مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث
رسالة محمد عبده إلى الأفغاني من منفاه في بيروت

كتب محمد عبده هذه الرسالة وهو في الرابعة والثلاثين من العمر، أثناء إقامته في المنفى في بيروت، عام (1300هـ) ونشر محمد رشيد رضا مقاطع منها في (تاريخ الإستاذ الإمام) (2/ 599 ـ 603) مسقطا منها ما رآه مستهجنا. قال: (وهو أغرب كتبه، بل هو الشاذ فيما يصف به أستاذه السيد مما يشبه كلام صوفية الحقائق والقائلين بوحدة الوجود، التي كان ينكرها عليهم بالمعنى المشهور عنهم، وفيه من الإغراق والغلو في السيد -الأفغاني- ما يستغرب صدوره عنه، وإن كان من قبيل الشعريات، وكذا ما يصف به نفسه بالتبع لأستاذه من الدعوى التي لم تعهد منه البتة) ثم نشرت الرسالة كاملة ضمن نشرة د. على شلش (سلسلة الأعمال المجهولة) (ص 47 ـ 52) ونشر صورتها (ص 147) وميز ما حذفه رشيد رضا بالبنط الأسود، وميزناه نحن هنا باللون الأحمر.

 

مولاي الأعظم حفظه الله وأيّد مقاصده:

ليتني كنتُ أعلم ماذا أكتب إليك، وأنت تعلم ما في نفسي كما تعلم ما في نفسك. صنعتنا بيديك، وأفضتَ على موادنا صورَها الكمالية، وأنشأتنا في أحسن تقويم.

فيك عرفنا أنفسنا، وبك عرفناك، وبك عرفنا العالم أجمعين.

فعلمك بنا كما لا يخفاك علمٌ من طريق الموجب، وهو علمك بذاتك، وثقتك بقدرتك وإرادتك. فعنك صدرنا، وإليك إليك المآب.

أوتيتُ من لدنك حكمةً أقلِّب بها القلوب، وأعقل العقول، وأتصرف بها في خواطر النفوس.

ومُنحت منك عزمةً أتعتع بها الثوابت، وأذل بها شوامخ الصعاب، وأصدّع بها شُمَّ المشاكل، وأثبت بها في الحق للحق حتى يرضى الحق.

وكنت أظن قدرتي بقدرتك غير محدودة، ومُكنتي لا مبتوتة ولا مقدودة، فإذا أنا من الأيام كل يوم في شأن جديد.

تناولت القلم لأقدم إليك من روحي ما أنت به أعلم، فلم أجد من نفسي سوى الأفكل، والقلب الأشل، واليد المرتعشة والفرائص المرتعدة، والفكر الذاهب والعقل الغائب.

 

كأنك يا مولاي منحتني نوع القدرة، وللدلالة على قوة سلطانك حصرته في الأفراد، فاستثنيتَ منه ما يتعلق بالخطاب معك، والتقدم إلى مقامك الجليل هذا.

مع أنني منك في ثلاث أرواح، لو حلت إحداها في العالم بأسره، وكان جمادا لحال إنسانا كاملا. فصورتك تجلت في قوتي الخيالية، وامتد سلطانها على حسي المشترك، ومعي رسم الشهامة، وشبح الحكمة، وهيكل الكمال.

فإليها رُدَّت جميع محسوساتي، وفيها فنيت مجامع مشهوداتي، وروح حكمتك التي أحييت بها مواتنا، وأنرت بها عقولنا، ولطفت بها نفوسنا.

بل التي بطنتَ بها فينا فظهرتَ في أشخاصنا، فكنّا أعدادَك وأنت الواحد، وغيبَك وأنت الشاهد. ورسمك الفوتغرافي الذي أقمته في قبلة صلاتي رقيبا على ما أقدّم من أعمالي، ومسيطرا علي في أحوالي.

وما تحركتُ حركة، ولا تكلمتُ كلمة، ولا مضيت إلى غاية، ولا انثنيت عن نهاية حتى تطابق في عملي أحكام أرواحك، وهي ثلاثة.

فمضيتُ على حكمها سعيا في الخير، وإعلاء لكلمة الحق، وتأييدا لشوكة الحكمة وسلطان الفضيلة. ولست في ذلك إلا آلة لتنفيذ الرأي المثلث، وما لي من ذاتي إرادة حتى ينقلب مربّعاً.

غير أن قواي العالية تخلت عني في مكاتبتي إليك، وخلت بيني وبين نفسي التزاما لحكم أن المعلول لا يعود على علته بالتأثير.

