مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث
صفحات مختارة من يوميات ويلفرد بلنت

ننصح بقراءة مقدمة وخاتمة البطاقة السابقة لصلتها بهذه البطاقة، ونستعير من  د. علي شلش نبذة من تقديمه لهذه اليوميات في كتابه (سلسلة الأعمال المجهولة: ص 78) قال: (عرف ويلفرد بلنت محمد عبده طوال ما يقرب من ربع قرن، وربطت بينهما صداقة روحية تركت أثرا عميقا في كل منهما، وظلت موصولة حتى وفاة محمد عبده سنة 1905 وكان لها أثر كبير على بلنت نفسه، اعترف به في أكثر من مناسبة، ولاسيما في تقديمه لكتابه المشهور : (التاريخ السري للاحتلال الإنجليزي لمصر) فلولا محمد عبده وتوجيهاته ما ظهر ذلك الكتاب على النحو الذي ظهر به في طبعته الثانية المزيدة والمنقحة).... وفي هذه المقدمة قوله: (أجد ورقة بين أوراقي تشير إلى تاريخ 28/ يناير/ 1881م ففي ذلك اليوم صحبني لأول مرة عالم أزهري متحمس إلى البيت الصغير الذي يقيم به محمد عبده في حي الأزهر ....إلخ) أما يوميات بلنت، التي نختار منها هذه الباقة فهي جديرة بأن تنشر برمتها على الوراق، ولم أختر منها هذه المختارات لتميزها عن سواها، وإنما خشية أن أرهق القراء بطول المادة، وأنا هنا أنصح القراء بمراجعتها وقراءتها كاملة. أو قراءة ما نقله د. علي شلش منها. وتقع في كتابه المذكور من (ص78 حتى 141).

 

(9/ مارس/ 1898م )

(غادرت مصر إلى إنجلترا، وقد جاء محمد عبده لتوديعي، كنت أعاني ألما بالغا، حتى شعرت بأني أكاد أموت، وفي مثل هذه الظروف منذ عامين كدت أعلن إسلامي بين يديه، ولكني لن أفعل ذلك اليوم، مع أني تأثرت كثيرا لفراقه، كما لو كنت ألقي آخر كلمات على صديق عزيز، ولكني أشعر الآن أن هذا كله وهم، فالمسلمون الذين يؤمنون اليوم لا يزيدون على الوحوش المفترسة، مثل رجال سيوه، والباقون فقدوا إيمانهم، ومع ذلك لا تغريني المسيحية كثيرا، ولست أرغب في الحياة مرة أخرى، وإنما أرغب في فناء القبر) وأراد بقوله: (مثل رجال سيوه) واحة سيوه التي كانت مركز السنوسية، في الصحراء الغربية، والتي قصدها يوم 5/ فبراير/ 1897م أثناء بحثه عن المذهب الأجدر باعتناقه للإسلام، وكان في صحبته ثلاثة من البدو، وخادم، وأحد أبناء قبيلة أولاد علي، وستة جمال وفرس، ولكنهم ضلوا الطريق بعد خروجهم من الفيوم، فوقعوا في كمين من (200) شخص، من أتباع السنوسية، فظنوه من جواسيس السلطان، وتعرض للضرب والابتزاز والإهانة وتجريده من ماله وسلاحه، ولولا تدخل معاون سيوه لمات في أيديهم، ثم عاد إلى داره محطما يجر أذيال الخيبة، وتركت هذه الحادثة أثرا في نفسه لم تمحه السنون، ولكنها لم تفقده عطفه على أصدقائه المسلمين.

(28/ يناير / 1898م)

جرى بيني وبين محمد عبده حديث طويل حول موضوع البشر ومعاملة القوي للضعيف، وقد وجدته متشائما مثلي. فقد طالع التوراة مؤخرا، ووجد أن فظائع المسيحية ترجع على نحو واسع إلى صلتها باليهودية .... وعبده لا يعتقد أن مستقبل البشرية زاهر، وأخشى أن يكون إيمانه بالإسلام ضعيفا، بالرغم من أنه مفتي الديار، مثل ضعف إيماني بالكنيسة الكاثوليكية.

