مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث
من نوادر الجاحظ

قال الجاحظ في صدد رده على من قال بوجوب قتل الكلب الأسود لأنه جني:
ورويتم في قتل الحمام مثلَ روايتكم في قتل الكلاب، ولم أركم رويتم أنّ الحمام مِسْخ، ولا أنَّ بعضَه من الجن وبعضه من الحِن، ولا أنَّ أمتين مسختا وكان أحدهما الحمام، وزعمتم أنَّ عمر إنَّما أمر بقتل الدِّيَكة حين كره الهِراش بها والقمار بها، فلعلَّ كلابَ المدينة في تلك الأيَّام كثُر فيها العَقُور وأكثر أهلُها من الهِراش بها والقمار فيها، وقد علمتم أنّ ولاة المدينة ربَّما دَمَروا على صاحب الحمام إذا خيف قِبَلَه القِمار وظنُّوا أنه الشَّرَف، وذكروا عنه الرَّمْيَ بالبُندق وخديعةَ أولادهم بالفراخ، فما بالكم لم تُخرِّجوا للكلابِ من التأويل والعذْر، مثلَ الذي خرَّجتم للحمام والديكة.
ورويتم في الجرَّيِّ والضِّباب أنهما كانتا أمَّتين مُسختا، وروى بعضهم في الإرْبيانة أنَّها كانت خيّاطة تسرِق السُّلوك، وأنَّها مُسِخت وترك عليها بعضُ خيوطها لتكون علامةً لها ودليلاً على جِنْس سرقتها، ورويتم في الفأرة أنَّها كانت طحّانة، وفي سُهيل أنّه كان عشّاراً باليمن وفي الحيَّة أنّها كانت في صورة جَمَل، وأنَّ اللّه تعالى عاقبها حتى لاطَها بالأرض، وقسم عقابَها على عشرة أقسام، حين احتملت دخولَ إِبليس في جوفها حتَّى وَسوَس إلى آدم مِنْ فِيها، وقلتم في الوَزَغة وفي الحكأة ما قلتم، وزعمتم أنّ الإبل خُلِقَت من أعنان الشياطين، وتأوّلتم في ذلك أقبحَ التأويل، وزعمتم أنَّ الكلابَ أمّةٌ من الجنّ مُسخت، والذئبُ أحقُّ بأن يكون شيطاناً من الكلب، لأنَّه وحشيٌّ وصاحبُ قِفار، وبه يُضرَب المثل في التعدِّي، والكلب ألوفٌ وصاحبُ ديار، وبه يُضرَبُ المثل، والذئب خَتُور غدّار، والكلب وفيٌّ مناصح، وقد أقام الناسُ في الدّيار الكلابَ مُقامَ السَّنانير للفأر، والذئب مضرَّةٌ كلُّه، والكلبُ منافعُه فاضلةٌ على مضارِّه، بل هي غالبة عليها وغامرةٌ لها، وهذه صفة جميعِ هذه الأشياء النافعة.
والناس لم يُطبِقوا على اتِّخاذها عبَثاً ولا جهْلاً، والقضاة والفقهاءُ والعُبَّاد والوُلاة والنُّسَّاك، الذين يأمرون بالمعروف وينهَون عن المنكر، والمحتَسِبة وأصحاب التكلُّف والتسليم جميعاً، لم يطبقوا على ترك النَّكِير على ما يشاهدونه منها في دورِ مَنْ لا يعصيهم ولا يمتنِع عليهمْ إلاّ وقد عَلِموا أنَّه قدْ كان لقتلِ الكلابِ بأعيانها في ذلك الدَّهر، معنى، وإلاَّ فالنَّاسُ في جميع أقطارِ الأرض لا يُجمِعون على مسالمةِ أصحاب المعاصي، الذين قد خلعوا عُذُرَهم وأبرزوا صَفحتَهم، بل ما ترى خصماً يطعن على شاهدٍ عندَ قاض بأنَّ في داره كلباً، ولا تَرَى حَكَما يردُّ بذلك شهادة، بل لو كان اتِّخاذُ الكلاب مأموراً به، لَما كان إلاّ كذلك. .... فإنْ زعمتم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نظَرَ إلى رجلٍ يتبع حماماً طيَّاراً فقال: "شيطانٌ يتبع شَيطاناً"، فخبِّرونا عمن يتخذ الحمام من بين جميع سكان الآفاق ونازلةِ البُلدان من الحرميِّين والبصريِّين ومن بني هاشم إلى من دونَهم، أتزعمون أنَّهم شياطينُ على الحقيقة، وأنَّهم من نجل الشياطين؛ أو تزعمون أنَّهم كانوا إنساً فمُسِخوا بعدُ جِنّاً؛ أم يكون قوله لذلك الرجل شيطان، على مثل قوله "شَيَاطِينَ الجِنِّ وَالإنْس" وعلى قول عمر: لأنَزِعنَّ شيطانَه من نُعرتِه، وعلى قول منظور بن رواحة:
فلما أتاني ما تقولُ تَـرَقَّـصَـتْ - شياطينُ رأْسِي وانتَشَيْنَ من الخَمْرِ
..... ورويتم عن عبد اللّه بن فايد بإسنادٍ له يرفعه قال: خرافة رجل من بَني عذرة استهوته الشياطين، فتحدَّث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوماً بحديث فقالت امرأةٌ من نسائِه: هذا من حديثِ خُرافة قال: لا وَخُرَافَة حقّ.
ورويتم أنَّ شريك بن خُباسة دخَلَ الجنَّةَ وخرجَ منها ومعه ورقةٌ من وَرَقِها، وأنَّ عمر سأل الرجل المفقود الذي استهوته الجنُّ فقال: ما كان طعامهم? قال: الفول والرِّمَّة، وسأل عن شرابهم فقال: الجدَف.... وزعَمتم أنَّ الجنَّ خنقت حرْبَ بن أمية، وخنقت مِرداسَ بن أبي عامر، وخنقت الغَريض المغنِّي، وأنَّها قتلت سعد بن عبادة، واستهوت عمرو بن عدي واستهوت عمارة بن الوليد، فأنتم أمْلياءُ بالخرافات أقوياءُ على ردِّ الصحيح وتصحيح السقيم، وردِّ تأويل الحديث المشهورِ إلى أهوائكم، وقد عارضْناكم وقابلناكم وقارضْناكم.



    * هذه الصفحة من إعداد الباحث زهير ظاظا : zaza@alwarraq.com
نصوص أخرى