على أن ما يكون إلى المولى من رقائم عبده ليس إلا نوعا من التضرع والابتهال، لا أحسب فيه ما يكشف خفاء أو يزيد جاها.

ومع ذلك فإني لا أتوسل إليك في العفو عما تجد من قلق العبارة، وما ترى مما يخالف سني البلاغة بشفيع أقوى من عجز العقل عن إحداق نظره إليك، وإطراق الفكر خشية منك بين يديك. وأي شفيع أقوى من رحمتك بالضعفاء، وحنوك لمغلوبين هباء -?-.

إني لا أحدثك يا مولاي عن شيء مما أصابنا بعد فراقك، فقد تكفل ببيانه أخي في حبكم إبراهيم أفندي اللقياني، سوى بعض ما تركه في كتابه من انقلاب بعض القلوب من خاصتك، وتحوّل أحوالهم بعد نزول ما نزل بك.

فقد تغلّب أعوان الشر وأنصار السوء عقب جلائك بقوة جاههم وشدة بأسهم.

فأرغموا العقول على الاعتقاد بالمحال، وألجأوها للتصديق بما لا يقال، حتى إنهم غيّروا قلب دولتلو رياض باشا على تلامذتك الصادقين أياما معدودة، ركن فيها إلى العمل بالشدة، والأخذ بمبادرة الحدّة. ولم يلبث أن وصلتُ إليه بعدما كانوا حجروا علي في بلدي، وحظروا علي الدخول في المدن نحو أربعة أشهر. ففي أول اتصال برياض باشا جلوتُ عليه الأمر، وكشفت له من الحقيقة ما خفي، حتى زال ما لبّس المبطلون، وبطل كيدهم وما كانوا يعملون. ونزلتُ عنده منزلة حسدني عليها الكافة من العلماء والأمراء ورجال الحكومة، بل وكثير ممن كان يدعي الانتماء إلى حضرة مولانا المعظم. وقعدتُ من كل أمير مصعد النفس، فلا ينطق إلا بما تريد حكمتك، ولا يعمل إلا ما تشاء إرادتك، فكأنك وحقك كنتَ وأنت في الهند بين أظهر المصريين ساعيا فيهم إلى مقاصدك العالية، طابا بهم أوج السعادة وذروة المجد والفخار.

وهكذا ضُممتُ إلى كل من كان ينتسب إليك، صادقا في الانتساب أو كاذبا، تحسينا للظن، وإيثارا لجانب العفو والكرم.

لهذا ألقاني لم أتأخر عن مساعدة أولئك الأشقياء الأدنياء: أديب إسحق، وسليم النقاش، وسعيد البستاني والهلباوي، ومشاكليهم من اللئام.

فأصلحت لهم القلوب، وفسحت لهم من الصدور، وفتحت عليهم أبواب التقدم إلى المنافع الغزيرة، ولكنهم لم يرعوا عهدا، ولم يحفظوا ودا.

ولا حاجة لي الآن إلى إيضاح ما صدر منهم خيانة ولؤما، فإن مولاي أعلم بمسيحيي الشوام، وجميعهم مع بعض المصريين من إصطبل واحد.

وألّفتُ لحبك ممن حُرم الشرف بلقائك قبيلا ليس بالقليل، يجلّون قدرك، ويعرفون لك فضلك.

وكنا وإخوانك من المكانة في قلوب الناس كما شرح لك إبراهيم أفندي. ولكن هذا لم يلهني عن طلب الانتقام لك والأخذ بثأرك من الوغد اللئيم والفدْم العظيم -يقصد الخديوي توفيق-

وكدت أصل إلى البقية مما قصدت من طريق مألوف ومذهب معروف وغير معروف، لولا غلبنا على الأمر قطاع طريق الخير، اللابسين ثياب الأنبياء، والسالكين مناهج الجبارين، واللافظين لفاظات العلماء، المتبطنين طباع الجاهلين.

انتحلوا طريقنا في الدعوة إلى الحرية، وتمكنوا بقوة السيف وضعف الحكومة من إقناع العامة بكونهم دعاة الحق وحماة القانون، وهم رسل الفوضى وجرذان النظام.

وكانوا في بداية أمرهم أشد الناس تعصبا عليك وعلى تلاميذك، واشتد معهم في التعصب أولئك الأنذال، الذين قدمنا ذكرهم، عندما رأوا بعض رجال الحكومة يميل إلى أهوائهم، ويمدهم في غيهم. غير أن مدتهم في العناد كانت قصيرة.

