في هذه البطاقة أقدم لأصدقاء الوراق نص الحوار الذي أجراه مندوب صحيفة (بال مال جازيت) البريطانية مع الأستاذ الإمام محمد عبده في لندن، ونشرته الصحيفة في عددها الصادر يوم (17/ أغسطس / 1884م) وموضوعه (الاحتلال الإنجليزي لمصر عقب ثورة عرابي) وكان محمد عبده في الخامسة والثلاثين من العمر، إذ مولده عام (1266هـ 1849م) وقد جرى الحوار في بيت كبير الدبلوماسيين الإنجليز: الشاعر ويلفرد بلنت، صديق محمد عبده الحميم، وصاحب الكتب النفيسة، ومنها :(مستقبل الإسلام) و (التاريخ السري لاحتلال الإنكليز لمصر) وزوج الرحالة الشهيرة الليدي آن بلنت، وواضع مشروع عودة الخلافة الإسلامية إلى العرب، وكان محمد عبده قد أتى إلى لندن من باريس تلبية لدعوته، وعلى نفقته الخاصة، وفي مقدمة الحوار تعريف بمحمد عبده، ونصه:
(نميل إلى الاعتقاد بأن الشيخ محمد عبده هو أول مصري حقيقي يزور هذا البلد، فقد تردد علينا كثيرون من المصريين المزيفين " أتراكا وشواما وأرمن ويهودا " يدعون جميعا جنسية النيل، ولكن لم يحدث أن تردد علينا أحد من (أهل الفول) الحقيقيين، ومع ذلك فالشيخ محمد عبده فلاح قح، يرتدي جلبابا أزرق وعمامة بيضاء، ولا يتكلم الفرنسية ولا الإنجليزية ولا حتى التركية، وإنما يتكلم لغة أمه: العربية. ولا تبدو عليه أقل صبغة من الخلق الغربي. وهو رجل متوسط الطول، أسمر البشرة، أسود اللحية، متوقد العينين، مهيب التقاطيع، ولكن لا تفارق شفتيه ابتسامة لطيفة، يتحدث إذا أخذته الحماسة بفصاحة شديدة التواضع، وحمية بهيجة، وهو مقبول المحيا بلا جدال، فياض الذكاء.
كان أبوه وما يزال فلاحا من أهالي الدلتا، يقوم بفلاحة أربعين فدانا من الأرض في زمام محلة نصر، ولا يدعي أي نسب بعلية القوم، غير ما تهيأ له عبر أجيال لا تعدّ من ملكية الفلاحين للقطعة الواحدة من الأرض.
ولكن الابن لم يعد الآن فلاحا، فقد أرسله أبوه إلى القاهرة صبيا منذ عشرين عاما، حيث تلقى تعليمه بالجامعة الدينية القديمة في الأزهر، وهو الآن من علمائه المرموقين، أو كان بالأحرى، لأن السلطات القائمة أبعدته مع بقية الجماعة المتحررة في الجامعة، وهو الآن منفي منها ومن مصر.
ومع أنه رجل معتدل المزاج، فقد انضم إلى حركة عرابي والحركة الشعبية قبل الحرب، وأصبح من زعمائها البارزين، وساهم في خرابها، وبعد موقعة (التل الكبير) عُدّت فصاحته مع تحرره دليلا على خطورته، ولكنه أفلت من حبل المشنقة، وسعد بالوصول إلى سوريا ، ورأسه على كتفيه، ولكن حكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات، وما يتبع ذلك من فقر، أما الآن فهو يقوم بأول زيارة لأوربا كي يرى بعيني رأسه البلد الذي خرب بلده.
هذه المعلومات حصل عليها مندوبنا الذي زاره منذ يومين في بيت المستر ويلفرد بلنت بشارع جيمس، ونظرا لإلمام المندوب باللغة العربية فقد أمكنه إجراء المحادثة التالية معه.
س: بدون مناقشة الماضي الذي نعترف جميعا بأنه شهد أخطاء فاحشة: ما رأيك في الحالة الحاضرة في مصر، والسياسة التي يجب اتباعها ?
