هذا هو الشعار الذي رفعه السيد الأفغاني في مواجهة الظلامية، وما يدور في فلكها من الاستبداد والاستعباد. وهو ما سماه محمد عبده:(سنة الأفغاني القويمة) في رسالة منه إلى الأفغاني، يعلق فيها على ما نشر الأخير في صحيفة (الدبا) الفرنسية من رد على الفيلسوف رينان، نختار منها هذه المقاطع، وهي منشورة في نشرة د. علي شلش (سلسلة الأعمال المجهولة: محمد عبده) (ص 53ـ 55):
(بلغنا قبل وصول كتابكم الكريم ما نشر في (الدبا) من دفاعكم عن الدين الإسلامي، يا لها من مدافعة، ردا على مسيو رينان، فظنناها من المداعبات الدينية، تحل عند المؤمنين محل القبول.
فحثثنا بعض الدينيين على ترجمتها، لكن حمدنا الله تعالى إذ لم يتيسر له وجود أعداد (الدبا) حتى ورد كتابكم، واطلعنا على العددين، ترجمهما لنا حضرة الفاضل (حسن أفندي بيهم) فصرفنا ذهن صاحبنا الأول عن ترجمتهما، وتوسلنا في ذلك بأن وعدناه أن الأصل سيحضر، فإن حضر نسر، ولا لزوم للترجمة، فاندفع المكروه، والحمد لله.
نحن الآن على سنتك القويمة: لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين.
ولهذا لو رأيتنا لرأيت قعادا عبادا، ركعا سجدا، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
أسفت وتكدرت مما رأيته في كتابكم إلي وإلى (أبي تراب) من اللوم الشديد على إبراهيم أفندي، وعلمت أن ذلك من سوء تبليغ أبي تراب، علما أن إبراهيم أفندي ليس موضعا للتهمة، بما يشير إليه المولى في كتابه.
وإني أحلف بحرمة سيدي إنه لم يصدر منه أدنى أمر يشتبه، أو يخل بحقوق مولاه.
فإن انتقاله من البيت الذي كان فيه لم يكن إلا بعد أن ظهر أثر الرطوبة في عينيه، وخشي عليهما من الرمد، فاستدعى أبا تراب للانتقال، فأبى متعللا بأن اهل البيت يخدمونه، وليس في البيت الجديد من يخدمه، فسهّل عليه الأمر، فأبى، وصمم على البقاء. ولم يكن تعلله صحيحا في الحقيقة، وإنما العلة الحقيقية هي ما تعهدونه فيه من الإحساسات الصبيانية. اما السيد إبراهيم فقد قام بخدمة أبي تراب أحسن قيام: كان يرافقه في شدة البرد وكثرة الأوحال إلى الحكماء ومعاهد الأطباء مرارا عديدة، قبل حضور مصطفى بيك، وكان يعجبه كأخ صديق، ينظر إليه ويعامله معاملة المتساوين من جميع الوجوه، ولم يصرف عند الحكماء إلا ريالين فقط، وبعض دراهم قليلة في أدوية ومراهم، وبعد حضور مصطفى بيك كان العلاج مجانا بدون أجرة .... أما ما أذكره من شأن أديب أفندي، وأمرك أبا تراب بالتردد عليه، فلعل فيه حكمة تخفى على عقولنا ? ورأيكم أعلى وأرفع، على أني أرى في الاجتماع إليه ضررا لنفس أبي تراب، من حيث تغلب شهوته الحيوانية على قوته العقلية، فالأولى به أن يكون بعيدا عن مثار الشهوات.
وزادني كدرا أن أبا تراب عندما ذهب ليبلغ أديبا سلامكم أطلعه على المكتوب، فقرأ منه ما ذكرتم في شأن إبراهيم أفندي، وكان كدر إبراهيم على هذه أشد من كدره على سوء ما بلغ عنه.
وأبو تراب عجول في أخباره، لم يخل من طيش الشرقيين. فالأمل أن لا تثقوا بما يكتب إليكم فيما يتعلق بشأن أتباعكم، فقد يغضبه ما لا يغضب، ويرضيه ما لا يرضي، وليس بين غضبه ورضاه إلا كما بين ضحكه وبكاه، وهو ما بين لمحات البصر.
أليس عجيبا أن ما نقله إليكم عني وأنا في حبس الحكومة المصرية قبل أن يراني كان متلقيا له عن محسن الجزار، مع أني رأيته من نحو ثلاث سنين ? ثم بعد أن كتب إليكم ما كتب جاء لزيارتي في الحبس، ولم يسألني عن شيء يتعلق بسيادتكم. وأظن أن حالة أبي تراب في الأخبار التي تكون من هذا القبيل لا تخفى على حضرتكم، فالرجاء أن لا تعتمدوا عليها ولا تعجلوا بتصديقها. فليس سهلا على الصادقين في الانتماء إليكم أن يشعروا بأن شيئا كدر خاطركم من جهتهم، وإن كان غير منطبق على الواقع، ونلتمس من واسع كرمكم أن لا تقطعوا عنا ما نطمئن به على صحتكم، والله يحفظكم.
يهدي لسيادتكم مزيد السلام، ويقبل أيديكم إبراهيم أفندي علي اللقياني، والشيخ أمين أبو يوسف من أهالي دمياط: منفي في الحوادث المصرية، والشيخ أحمد القباني: من أفاضل بيروت، والشيخ أحمد عباس: من نبهائها وأرباب الأفكار الحرة، وحسن أفندي بيهم، وكل من له ميل إلى الحرية، ودمتم في حفظ الله.