ولم يمض إلا قليل حتى محصنا من قلوبهم، وجلونا من بصائرهم، فكادوا يشيمون ضياء الحق، لولا أن أحاطت بهم ظلمات الغرور والغي.

ومع هذا فكنا نستعملهم لما نريد، ونديرهم كالآلات لغاية ما نحب بقدر الإمكان والاستطاعة. إلى أن غلبت عناصر الفساد، وعم الاختلال.

فطلبنا بأولئك الثائرين أن تخلص البلاد من الشقاء، وينقذ العباد من طول العناء، ورجونا تأييدهم على ذلك من سكان الأرض والسماء.

وكدنا ندرك بهم خلاصا حسنا، وانتقاما شريفا. لكن لسوء البخت كان أحمد عرابي كما وصف الصابي أبا تغلب بن حمدان عندما قاتله عز الدولة ابن معز الدولة وهزمه، حيث قال فيه:

(إنه لم يلقني لقاء الباخع بالطاعة، المعتذر من سالف التفريط والإضاعة، ولا لقاء المصدق في دعواه في الاستقلال بالمقارعة، المحقق لزعمه في الثبات للمدافعة، ولا كان في هذين الأمرين بالبر التقي ولا الفاجر القوي، بل جمع بين نقيصة شقاقه وغدره، وفضيحة جبنه وخوره، قد ذهب عنه الرشاد، وضربت بينه وبينه الأسداد)

 

وأزيد على ذلك مع توفير الأسباب وتفتح الأبواب، وظهور الأمر للعيان، وانجلائه لأذهان الصبيان، واجتماع جميع القلوب عليه، ونزوع الأهواء على اختلافها إليه.

فكان ما كان من العاقبة السوءى.

ولسير خادمكم في تلك الحوادث نبأ طويل، إذا أردت يا مولاي أن أقدم لك به تاريخا مختصرا ربما يكون مفيدا فأنا رهين الإشارة.

ونحن الآن في مدينة بيروت، نقضي بها مدة ثلاث سنوات، على ما حكم به الشقي الغبي، لا لذنب جنيناه، ولا جرم اقترفناه.

فقد قضت حكمتك القائمة منا مقام الإلهام في قلوب الصديقين أن ننال الحق ولنا الحجة الباهرة، ونصيب الغرض ولنا البراءة الظاهرة والذمة الطاهرة.

وإنما ذلك أثر الحقد القديم، نتيجة الرأي العقيم، ووالله يا مولاي لو فصّلنا له من جلودنا ثيابا، وصنعنا له من لحومنا كبابا، وصببنا له من دمنا شرابا، لما كان له مفر من غدرته عند قدرته، قاتله الله.

فها نحن سالكون في سننك، وعلى سننك، وكنا كذلك ولا نزال إلى انقضاء الآجال.

ولولا أطفال لنا رُضع، ونساء لنا طُوّع، أبينا لهم الذل، وأنفنا لهم الضيم، فأتينا بهم معنا إلى حيث أقمنا لكنت أول من تلقاك في مدينة باريس، لأسعد بالإقامة في خدمتك، وأفخر بذلك على العالمين.

ولما أعلمه من نفسي، وما أتيقنه من يقينك، وما أيدته أعمالي وأعمالك، وأقوالي وأقوالك لا أتكدر مما أشرت إليه في كتابك إلى (أبي تراب) حيث طعنت في ثقتك بالمصريين، وبالغت حتى سحبت الطعن إلى خادمك كاتب الأحرف، وإبراهيم أفندي، وزدت في المبالغة فأنفذت طعنك بالداهية الزرقاء والبلية الحمراء.

أما اختلال ثقتكم بالدواهي والبلايا فقد صادف محلا، فقد نقضتْ عهدك، وحالفت عدوك، فاستقبلته في الوجود وأنت موجود، أرغم الله أنفها وجعلها طوع يدك ترمي بها من تشاء من أعدائك.(1)

أما ما يتعلق بنا فإني على بينة من أمر مولاي، وإن كان في قوة بيانه ما يشكك الملائكة في معبودهم والأنبياء في وجودهم، ولكن ليس في استطاعته أن يشكك نفسه في نفسه، ولا أن يقنع عقله الأعلى بالمحالات، وإن كان في طوعه أن يقنع بها من أراد من الشرقيين والغربيين.

وما حكم به سيدي من سلب الوفاء عن المصريين ربما تضافرت عليه الأدلة، وتشهد لنا وله عليه الحوادث، غير أننا لسنا أولئك.

