عثرت على هذا النص النادر في كتاب (بغية الطلب) لابن العديم، ويتضمن ثلاث نوادر: الأولى: (لزومية) غير منشورة في اللزوميات، وكانت آخر ما قاله أبو العلاء من الشعر. والثانية: الحديث عن آخر أيام أبي العلاء. والثالثة: ملاحظة ابن بطلان حول (إرهاصات الموت) وهي نظرية أترك تفسيرها لأهل الشأن من الأطباء، وأضيف إليها من تجاربي أنه كان لي صديق من أهل حماة، في سن والدي، وكان لا يكاد يبتسم أسفا منه على ولد له اخترمته أحداث حماة في عنفوان شبابه، وفي يوم من الأيام رأيته يضحك لنادرة سمعها، ولكنه أفرط في الضحك، وضحك وضحك، حتى طفر الدمع من عينيه. ولم تكن النادرة التي سمعها تستحق كل هذا الضحك، فتركته لبعض شأني وأنا أتفكر في صورة ضحكه الغريبة، فلم تمض ساعة على هذه القصة حتى سمعت زملائي ينادون (مات أبو حيدر). وأحسب أن ملاحظة ابن بطلان في القصة التالية هي من جنس ملاحظتي. قال ابن العديم: ذكر الوزير القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني في كتاب إنباء الأنباه في أنباء النحاه قال: قرأت بخط المفضل بن مواهب بن أسد الفارزي الحلبي قال: حدثني الشيخ أبو عبد الله الأصبهاني قال: لما حضرت الشيخ أبا العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي الوفاة أتاه القاضي الأجل أبو محمد عبد الله التنوخي بقدح شراب، فامتنع من شربه، فحلف القاضي أيماناً مؤكدة لا بد من أن يشرب ذلك القدح وكان سكنجبين (1) فقال أبو العلاء مجيباً له عن يمينه:
أعـبد الله خير من iiحياتي
وطول ذمائها موتٌ صريح
تـعـلّلني لتشفيني iiفذرني
لـعـلي أستريح وتستريح
وكان مرضه ثلاثة أيام ومات في اليوم الرابع، ولم يكن عنده غير بني عمه، فقال لهم في اليوم الثالث: اكتبوا، فتناولوا الدوى والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب، فقال القاضي أبو محمد: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت. فمات في غداة غد. وإنما أخذ القاضي هذه المعرفة من ابن بطلان، لأن ابن بطلان- كان يدخل على أبي العلاء، ويعرف ذكاءه وفضله، فقيل له قبل موته بأيام قلائل: إنه أملى شيئا فغلط فيه، فقال ابن بطلان: مات أبو العلاء، فقيل: وكيف عرفت ذلك? فقال: هذا رجل فطن ذكي ولم تجر عادته بأن يستمر عليه سهو ولا غلط، فلما أخبرتموني بأنه غلط علمت أن عقله قد نقص، وفكره قد انفسد، وآلاته قد اضطربت، فحكمت عليه عند ذلك بالموت والله أعلم. ــــــــــــــــــــــــــ
(1) السكنجبين - oxymel - شراب مكون من العسل و الماء و الخل. انظر كلام الأستاذ لحسن بنلفقيه عليه في مجالس الوراق