مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

محمد البزم شاعر الأصالة ..قامة لغوية وشعرية

من يتصفح ديوان الشاعر الدمشقي الراحل محمد البزم متأملاً، متفهماً، متذوقاً، بغرض اعداد بحث، أو محاضرة عنه، فلا بد أن يلم به تردد كبير ذلك أن هذا الشاعر على الرغم من كونه حديثاً (1884-1955) م، فإن قصائده تشيع فيها الألفاظ المعجمية، بكثرة واضحة، لغزارة محفوظه من التراث وغير أن الشاعر مصطفى عكرمة أدخل نفسه في معترك ديوان الشاعر البزم لإعداد بحث عنه، حين رأى اثنين من كبار شعراء عصره، هما سليم الزركلي وعدنان مردم بك قد شرحا ألفاظ ديوانه المعجمية، وقالا فيه قولاً نقدياً عالياً، ينزله منزلة رفيعة بين أقرانه من الشعراء وقد جعل الشاعر مصطفى عكرمة من بحثه محاضرة عن الشاعر البزم ألقاها في مجمع اللغة العربية بدمشق، تحت عنوان «البزم شاعر الأصالة» وقف المحاضر عند قول شاعرين شآميين كبيرين هما سليم الزركلي وعدنان مردم بك كانا أعلم بالبزم وبشعره، في مقدمتهما الموجزة لديوانه:

« كان واسع المعرفة باللغة، كثير المحفوظ من الشعر والنثر، حسن الترسل في إنشائه، نقاداً عنيفاً» فكان قولهما دافعاً لدراسة ديوان الشاعر البزم، وكانت الصفات الأربع التي ذكراها في البزم مادة محاضرته هذه وأركانها، علماً أن عمل هذين الشاعرين في الديوان كان وقفاً على شرح ألفاظ شعره الغريبة والمعجمية، وما أكثرها في ديوانه، وعلى الرغم من أن الشاعر أمضى جل شبابه لاهياً ولم يكن له نصيب من التعليم النظامي، فقد كان لا بد لنبع عبقريته أن يتفجر ولا سيما أنه كان من حوله عشرات العلماء والمربين، فتحفزت مروءته، لينكب على الأدب انكباب الظمآن إلى مورد ماء عذب، وإذا به يتتلمذ على الشيخين الجليلين القاسمي وبدران، والعالم الفذ عبد القادر المبارك، مختصراً الزمن متداركاً ما فاته في شبابه، فدخل بخطا مطمئنة إلى حصون الأدب مع شغفه بلغة القرآن الكريم، حتى انتهى به الأمر إلى أن يقول إنه قد لحق بمن سبقوه لغة وأدباً وغزارة علم حتى فاقهم:

لو هب من رمس البلى الزمخشري ‏

لكان من غاشيتي ومن معشري ‏

أورامَ ما أحفظه الخليل ‏

أبدى الونى ومسّه الأليل ‏

أحفظ ما قد جاء في المحيط ‏

حفظاً صحيحاً ليس بالتخليط ‏

وقد ذاع صيت الشاعر -يضيف المحاضر- ولمع نجمه وهو اللغوي القاموسي والشاعر الفذ، دعي ليدرس في أهم مدارس دمشق. ‏

وممن درّسهم الشاعر البزم الأستاذ العالم الفاضل د. مازن المبارك عضو مجمع اللغة اليوم، وقد ذكر د. المبارك ذلك في نهاية المحاضرة وتحدث عن أشياء كان يتصف بها الشاعر محمد البزم. ‏

والمرحلة الثالثة والأخيرة من حياة الشاعر البزم، يقول المحاضر هي الشيخوخة التي كانت شديدة الوطأة عليه وقد أدخل المشفى العسكري بأمر من الرئيس الشيشكلي وقتئذ ليقيم فيه ثلاث سنوات قاسيات كف فيها بصره ونحل جسمه من أمراض لا ترحم، استمرت سبع سنوات، حتى توفي عام 1955. ‏

ويعود المحاضر إلى ديوان محمد البزم ليتحدث عن القصيدة الأولى فيها وهي عن دمشق التي فاق حبه لها وللعروبة أي حب آخر، وستبقى هذه القصيدة كما يقول المحاضر القصيدة الأولى بين قصائد ديوانه، ويزيد عدد أبياتها عن مئة وستين بيتاً. ‏

