في كتاب (المعارف) لابن قتيبة الدينوري (نشرة الوراق ص5) نصوص توراتية مهمة، نقلها ابن قتيبة الدينوري المتوفى عام (276هـ) من نسخة معربة للتوراة، كانت مشهورة في عصره، ومنها هذا النص الذي نجده باختلاف طفيف في بعض الألفاظ في الترجمات العربية المعاصرة للتوارة في (سفر التكوين: الإصحاح 9/ 20 ـ 27) باستثناء جوهر اللعنة، حيث نجدها في نص التوراة التي رجع إليها ابن قتيبة -وابن حزم أيضا- (ملعون أبو كنعان) وفي الترجمات المعاصرة (ملعون كنعان) وقبل أن أورد النص كما رواه ابن قتيبة، أورد هنا نص الترجمة المتبعة اليوم للتوراة، وهو: (وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه . فأبصر حامٌ أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما. فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. فقال ملعون كنعان . عبد العبيد يكون لإخوته. وقال : مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبداً لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام. وليكن كنعان عبداً لهم)..
وإليك النص كما رواه ابن قتيبة، قال: (وفي التوراة أن نوحاً لما خرج من السفينة غرس كرماً، ثم عصر من خمره فشرب وانتشى، فتعرى في جوف قبته، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه فأطلع على ذلك أخويه، فأخذ سام ويافث رداء فألقياه على عواتقهما ومشيا على أعقابهما يواريان عورة أبيهما وهما مدبران، فاستيقظ نوح من نشوته، وعلم ما فعل به ابنه الأصغر فقال: ملعون أبو كنعان عبد عبيد يكون لأخويه، وقال مبارك سام، ويكثر الله يافث ويحل في مسكن سام ويكون أبو كنعان عبداً لهما).
وانظر نقد ابن حزم لهذا النص في كتابه (الفصل في الملل والنحل: الوراق ص74) وفيه تكذيب لهذا النص برمته حيث يرد في التواراة بعد ذلك مباشرة تسمية أبناء حام، فيسمى في سلالته الملك نمرود ملك بابل: (بنو حام كوش ومصرايم وفوط وكنعان ... وكوش ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جبارا في الارض) (التكوين: الإصحاح 10/ 6 ـ 8) قال: فحصل من هذا الخبر تكذيب نوح في خبره وهو بإقرارهم نبي معظم جداً وإذ وصف أن ولد أبي كنعان صاروا ملوكاً على إخوة بني كنعان وعلى بنيهم ثم العجب كله أن على ما توجبه توراتهم كان ملك نمرود بن كوش بن كنعان بن حام على جميع الأرض ونوح حي وسام بن نوح حي لأن في نص توراتهم أن نوحاً عاش إلى أن بلغ إبراهيم بن تارح عليه السلام ثمانية وخمسين عاماً وأن سام بن نوح عاش إلى أن بلغ يعقوب وعيصا ابنا إسحق بن إبراهيم عليهما السلام خمساً وأربعين سنة على ما ذكره من مواليدهم أبا فأبا، فمالنا نرى خبر نوح معكوساً !? فإن قالوا إن السودان تملكوا اليوم قلنا وفي السودان ملك عظيم جداً وممالك شتى كعانة والحبشة والنوبة والهند والتبت والأمر بينهم سواء يملكون طوايف من بني سام كما يملك بنو سام طوايف منهم وحاش لله أن يكذب نبي...إلخ. (وانظر على الوراق أيضا تاريخ الطبري (ص75) و(الكامل لابن الأثير: ص25) و(تفسير القرطبي: ص1743) و(سمط النجوم العوالي: ص48) و(الأنساب للصحاري: ص23). ويلاحظ أن معظم كتب الأنساب والتاريخ العربية جعلت (كوش) ابن كنعان، وليس أخاه كما هو في التوراة. وننبه أخيرا إلى أن القرآن يهدم نظرية الأنساب التوراتية من أساسها، حيث ورد فيه في سورة الإسراء (الآية 3) و(مريم: الآية 58) أن البشرية ذرية من استجابوا لنوح، وركبوا معه السفينة، وليس ذرية نوح وحده. تذكرت هذا المساء قصيدة للشاعر المرحوم محمد عمران، وهو شاعر سوري من أهل طرطوس، مولده في قرية (الملاجة) عام (1934م) وتوفي يوم 22/ 10/ 1996م وكان يشغل مدة من الزمن رئاسة تحرير (ملحق الثورة الثقافي) ثم مجلة (الموقف الأدبي) ومجلة (المعرفة) السوريتين.... تذكرت هذا الصباح قصيدته (بغداد) في ديوانه (أنا الذي رأيت) والمنشور عام (1978م) وهي منشورة أيضا في أعماله الكاملة الصادرة عن وزارة الثقافة بدمشق عام (2000م) (ج1 ص393 ـ 356) وقد تنبأ فيها لكل ما جرى على بغداد من الويلات، فأحببت أن يطلع أصدقاء الوراق على هذه النادرة العجيبة، وإليك مقتطفات من القصيدة، لأنها تقع في (16) صفحة، من شعر التفعيلة:
ليس لي غير صوت ينادي:
احذروا غارة قريبة ....