فقد أخرجَنا المولى عن طباعنا، وأنبتنا نباتا حسنا غريبا، لا يغتذي بغذاء تلك الأرض، ولا ينمو بهوائها، وإنما ينضر حيث يتيح له القدر من مثل عناصره ما يقوي به قوامه، ويزهر زهره، ويحلو ثمره، وإلا ذبل ومات، واستؤصلت جذوره، ورمي به إلى خارج البلاد.

وإني أعلم أن كلامي لا يزيد في يقين مولانا شيئا، وسكوتي لا ينقص منه. فلنعدِّ عن هذا، ونستمنح من كرمه الواسع أن يمن علينا بأمرين:

أحدهما: إرسال رسمه الفوتغرافي الجديد، فإن هذا الخادم كان عنده نسختان من الفوتغرافية الأولى، إحداهما أخذها أعوان الضابطية من بيتي عندما أودعت السجن، كما أخذوا (كتاب الماسون) بخط مولاي المعظم. والثانية كان استجدانيها (سعد أفندي زغلول) وهو من خواص محسوبيكم، ولشفقتي عليه تركتها له أياما ليعيش عليها أعواما.

والثاني: أن يتابع إرسال ما ينشره من فصوله السياسية والأدبية في الجرائد أيا كانت، فقد أعددنا دفاتر متعددة لنقل ما يوجد منها في أي جريدة، وكتبنا ما نشر في جريدة (النحلة) وأول ما أدرج في (البصير) وإلى الآن نبحث عن مقالة (الشرق والشرقيين) ولا نجدها.

وأضفنا إلى ذلك ما كان ينشر في جريدة مصر في الأيام السابقة، من جميع الجمل التي جاء بها فكر سيادتكم.

ثم إننا نخبر سيادتكم خبرا تسرون به، وهو أن أعيان المسلمين من أهالي بيروت وأمرائها لم يألوا جهدا في إكرامنا والاحتفاء بنا، ونخص بالذكر منهم السيد عبد القادر أفندي القباني وأعضاء عائلته، وهم من ذوي البيوت الأصيلة، رغما عن أنف صاحب (الجوائب) (2). والحاج محيي الدين أفندي حمادة (رئيس مجلس البلدية) وحسن أفندي بيهم، وهو من أنبه الشبان وأعلمهم وأكتبهم وأشدهم ميلا إلى الحرية، وقد آلى على نفسه أن لا يموت حتى يراكم ما لم يفاجأ.

وأما الأمير الشهم عبد القادر الجزائري فقد أمر ولده أن يزور خادمكم هذا، وأتى لزيارتي. وما كل هذا إلا من آثار فضلكم، فلك الشكر على نعمة وصلت أو اتصلت إلينا وإلى أعقابنا من بعدنا، ونرجو من سعة كرمكم أن تمنوا على خادمكم بأسطر من خطكم الشريف، يحفظها حيث يحفظ سرك، ويودعها في مستودع حبك، والله يحفظك ويتم مقاصدك، والسلام.   

خادمكم: محمد عبده (5/ جمادى الأول 1300هـ)

(1)

لا أدري من المراد بهذه الداهية، والأرجح أنه أراد الأميرة نازلي فاضل (أم الملك فاروق) ابنة الأمير مصطفى فاضل  نجل إبراهيم بن محمد علي الكبير، وكان والدها مصطفى فاضل يعتبر نفسه أحق بعرش مصر من الخديوي إسماعيل، وكانت لها صلة وثيقة بقصر "الدوبارة" -مقر المندوب السامي الإنكليزي- كما كان لها صالونها الخاص، يرتاده كبار أهل السياسة والفكر. وكان الشيخ محمد عبده من رواد هذا الصالون، ومما أثر عنه فيها قوله كما في (تاريخ الإستاذ الإمام) : "حضرة البرنسيس التي لها من قلبي المنـزل الأبـهى، والمقام الأسمى" . وكان لها الفضل الأكبر مع سعد زغلول في إقناع كرومر ببراءة محمد عبده، والسماح له بالعودة إلى مصر. وقد عُرض أخيرا مسلسل، تناول الكثير من أسرار حياتها، واسمه (أوراق مصرية) قامت فيه بدور نازلي الفنانة نادية رشاد .             (زهير)

 

(2) نبه المؤلف إلى ما كان من عداوة استمرت طويلا بين القباني والشدياق صاحب الجوائب.




    * هذه الصفحة من إعداد الباحث زهير ظاظا : zaza@alwarraq.com
نصوص أخرى