ج: منذ وصولي إلى إنجلترا سألني الجميع هذا السؤال، وكل إنجليزي يقول: إنه يرجو الخير لمصر، ولكن أي السياسيين عندكم حاول أن يبرهن على صدق تصريحاته ? لقد كنا نؤمن نحن المصريين أنصار الحزب الحر بمذهب الحرية الإنجليزي، والتعاطف الإنجليزي، ولكننا لم نعد نؤمن بهذا، لأن الحقائق أقوى من الألفاظ. أما مسانتدكم للحرية فنحن نرى بوضوح أنها مسألة من أجلكم وحدكم. وأما تعاطفكم معنا فهو تعاطف الذئب مع الحمل الذي يخطط لالتهامه، ولقد قضيتم على كل ما فينا من خير حتى تجدوا مبررا للاستمرار في تملك بلدنا.
س: صدقني أن هذا غير صحيح. قد يبدو لك صحيحا، ولكنه ليس كذلك. فلا المستر جلادستون ولا أي من وزرائه يرجو سوى مغادرة مصر في أقرب وقت وعلى أتم وجه.
ج: إذا صح هذا فلماذا لا تغادروننا على الفور ? إن الشيء الوحيد الذي علمتنا إياه الحكومة الإنجليزية هو أن نتحد إذا رغبنا في رحيلكم.
لقد كنا نتنازع قبل الحرب وأثناءها، وكنا نرجو أن نحطم استبداد حكامنا، فرحنا نشكو من الأتراك ونعدهم غرباء، وكنا نرجو أن نصلح أنفسنا سياسيا، وأن نتقدم على طريق الحرية مثلما تقدمت أمم أوربا.
أما الآن فنحن نعرف أن هناك ما هو أسوأ من الاستبداد، ومن هو أسوأ في العداء من الأتراك. نحن نرى فيهم إخوة لنا في الدين إذا لم يكن في الجنس.
فإذا تركتمونا وشأننا معهم عرفنا كيف نتقدم بسلام، وليس في مصر مسلم يرجو من فرط الاضطهاد أن يتلقى منكم العون بعد الآن. فنحن لا نبتغي منكم إلا شيئا واحد، هو أن تحلوا عنا من الآن وإلى الأبد.
س: هل تصفحون عن (الخديوي توفيق) ضمن صفحكم عن الأتراك ?
ج: لقد أساء إلينا توفيق باشا إساءة بالغة حين سمح بدخولكم إلى بلدنا، وانضم إلى أعداء دينه وقت الحرب، ومن المستحيل أن ينال احترامنا. ولكن قد نصفح عنه إذا هو ندم على ما فعل، ولاسيما إذا هو تخلص منكم، فنحن لا نرغب في خونة بوجوه مصرية وقلوب إنجليزية.
س: ما رأيكم في الفرنسيين ? إن رحيلنا عن مصر الآن سيعني بالتأكيد أنهم سيحتلون بلدكم بعدنا.
ج:لا نظن ذلك، فالفرنسيون يعرفون أنهم لن يستطيعوا أن ينالوا موافقتنا على حكمهم كما لم تستطيعوا ذلك أنتم، لابد أن نقاومهم مثلما قاومناكم، فنحن لا نريد حكاما أجانب من أي بلد، ونعرف كيف نجعل مثل هذا الحكم مستحيلا، والفرنسيون لا يمكن على أي حال أن يلحقوا بنا من الضرر أكثر مما فعلتم.
س: والمهدي ?
ج: إن محمد أحمد المهدي لا خطر منه على مصر إلا بوجودكم فيها، فإذا رحلتم عن مصر فلن يرغب في الهجوم علينا، ولن يكون في هجومه إذا فعل أي خطر علينا، وهو قد نال العطف من الجماهير، لأنهم يرون فيه مخلّصا من العدوان المسيحي، وسوف ينضمون إليه إذا أتى إليهم.
س: ومتى سيحدث هذا ?
ج: لقد وصل أنصار محمد أحمد المهدي إلى الصعيد بالفعل، ولكنه هو نفسه لن يتقدم إلا إذا استولى على الخرطوم، وحكومتكم تبذل كل ما بوسعها لتقويته.
س: كيف ?