(4/ ديسمبر 1902)

جاء مفتي الديار وجلسنا نتحدث هذا الصباح لمدة ساعتين، وكان قد أرسل لي كتاب (فتح العرب لمصر) من تأليف بتلر، الذي تلقاه هدية، ورحت أشرح له محتويات الكتاب، لأنه لا يقرأ الإنجليزية، ومن رأيه أن نظرية بتلر عن المقوقس وانطباقه على (سايروس الملخي) بطريرك الإسكندرية عاطلة من الصحة، ويقول: إن المؤكد أن المقوقس كان قبطيا، وحاكما على مدينة ممفيس، وأنه وسواد القبط أيدوا الفتح العربي الذي خلصهم من طغيان الرومان ... إلخ.... وروى لي عبده كيف تم تجويع مدحت باشا حتى الموت في سجنه بمدينة الطائف ....  ثم جزوا رأسه وأرسلوه إلى القسطنطينية. أما عبد الحميد فقد قال عنه عبده: إنه أكبر مجرم على قيد الحياة، وهذه كلمة شديدة، ليس من اللائق أن يستخدمها مفت الديار في وصف خليفته.

(22/ ديسمبر/ 1902)

(روى بلنت في مذكرات هذا اليوم أن صحيفة عربية في القاهرة نشرت قصة مختلقة عنه، وكيف أنه أيرلندي المولد، يكره إنجلترا بالوراثة، لم يكن على ثراء، ولكنه تزوج ابنة لورد إنجليزي كبير، بشرط أن ينتقم لأبيها، الذي اغتيل وهو يتنقل في أنحاء الدولة العلية، وترك أربعة ملايين جنيه، ففرضت ابنته ذلك الشرط على خطّابها، حتى تقدم بلنت فوافقت عليه، ومنذ ذلك اليوم تزوجا، وكرس هو حياته من اجل القضاء على الامبراطورية العثمانية، عن طريق إثارة العرب لإعلان الخلافة العربية). قال: (ناقشت الموضوع مع محمد عبده، فاقترح علي أن أجعل هذه القصة فرصة لأنشر بالعربية قصة اتصالي بشؤون مصر سنتي (1881 ـ 82) ومن هذا الاقتراح كما يقول بلنت، نما العمل الذي شغله طوال شتاء ذلك العام (1902) بالاشتراك مع المفتي، ونشر طبعته الأولى بعد خمس سنوات تحت عنوان (التاريخ السري للاحتلال الإنجليزي لمصر)

(8/ فبراير/ 1903)

روى لي حمودة عبده -شقيق الشيخ، وكان قد نال رتبة البيكوية- أنه دعي مؤخرا إلى حفل راقص عند الخديوي فرأى هناك نساء عاريات، ولما سأل عن حقيقتهن قيل له: إنهن زوجات المسؤولين الإنجليز، وفي الحضور قاضي محكمة الاستئناف، الذي ترافع حمودة أمامه كثيرا، وقد رأى القاضي نفسه والخديوي يراقصان النساء، فشعر بالخجل واضطر إلى الانصراف، بعدما شاهد الخديوي يشرب الخمر. فقلت له: (يا صديقي العزيز، لعلك لا تدري أن هذه طرقتنا في تحضير الشرق، انتظر عشرين سنة أخرى لترى كل قضاة مصر، ومنهم أخوك المفتي يراقصون النساء العاريات، ومن يدري: ربما يذهبون إلى هذه الحفلات ورؤوسهم عارية).

(6/ مارس/ 1903)

حضر محمد عبده ومعه الشيخ رشيد رضا الذي تسبب في غضب الخديوي، ويبدو رجلا محترما، وكان بصحبتهما حافظ إبراهيم، وهو شاعر فلاح. تناقشنا معه حول المعلقات، وقد اتفق الثلاثة على أن أفضل الشعر العربي ليس شعر الجاهلية، وإنما شعر القرن الثاني للهجرة، وهذا مخالف تماما لأفكارنا الإنجليزية، ولكن مقياس الجودة عند الآذان العربية مختلف عن مقياس الجودة عندنا، فما يعجب المثقفين هنا في الشعر هو الوزن، وليس معنى الشعر، وهم لا يهتمون كثيرا بمظاهر السذاجة والبساطة عند شعراء ما قبل الإسلام، ويعدونها من قبيل العيوب ، ليس غير، ولا يستطيعون إدراك أية قيمة على الإطلاق في ملحمة أبي زيد الهلالي، وقد أدركت أن هؤلاء الرجال الثلاثة لم يرضوا عني بسبب إعجابي بها.

