رسالة الكاغيكوس مقدم الأرمن لصلاح الدين حول تحركات ملك الألمان
رسالة الكاغيكوس مقدم الأرمن وصاحب قلعة الروم التي على طرف الفرات، يخبر فيها صلاح الدين عن تحركات ملك الألمان: (كتاب الداعي المخلص الكاغيكوس مما أطالع به علوم مولانا ومالكنا السلطان الناصر جامع كلمة الإيمان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، أدام الله إقباله، وضاعف جلاله، وصان مهجته وكماله، وبلغه نهاية آماله، بعظمته وجلاله: من أمر ملك الألمان وما جرى له عند ظهوره، وذلك: أنه أول ما خرج من دياره، ودخل بلاد الهنكر غصباً، وغصب ملك الهنكر بالإذعان والدخول تحت طاعته، وأخذ من ماله ورجاله ما اختار، ثم إنه دخل أرض مقدم الروم، وفتح البلاد ونهبها وأقام بها وأخلاها، وأحوج ملك الروم إلى أن أطاعه وأخذ رهائنه ولده وأخاه وأربعين نفراً من خلصائه، وأخذ منه خمسين قنطاراً ذهباً وخمسين قنطاراً فضة، وثياب أطلس مبلغاً عظيماً، واغتصب المراكب وعاد بها إلى هذا الجانب، وصحبته الرهائن إلى أن دخل حدود بلاد الملك قليج أرسلان، ورد الرهائن وبقى سائراً ثلاثة أيام، وتركمان الأوج يلقونه بالأغنام والأبقار والخيل والبضائع، فتداخلهم الطمع، وجمعوا من جميع البلاد، ووقع القتال بين التركمان وبينه، وضايقوه ثلاثة وثلاثين يوماً وهو سائر ولما قرب من قونية جمع قطب الدين ولد قليج أرسلان العساكر وقصده وضرب معه مصافّاً عظيماً، فظفر به ملك الألمان وكسره كسرة عظيمة، وسار حتى أشرف على قونية، فخرج إليه جموع عظيمة من المسلمين فردهم مكسورين، ودهم قونية بالسيف، وقتل منها عالماً عظيماً من المسلمين والفرس، وأقام بها خمسة أيام فطلب قليج أرسلان منه الأمان، فأمنه الملك واستقر بينهم قاعدة أكيدة، وأخذ منه الملك رهائن، عشرين من أكابر دولته، وأشار على الملك أن يجعل طريقه على طرسوس والمصيصة ففعل وقبل منه. وقبل وصوله إلى هذه البلاد نفذ كتابه ورسوله يشرح حاله وأين قصده وما لقيه في طريقه، وأنه لا بد مجتاز هذه الديار اختياراً أو كرهاً، فاقتضى الحال إنفاذ المملوك حاتم وصحبته ما سأل، ومعه من الخواص جماعة للقاء الملك في جواب كتابه، وكانت الوصية معهم أن يحرِّفوه على بلاد قليج أرسلان إن أمكن، فلما اجتمعوا بالملك الكبير وأعادوا عليه الجواب، وعرفوا الأحوال أبى الانحراف، ثم كثر عليه العساكر والجموع ونزل على شط بعض الأنهار، فأكل خبزاً ونام ساعة وانتبه فتاقت نفسه إلى الاستحمام في الماء البارد، ففعل ذلك وخرج، وكان من أمر الله أن تحرك عليه مرض عظيم من الماء البارد، فمكث أياماً قلائل ومات، وأما (ابن لاون) فكان سائراً ليلقى الملك، فلما جرى هذا المجرى هرب الرسل من العسكر، وتقدموا إليه وأخبروه في الحال، فدخل في بعض حصونه واحتمى هناك. وأما ابن الملك فكان أبوه منذ توجه إلى قصد هذه الديار نصب ولده الذي معه عوضه وتوطدت قواعده، وبلغه هرب رسل (ابن لاون) فأنفذ واستعطفهم وأحضرهم وقال: إن أبي كان شيخاً كبيراً وإنما قصد هذه الديار لأجل حج بيت المقدس، وأنا الذي دبرت الملك وعانيت المشاق في هذه الطريق فمن أطاعني وإلا بدأت بقصد دياره. واستعطف ابن لاون واقتضى الحال الاجتماع به ضرورة وفي الجملة فهم في عدد كثير. ولقد عرض عسكره فكان اثنين وأربعين مجفجَفاً* وأما الرجالة فلا يحصى عددهم، وهم أجناس متفاوتة، وخلق غريبة، وهو على قصدٍ عظيم وجدٍّ في أمرهم وسياسةٍ هائلة، حتى إن من جنى منهم جناية فليس له جزاء إلا أن يذبح مثل الشاة. ولقد بلغني عن بعض أكابرهم أنه جنى على غلام له وجاوز الحد في ضربه، فاجتمعت القسوس للحكم فاقتضى الحال والحكم العام ذبحه، وشفع إلى الملك منهم خلق عظيم. فلم يلتفت إلى ذلك وذبحه وقد حرموا الملاذ على أنفسهم حتى إن من بلغهم عنه بلوغ لذة هجروره وعزروه، كل ذلك كان حزنا على البيت المقدس. ولقد صح عن جمع منهم أنهم هجروا الثياب مدة طويلة، وحرموها على أنفسهم ولم يلبسوا إلا الحديد، حتى أنكر عليهم الأكابر ذلك، وهم من الصبر على الشقاء والذل والتعب في حال عظيم. طالع المملوك بالحال وما يتجدد بعد يطالع به إن شاء الله تعالى.." هذا كتاب الكاغيكوس ومعنى هذا اللفظ الخليفة، واسمه بركري كور ابن باسيل. _______________ *المجفجف لابس التجفاف وهي آلة للحرب تتخذ من حديد وغيره، يلبسها الفرس أو الإنسان لتقيه في الحرب، والجمع تجافيف (المعجم الوسيط)