ج: عن طريق المعاهدة التي أبرمتها مع ملك الحبشة، مما بث التعصب في الناس، لأن في سنتنا - مما يعرفه الجميع- أن الأحباش سوف ينقضون ذات يوم على مدينتنا المقدسة (مكة) ويدمرونها. ويرى الناس في كل مكان أن هذه المعاهدة تشكل خطرا جديدا على دينهم، فكيف يعقد ساستكم حلفا مع هؤلاء القوم الهمج ? كيف تأتّى لهم أن يضيفوا هذه المشكلة الجديدة إلى بقية المشكلات ?
س: ولكن أليس كل الشعب السوداني متعصبا بالفعل ?
ج: (ضاحكا): السودانيون ليسوا أكثر مني تعصبا، فحين كنت أعلم الفلسفة بالقاهرة كان كثير من الطلاب المصريين يخشون من حضور محاضراتي، ولكن كان عندي أربعة وثمانون طالبا من السودان، لم يتخلف منهم عن الحضور أحد، ومع ذلك فالسودانيون إذا هددهم غزو أجنبي يصبحون متعصبين، تماما كما سيحدث لكم إذا سار جيش من المسلمين في شوارع لندن.
س: هل توجد لهذا علاقة بخبر الهياج في الجزيرة العربية ?
ج: الخبر صحيح، وقد كنا نتوقعه منذ فترة طويلة، ولست أشك في أن معاهدتكم مع الأحباش قد عجلت به، فالمسلمون إذا تهددهم شيء حملوا السلاح. وشعب اليمن ليس أكثر تعصبا من السودانيين، ولكنهم يعشقون حريتهم، شأنهم شأن جميع العرب.
س: وماذا يجب أن نفعل لتفادي العاصفة ?
ج: كفوا عن تهديدنا وارحلوا عن بلدنا.
س: ولكن ماذا سيحدث للمسيحيين في مصر إذا رحلت قواتنا ? ألن تحدث مذابح جديدة ?
ج: لم تحدث في مصر مذابح سوى تلك التي تسببتم بها أنتم. فوصول أسطولكم إلى الإسكندرية أشعل حوادث الشغب بالمدينة. ونزول قواتكم إلى البر أشعل الشغب في طنطا، ولم يحدث أن تعرضت حياة مسيحي للخطر إلا مع حضوركم، ولن يتكرر ذلك إذا رحلتم، فليس بيننا وبين المسيحيين أي نزاع طالما أنهم يحافظون على قوانيننا، ولا يحاولون التدخل في الحكم.
س: هل تظن إذن أنه لا توجد أمام السلام والرخاء في مصر أي عقبة سوى وجودنا هناك ? ألا ترجو أن تشهد عودة الحزب الوطني قبل أن نرحل، ألا تحب أنت نفسك أن تعود إلى مصر. -والمراد بالحزب الوطني في السؤال: الحزب الوطني القديم الذي تأسس أواخر عهد إسماعيل، وكان محمد عبده من المتحمسين له -
ج: لو أنني أعتقد أن حكومتنا لديها رغبة جدية في مصلحتنا لاقترحت عليكم سياسة، ولكن أي جدوى من إضاعة الألفاظ ?
س: قل، مهما كان الأمر، فأيا كان ما تعنيه الحكومة أو ترجوه ففي إنجلترا الكثيرون ممن يرون إنصاف مصر بأي ثمن.
ج: إذا شاءت إنجلترا أن تصلح الخطأ الذي ارتكبته في حقنا فيجب عليها أن تقدم لنا أول دليل على إخلاصها بإخراج قواتها من مصر، ثم يلي ذلك أن تتفق مع الدول الكبرى في أوربا وجلالة السلطان على اختيار حاكم جدي لنا، ولست مؤهلا لتحديد شخص هذا الحاكم، ولكن مهما كان الاختيار فلابد أن يقع على شخص غير مكروه من الشعب، وأن يوافق عليه السلطان، ويجب أن يعين لمدة محددة، لتكن سبعا أو عشرا من السنين، وبعدها يسمح للشعب في نهاية هذه المدة بانتخاب حاكمه بنفسه، فإذا أثبت الحاكم أنه رجل أمين، أمكنه الاحتفاظ بمنصبه، ولكن إذا حدث العكس فيكون من حق الشعب أن يقصيه، وبذلك يمكن انتظار النتائج.
س: ولكن كيف يمكن التأكد من رغبات الشعب ? بأي شكل من الانتخابات ?