(6/ أغسطس/ 1903)

كتب بلنت هذه اليومية في بيت له في (نيوبيلدنجز) في ريف لندن، وكان قد وصلها عائدا من مصر يوم 6/ إبريل، قال: (وصل محمد عبده أمس من مصر مع شقيقه حمودة -لمقابلة الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر-وأوصلتهما اليوم إلى كرابيت -بيت بلنت الريفي حيث يحتفظ بخيوله- ومنه إلى نيوبيلدنجز، وجلس معي محمد عبده في مقصورة العربة التي جرتها خيولي العربية الأربعة، ودار بيننا حديث طويل حول الشؤون المصرية.

(الأحد 9/ أغسطس/ 1903)

أمضيت وقتا لطيفا مع المفتي خلال الأيام القلية الماضية، وجرى بيننا اليوم ونحن نتمشى في غابة (نيوبيلدنجز) حديث طويل عن الدين، سألته بوجه خاص عن عقيدته في الملائكة والأرواح، ومع أنه لا ينكر وجودها فقد قال: (لم يحدث أن رآها أحد، وليس من الممكن معرفة أي شيء عنها. أما الله: فمن المستحيل أيضا أن يعرف عنه أحد شيئا... ثم تحدثنا أيضا عن حوادث سنة (1882) وتصفح الأوراق التي تتصل بمحاكمة عرابي، وحثني بشدة على نشر تاريخ تلك الفترة، ومع ذلك فالصعوبة التي تواجهني هي أن أهم مستنداتي وخطاباتي كتبها أشخاص ما زالوا على قيد الحياة، وقد يعترضون على نشرها، في حين أن بدونها من المستحيل تعرية دسائسنا الإنجليزية بطريقة لا يمكن دحضها...إلخ.

 

(10/ أغسطس/ 1903)

ذهبت مع عبده إلى مدينة برايتون (المطلة على القنال الإنجليزي جنوب لندن، والواقعة في مقاطعة سسكس التي يعيش بها بلنت) لمقابلة هربرت سبنسر، الذي جاء إلى إنجلترا خصيصا لزيارته، وهو (أي محمد عبده) يعده فيلسوفا عظيما، وقد ترجم محمد عبده إلى العربية كتابه عن التربية -لا نعرف أي شيء عن مصير هذه الترجمة سوى ما حكاه رشيد رضا في تاريخ الأستاذ الإمام ص 1034 من أن محمد عبده ترجم كتاب التربية عن الفرنسية أثناء تعلمه لها، لأجل التمرن على الترجمة، وأنه عرض ترجمته على قاسم أمين فاستحسنها-  وكان سبنسر قد أرسل عربته وسكرتيره المستر (تراوتون) لاستقبالنا في محطة برايتون، ووجدنا الرجل العجوز (83 سنة وقتذاك) في فراشه بغرفة مكتبه الخلفية في برسيفال تيراس (بيته) حيث كان طريح الفراش منذ أبريل. .. كان نحيلا للغاية، يده مجرد هيكل عظمي (انظر تفاصيل هذا اللقاء في (د. شلش ص125) وتدور حول وجود الله، وقد توفي سبنسر بعد هذا اللقاء بخمسة أشهر.

 

(12/ نوفمبر/ 1903)

جاءنا محمد عبده، وكان قد ذهب لزيارة (أوكسفورد) وروى لنا القصة الكاملة لمغامراته، وعثوره على عدد من المخطوطات العربية التي لا يعرفها أحد في الأزهر إلا بالاسم، ومن بينها مراسلات بين فيلسوف عربي يدعى (EL Sebain)

أو (السباين) وفريدريك الأكبر ملك بروسيا في القرن الثامن عشر... وينوي عبده تكليف من ينسخ عددا من هذه المخطوطات بتمويل من إدارة الأوقاف، وقد ذهب من إنجلترا إلى سويسرا، ومنها إلى الجزائر وتونس، ورسم صورة محزنة للأحوال في شمال أفريقيا الفرنسي....إلخ (انظر تفاصيل ذلك في المرجع المذكور ص127).

