جاء محمد مهدي الجواهري دمشق قبل نيف وأربعين عاماً وأطل على جماهير سورية من خلال قصيدته الذائعة الصيت وخاصة المطلع الذي يترجم مرحلة الخمسينيات ويختصرها بأمانة حيث الغليان، بل الفوران، يتأجج في المرجل القومي في دمشق استعداداً للوحدة بين سورية ومصر مقدمة لسقوط حلف بغداد ونظامها الملكي حيث يقول الجواهري:
خلفت غاشية الخنوع ورائي
وأتيت أقبس جمرة الشهداء
عندما بلغ الرابعة والثمانين قال:
ماذا على التسعين يعوزها
ست ويطبق بعدها العدم
فلطالما شدت نوابغها
في الأربعين وكلها حزم
وقد كان مقبلاً على الحياة عجولاً في التهام لذائذها وطيباتها ومنحازاً أبداً للمحرومين، يبكي آلامهم ويثور لأوجاعهم، ويحمل الراية الأولى في مسيرات احتجاجهم ضد الطغاة من المتنفذين وتجار الآلام.
وكان حبه للحياة لايعادله إلا حبه التميز في كل شيء حتى في الموت.
في مناسبة أقيمت على شرفه في إحدى قرى جبل العرب استقبله أهل قرية حقف وحملوه هاتفين في حين كان الشباب من آل السمان يطلقون الرصاص فرحاً وترحيباً بقدوم الجواهري وعندما كان في طريق العودة مع الشاعر صابر فلحوط قال له:
والله تمنيت أن تصيبني اليوم رصاصة وأموت ليقال مات الجواهري محمولاً على رؤوس الرجال.
وسمعت الجواهري ذات شباب ينشد في دمشق وعلى مدرج الجامعة عام 1971 هذه القصيدة
لقد أسرى بي الأجل
وطول مسيرة ملل
وطول مسيرة من دون
غاي مطمع خجل
بعد سبع سنوات من نظمها في براغ 1965 تحت عنوان بريد الغربة ومنها:
سلاماً أيها الثاوون
إني مزمع عجل
سلاماً كله قبل
كأن صميمها شعل
ثم أنشد قصيدته الرائعة في الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وذكر أنه كان ممنوعاً من دخول مصر أيام عبد الناصر ولم يسمح له بالدخول إلى مصر إلا بعد 28 أيلول 1970، لكن ذلك لم يمنعه من إنصاف الزعيم الخالد فقال فيه:
أكبرت يومك أن يكون رثاء
الخالدون عهدتهم أحياء
أو يرزقون؟ أجل وهذا رزقهم
صنو الخلود وجاهة وعطاء
ياقائد الجيش الشهيد أمضه
شوق فزار جنوده الشهداء
وقد قال الجواهري في دمشق القصائد الطوال ودمشق ياجبهة المجد استحقت الغناء بصوت فنانتنا الكبيرة ميادة الحناوي:
شممت تربك لازلفى ولاملقا
وسرت قصدك لا خباً ولا مذقاً
كنت الطريق إلى هاو تنازعه
نفس تسد عليه دونها الطرقا
ويبعث الجواهري هذه القصيدة للشاعر صابر فلحوط من براغ في 28-11-1980:
أبا عمر وإن قل السلام
سلام مثلما عبقت شآم
وشوق لاكمألوف التحايا
ولكن مثلما ألف الهيام