة يوماً ولم أجد في الضفادع إثارة تذكر..
من ديوان (عشر نساء) الذي صدر بعد كتابها الأول (غبطة برية)، ثم يبدو آخر (محمد رشو) وله (أنتظر الهواء لأمر بك) مضطرباً في الأداء ليقع في أفخاخ مكشوفة ثم يخطئ في النحو حتى ضاعت قصيدته في هذه الشرذمة اللغوية.
إيلي عبدو في نثر يتأمل الحياة مجدداً بلغة هادئة نسبياً، يلقي قصائد متفرقة من دواوينه (موطئ قدم) (عين رطبة):
الجسد المتأخر لم يقس
المسافة بدقة مابين النار ووهجها
وفاته أن القميص المتقطع الأزرار
ترف لايملكه الوقت..
أميرة أبو الحسن (سورية) في قصائد نثرية أنيقة عن انكسارات الأنثى، تغوص في العمق الإنساني كي تقلب مفرداته من اتجاهات مختلفة في قصائد من ديوان (احتفاء بشيء ما)، الشاعر السوري المغترب حسين بن حمزة ألقى بعد انقطاع دام أكثر من خمسة عشر عاماً عن الشعر قصائد مختلفة، ومن حلب كان عبد السلام حلوم وله (يسمونه عندنا) الذي أعاد النصاب إلى الاشتغال اللغوي بعيداً عن السرد واليوميات، في المقابل جاءت المحاضرة التي قرأها خليل صويلح مثيرة للجدل خاصة حين أعلن أن أغلب الشعراء لم يخرجوا من (المعطف الماغوطي) مؤكداً على أن قصيدة النثر هي صوت من موقع مغاير عبر مزج السرديات باليومي وإنصات الذات في تشظيها الشخصي.
الملتقى كان تحية إلى روح (عبد اللطيف خطاب) الشاعر الذي رحل باكراً إثر عملية جراحية عام 2006، وقرأ له الناقد والشاعر محمد فؤاد أحد مديري الجلسات بعضاً من قصائد ديوانه (الغرنوق الدنف) ويذكر أن ملتقى حلب لقصيدة النثر الذي اختتم في الأمس في دورته الثانية كان بدعم وتمويل أهلي من شعراء ومثقفين مدينة حلب أمثال السيد (حسين برو) الذي قام بإدارة وتنظيم الملتقى، لتشجيع شعراء النثر الجدد ويسعى القائمون عليه تكريس هذه التظاهرة للأعوام القادمة مع التركيز على شعراء من مختلف الأقطار العربية..