 

(23/ نوفمبر/ 1903)

أرسلت أمس الطبعة الفرنسية من كتابنا (رحلة إلى نجد) إلى محمد عبده، حتى يجد ما يسليه في شهر رمضان، ثم جاء إلى هو نفسه، وتطرقنا في الحديث عن مدحت باشا. قال لي: (إنه لم يعجب به على الإطلاق، بالرغم من عطفه على قضية الدستور في القسطنطينية، التي تولى مدحت باشا بطولتها، وأضاف: انه كان رجلا مندفعا، لا يعرف الحذر، ولاسيما مع كؤوسه، لأنه اعتاد الشراب، وكان هذا سر سقوطه.. حضر يوما مأدبة عشاء في طرابلس، حين كان واليا على سوريا، فوصف نفسه في خطاب ألقاه بأنه محطم ملكين، مشيرا بذلك إلى السلطان عبد العزيز والسلطان مراد. ونقل الخبر إلى السلطان فكان سببا في تحقير مدحت. أما من ناحية كونه مصلحا فقد كان ضحلا ومتأوربا بأسوأ معنى،ومع ذلك كان سقوطه سوء حظ حقيقيا، ونهاية مأساة حقيقية).

(2/ ديسمبر/ 1903)

نختار من هذه اليومية قول بلنت: (... وقال محمد عبده إن الخديوي غاضب منه جدا بسبب إصراره أن يسدد الخديوي مبلغ عشرين ألف جنيه لقاء صفقته مع الأوقاف -في مشروع مبان الجيزة المفصل ص128- وأنه يبذل كل ما بوسعه لإقصائه عن منصب المفتي...إلخ

 

(15/ مارس/ 1904)

زارني المفتي اليوم، وتحدث عن ذهابه معنا إلى دمشق، ولكنه رأى من الخير ألا يفعل، وقال: (إذا سافرنا أنا وأنت إلى دمشق فسوف يغضب السلطان، وسيظن أننا جئنا لإعلان الخلافة العربية) وسافر بلنت مع زوجته ثم عادا في 31/ مارس.

(3/ أبريل/ 1904)

عيد الفصح: تعشيت مع المفتي وناقشنا الشؤون الإسلامية، وروى لي حكاية مسلية عن حادثة وقعت له أثناء منفاه في دمشق - يقصد بيروت - فقد كان بلندن في ذلك الوقت عام (1883م) قس إنجليزي يدعى (إسحق تيلور) اعتنق فكرة إقامة اتحاد بين الكنيسة الإنجليزية -بعد إصلاحها- والسلطة الدينية الإسلامية على أساس عقيدتهما المشتركة في التوحيد، وقد شجعه على ذلك ميرزا باقر الإيراني (سكرتير بلنت سابقا) -كذا ?- الذي حمل الفكرة إلى سوريا، وروج لها إلى حد ما، وحصل على عطف محمد عبده عليها، وكتب عبده رسالة إلى تيلور وقعها بإمضائه مع اثنين من كبار علماء دمشق، وسر تيلور بالطبع، ونشر الرسالة في الحال بصفتها تعبر عن الرأي العام لعلماء المسلمين في دمشق، ورتّب عليها أن الاتحاد بين المسيحيين والمسلمين على وشك التحقيق، وبلغ ذلك مسامع السلطان. ومع أن الرسالة المنشورة لم تحمل أي اسم لأحد من كتابها فقد تلقى السفير التركي في لندن تلغرافا على الفور، وأمر بالبحث عن أسماء الموقعين الخمسة، وقام تيلور دون إدراك للخطر بإطلاع السفير على الأسماء، فصدر الأمر بنفي الخمسة جميعا من سوريا. ومع ذلك احتج عبده قبل مغادرته دمشق، -المراد بيروت- وأتيحت له فرصة مناقشة ما حدث مع السلطات، ففهم أن سر انزعاج السلطان يرجع إلى ظنه أن أنجلترا إذا تحولت إلى الإسلام فلابد أن يدخل العاهل الإنجليزي الإسلام بناء على هذا، وبذلك يصبح أقوى شخصية في ديار الإسلام، وتنتقل الخلافة على نحو طبيعي إلى الملكة فيكتوريا، برغم أنف التعصب العثماني للخلافة ذاتها.