وعن الأغراض الشعرية التي دار عليها أكثر شعر البزم يقول المحاضر « إن شارحي شعر ديوانه قد قسماه إلى خمسة أقسام، كان النصيب الأوفر منها للوطنيات والقوميات». ‏

ودرة شعره في هذا الباب يقول المحاضر: قصيدة- دمشق التي لم يدع شيئاً من تاريخها ومعالمها إلا تغنى به ولعل أجمل ما قاله فيها: ‏

فيحاء ما قصر الصلاة مسافر ‏

فيها ولا خشنت عليه مهودا ‏

رفعت على هام الخلود بنودا ‏

ومضت تحلق في السماء صعودا ‏

ثم تأتي بعدها القصيدة الضخمة الفخمة، وهي قصيدة «يوم الجلاء» بمعانيها ومبانيها وانسيابها، مفتخراً بصانعي الجلاء من الأبطال الأفذاذ يقول البزم: ‏

للضيم في كل نفس حلها ألم ‏

واليوم زحزح عن أرباعنا الألم ‏

والعرب لا خنعوا مذ كان أولهم ‏

داراتهم رغم أنف المعتدي حرم ‏

أنت المنى والرجاء الفخم ‏

يا أمة طويت في مجدها أمم ‏

والباب الثاني من شعر البزم كما جاء في تقسيمات شارحي الديوان هو باب «الالهيات» الذي اشتمل على قصيدتين فقط، الأولى بعنوان (نجوى) يعتبرها شكوى حيناً وأغنية وشدواً وإفضاء بما تجيش به نفسه حيناً آخر، والثانية بعنوان «على ضفاف الجحيم» التي يظهر فيها تأثره بالمعري حين يقول: ‏

أغفيت أبغي جماماً من ضنى السهر ‏

وما أكابد من وجد على القدر ‏

وتأتي بعد هذه القصيدة قصيدة (محمد) ص التي علق عليها المحاضر بقوله: أحسب أنها أبلغ قصائده وأكثرهن عناية وأدقهن صياغة ووصفا، لكنها دون الكثير منهن عاطفة، لأن الشاعر صرف جلّ اهتمامه إلى العناية بالمعاني ودقة التصوير، وقوة مبناها على حساب العاطفة ويقول الشاعر: ‏

وقيدت له الدنيا قيادة طائع ‏

ذلول فكانت في سواها مآربه ‏

يؤاتيك وحي لا يرام ومنطق ‏

بوادره محمودة وعواقبه ‏

يد تحمل الفرقان عدلاً ورحمة وأخرى تقل السيف تفري مضاربه ‏

لسنا في هذه العجالة الصحفية بقادرين على أن نستوفي كل ما أتى عليه عكرمة في محاضرته، لذلك ترانا ننتقي انتقاء موجزاً، ونقف عند ما رآه المحاضر أجمل أبيات قالها محمد البزم وأصدقها وهي في «دمشق»: ‏

أيامها غرر الدهور وعصرها تجري بطاعنه العصور عبيدا ‏

تجري العروبة في نفوس رجالها ‏

مجرى النفوس ترائبا ووريدا ‏

سافر بلحظك حيث شئت فلن ترى ‏

إلا عجائب توجب التوحيدا ‏

وعما ذكرناه في مطلع المقالة عن انتهاج الشاعر البزم نهج أبي العلاء في اللزوميات يقول المحاضر: «إنه أحصى نحواً من تسعين قصيدة، نظمها في لزوميات كلزوميات صاحبه المعري ونختار نحن منها بعض أبيات قالها الشاعر في المرأة: ‏

رب شعر كنسيم الصبح في الأزهار أسرى ‏

راح يشكو في يمين الأرعن المغرور أسرا ‏

زعموا للأخرق المأفون شيطانا وشعرا ‏

وهو لو عُمّر عمر الدهر لن يحكم شطرا ‏

يبدو أن المحاضر عكرمة قد أراد من محاضرته التعريف بالشاعر محمد البزم في المقام الأول، فلم وقفات نقدية طويلة عند شعر البزم بيد أنه إضافة إلى صحة ما قاله الشاعر أن الشآميين محمد كرد علي وعدنان مردم على نحو عام فقد ذكر المحاضر من وجهة نظر نقدية قوله إن شعر البزم اتسم في كثير منه بغرابة الألفاظ، وجر القوافي، واصطناع الفكرة لتلائم مرويها. ‏

ت: موفق حموي ‏

المصدر : جريدة تشرين السورية