يزحف الروم فيها من أمام ومن وراء...
يزحف الروم والتتر...
قبل قبل ارتداد البصر...
احذروا غارة قريبة...
تأكل الأرض والبشر....
ليس لي غير صوت ينادي...
أيها الموتى بلا حفر...
أيها الأحياء في حُفر...
بغداد في خطر...
بغداد في خطر...
بغداد في خطر...
بغداد في ...
بغداد...
بغـ.....
وفي الديوان نفسه، قصيدة تحمل اسم الديوان (أنا الذي رأيت) نختار منها هذه المقاطع، وهي في الأصل في (14) صفحة:
أنا الذي رأيت...
أرمي نبوءتي...في هجعة الساحات ثم أمضي...
مكللا بشوك أرضي...
(كلوا جسدي ميتا
أفلتوا كلاب صيدكم على كلماتي
الوقت ضيق
وأنا آت لأتكلم
جلجلتي أعرفها
وخشب الصليب
وأعرف المسمار والعلامة
وأنني بلا قيامة
الوقت ضيق
وأنا آت لأتكلم)
أنا الذي رأيت
أخبركم أن الجسور ضيقة
وأن من يسقط لا ينقذه أحد
طوبى لمن يعبر في هذه العصور المغلقة
اسمحوا لي أن أسجل هذه الاعترافات..
أعترف الآن:
زمان مومس آت
وهذه خطاه في الطريق بين جسدي وروحي....
أنا الذي رأيت حتى غشيت عيناي..
أنذر الذين لم يروا
أن زمانا أصفر الخطا
يهبط في أيامهم
يقتلع الأطفال من أثداء أمهاتهم
ويطأ الرجال في نسائهم
أن زمانا أسود الخطا
منتعلا خفين من نفط
يمر
تمحو يده الأشجار والأسماء
يحفر اسمه على جذوع دمهم....
الزمن الأسود أت
من كل طريق آت
وأنا بعت الإيمان
بعته واشتريت نبيذا وتبغا وفخذ امرأة
ورغيفا يعلمني كيف أشنق جوع صغاري
واشتريت لرأسي لجاما
لعيني نظارتين مموهتين
لوجهي قناعا
فاجأني رأسي: اللجم انقطعت
فاجأني الضوء: النظارات انكسرت
فاجأني وجهي: الاقنعة انحسرت
فاجأني الفخذ، التبغ الخمر:
انهض أكمل رؤياك
نهضت
أضفت إلى رؤياي:
(ارى فرسا من دم تلبس الجسد العربي
وتخفق في الرمل، والرمل وجه تمزق في البحر
والبحر أشرعة تتمزق في الريح
والريح رمانة تتكسر في الأفق
والأفق نمل..
أرى الجسد العربي يموت على حفر النمل
....
أحكي عن مجزرة تأتي
قتل على المصادفة لا على الهوية
رصاص بلا أقنعة، دم بلا اسم يعانق داما بلا اسم ويسيران