 

(10/ أبريل/ 1904)

ودعت الشيخ محمد عبده إلى إنجلترا يوم أمس، وكان قد كتب رسالة إلى تلستوي (الأديب المصلح الروسي) ترجمتها (آن) -أي زوجته-إلى الإنجليزية (وقد نشرها بلنت في ملاحق الجزء الأخير من يومياته). وعاد بلنت إلى مصر، ووصل داره فيها يوم 28/ نوفمبر، وهو في يومياته يسمي بيته: (الشيخ عبيد) لأن في حديقة البيت قبرا قديما اشتهر بقبر (الشيخ عبيد).

 

(10/ يناير/ 1905)

جلست أمس لمدة ساعة في الحديقة مع المفتي، وكان بصحبته رجل يدعى محمد بك طلعت حرب، في غاية الذكاء، يقوم بكتابة تاريخ العرب، ابتداء من محمد (ص) إلى اليوم.

(21/ يناير/ 1905)

ذهب محمد عبده إلى السودان للنظر في مختلف الأمور المتعلقة بمصالح المسلمين

(19/ فبراير/ 1905)

عاد محمد عبده من الخرطوم سعيدا بما رآه هناك، ويقول إن الحكم يدار بطريقة أفضل مما في مصر ....إلخ.

(17/ مارس/ 1905)

بلنت يعود إلى إنجلترا عقب إصابته بالحمى (غادرت الشيخ عبيد في الصباح، ويبدو لي ان هذه المغادرة ستكون إلى الأبد ، إن المكان عزيز على نفسي جدا، بشمسه الساطعة دائما، وحيواناته المفترسة وطيوره، يا ويلي ! من سيرعى هذا كله حين أذهب.? لقد جاء عبده لتوديعي بمحطة القاهرة، وظللنا نتحدث حتى آخر دقيقة، وكل منا يودع صاحبه وداعا حزينا، وحين افترقنا لم يخطر لي على الإطلاق أني سأراه مرة أخرى، ولكنني لم أمت، وإنما مات هو خلال السنة.

-لقد عاد بلنت إلى لندن للعلاج من الحمى وآلامها المبرحة، وحين مات صديقه كان غائبا عن وعيه بسبب الحمى المتجددة، بل إنه انقطع عن تسجيل يومياته حتى 28 يوليو، أي بعد أيام من وفاة صاحبه في الإسكندرية، بعد مرض لم يمهله طويلا، وحين وصله خبر الوفاة نهض إلى يومياته وكتب:

(28/ يوليو/ 1905)

إن الخطب العظيم الذي يعلو على سواه هو أن محمد عبده مات، إنها خسارة شخصية فظيعة بالنسبة لي، وخسارة عامة لا يمكن حصرها البتة بالنسبة للعالم الإسلامي، ولا نستطيع أن نغالب الخوف من أن يكون في الأمر شيء، فالوفاة كانت مفاجئة للغاية، والمفتي كان له أعداء سياسيون كثيرون.

 

(31/ ديسمبر/ 1905)

حين أنظر إلى العام الماضي أراه يتمثل لي عاما فظيعا، ولكنه جاءني بكثير من ألوان التعزية، فخلال الأسابع الستة الأخيرة قابلت في لندن عددا من الأصدقاء، أكبر من عدد الذين قابلتهم في السنوات الست الماضية، لقد توقفت عن إزعاج نفسي بالشؤون العامة، ولن أعود مرة أخرى إلى مصر بعد أن مات المفتي، بل لا أظن أنني سأعبر القنال الإنجليزي.

 

 وقد وفى بلنت بكلمته هذه، فلم يعد إلى مصر بعد وفاة صديقه، وكان آخر أيامه بها يوم ودعه الشيخ في المحطة يوم 17/ 3/ 1905 وأوصى من باع له بيته وحديقته في مصر، وكانت وفاته سنة (1922) عن (82) عاما. 

 

 




    * هذه الصفحة من إعداد الباحث زهير ظاظا : zaza@alwarraq.com
نصوص أخرى