ج: إن أي حاكم جديد الآن يكون مسلما، ويتولى الحكم كمخلّص لمصر من أيدي القوات الأجنبية سوف يحبه المصريون. ولكن لا شرط إلا أن يكون مسلما، ومصريا بالميلاد إذا أمكن. ومع ذلك فمن الضروري أن يقنع بسلطة محدودة. فما نريده: ليس ملكا جديدا، وإنما زعيما للأمة المصرية، يحكم تحت السيادة الدينة للخليفة، وهذا النوع من الحكام يفهمه المصريون، فهُم لا يريدون ملكا.
س: وفي ظل هذا الحاكم هل يمكن أن تعود إلى مصر أنت وزملاؤك المنفيون ? وما رأيك في عرابي ?
ج: أحب أن أرى عودته، وإذا تولى منصبا فمكانه هو المجلس (البرلمان) الذي يجب دائما أن يتمم عمل حاكم مصر ويراقبه، وهو (عرابي) رجل فصيح العبارة، نبيل الأفكار، صادق الطوية، يتجه نفوذه كله نحو الخير، ولكنه شديد الإهمال للتفاصيل، مما لا يجعله يصلح لأن يكون إداريا جيدا، أو قائدا جيدا، فليعد كرئيس للمجلس إذا انتُخِب. (هذا هو مكانه).
س: والوزارة ? إن ما تشكو منه حكومتنا هو أنها لا تستطيع توفير طاقم من الرجال العاملين كي يحموا البلد
ج: هذه غلطتها إذا كانت قد فشلت، فمصر لا تفتقر إلى الرجال الشرفاء، ولا إلى الأكفاء، ولكنكم تصرون على اختيار أولئك الذين ينفذون لكم مهمتكم. ولا يوجد رجل شريف في مصر يقبل العمل لمصلحة الحكومة الإنجليزية. وأنتم -مرة أخرى- تصرون على أن يحكموا بطريقتكم، وأن يتحدثوا بلغتكم. والشرفاء بشكل عام لا يتكلمون الإنجليزية، ولا يحبون الأساليب الإنجليزية. فأتيحوا لنا أن نختار الحاكم الذي نحبه. ونحن جميعا نريد العدل، ونحن جميعا نريد التعليم، ولكنّ هناك مثلا قديما يقول: (إذا أنتن رأس السمكة فاحت رائحة ذيلها) ونحن نريد حاكما نستطيع أن نحترمه، أتيحوا لنا زعيما شريفا لأمتنا، ومكّنوه من تفويض عاهلنا السلطان، ودعونا وشأننا، وعندئذ سوف نتمتع بالسلام ببركة الله، بل سنحاول أن نسدد ما علينا من ديون.
س: ولكن: هل كل المصريين يفكرون مثلك ? إني أميل إلى الاعتقاد بأن تسعة أعشار الفلاحين سرعان ما سيفضلون أن تقلل حكومة مسيحية ضرائبهم على أن ترفعها حكومة مسلمة.
ج: لا تخدعن نفسك، فالفلاحون مثقلون بالضرائب، ولكنهم لا يشكون من ضرائبهم في الوقت الحاضر. فهم يفكرون أولا في كيفية تخليص بلدهم من أيدي الغريب، وإذا تيسر لهم ذلك أحبوا أن يسددوا ضرائب أكثر حتى يروا هذا الهدف متحققا، وأنا أعلم ذلك لأني على اتصال بمراسلين في كل أرجاء مصر. قد تستطيعون إلغاء جميع الضرائب، ولكنهم لن يباركوا خطوتكم، إذا اتخذتموها مبررا في الوقت ذاته للبقاء. كلا ، كلا. ارحلوا عنا الآن، وعندئذ ندعو الله كي يكافئكم على ما أسديتموه لنا، ولكن إياكم أن تحاولوا أن تسدوا إلينا المزيد من الخير، فخيركم ألحق بنا ضررا أكثر من اللازم).
عن(د. علي شلش: سلسلة الأعمال المجهولة: محمد عبده ص71). وتجد في هذا الكتاب مجموعة نادرة من مراسلات محمد عبده وبلنت وزوجته، وملخصا لكل ما ذكره بلنت في مؤلفاته ويومياته عن محمد عبده. وانظر في البطاقة التالية مختارات من هذه اليوميات