قائل هذه الكلمة السائرة هو الإمام عبد الله بن المبارك المتوفى في رمضان سنة (181هـ) والمدفون في مدينة (هيت) في العراق. شرع في طلب العلم بعدما بلغ العشرين. وكان من فحول الشعراء، نعته الذهبي بشيخ الإسلام وأمير الأتقياء. قال (وبيني وبينه بالإجازة العالية ستة أنفس)! وقد افتتن الناس بكلمة ابن المبارك هذه، وتمثلوا بها في كثير من مجالسهم، واستعملوها في أغراض شتى، ووصلتنا عن طريق الكتب التي ترجمت لابن المبارك. ورأيت من المفيد هنا أن أورد نصها في الكتب المنشورة على الوراق، فمن ذلك: (مختصر تاريخ دمشق) لابن منظور، وهي فيه: (سأل أبو خراش بالمصيصة عبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب العلم? قال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها بعد. وفي رواية قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد).
وفي (صفة الصفوة) لابن الجوزي:
عن (عبد الله بن ضريس قال: قيل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن إلى متى تكتب هذا الحديث? فقال: لعل الكلمة التي أنتفع بها ما كتبتها بعد).
وفي (تاريخ الإسلام) و(سير أعلام النبلاء) للذهبي:
(وروى غير واحد أن ابن المبارك سئل: إلى متى تكتب العلم? قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أكتبها بعد).
ووردت الكلمة مرتين في (الكشكول) للبهاء العاملي (الوراق: ص12 و66) ويبدو أنه نقلها عن (صفة الصفوة) ونص الكلمة في الأولى: (قيل لابن المبارك إلى كم تكتب? فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد) وفي الثانية: (قيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى تكتب كل ما تسمع? فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد).
وأما شعره، فقد جمعه ونشره الأستاذ مجاهد مصطفى بهجت (مجلة معهد المخطوطات العربية مجلد 27 ج 1 ص 9- 73) و(2/ ص 455 ـ 501) 1983. وتضم (48) قطعة صحيحة النسب، عدد أبياتها (228) بيتا، و(26) قطعة تنسب إليه وإلى غيره، وعدد أبياتها (99) بيتا. وربما كان من شعره المنحول قصائده الطنانة في مدح الإمام أبي حنيفة انظرها في الوراق في كتاب (الوافي) للصفدي ( ص 3354) وأشهر شعره قصيدته البائية التي بعث بها إلى الفضيل بن عياض عام (170هـ) وأولها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لـعلمت أنك بالعبادة تلعب انظرها كاملة في كتاب (النجوم الزاهرة) على الوراق. وهو صاحب البيت المشهور:
وهل بدل الدين إلا الملوك وأحـبـار سوء ورهبانها ومن بديع شعره القطعة التي أولها: (يا جاعل العلم له بازيا) والقصيدة التي أولها:
كيف القرار وكيف يهدأ مسلم والمسلمات مع العدو المعتدي وقوله:
كـل عـيـش قـد أراه iiنكراً
غير ركز الرمح في في الفرس
وركـوبي في ليال في iiالدجى
أحـرس القوم وقد نام iiالحرس
وقوله:
قـد يفتح المرء حانوتاً لمتجره
وقد فتحت لك الحانوت iiبالدين
بين الأساطين حانوت بلا غلق
تـبتاع بالدين أموال iiالمساكين
ومن قصائده الغريبة (نونيته) في مدح هارون الرشيد، وفيها قوله:
لولا الأئمة لم تأمن لنا سبل وكـان أضعفنا نهبا لأقوانا وقد انفرد برواية هذه القصيدة الطويلة أبو القاسم إسحاق بن سنين الختَّلي، صاحب كتاب (الديباج) المتوفى يوم الجمعة (2/ شوال/ 283هـ) كما في (مختصر تاريخ دمشق) وقد عثرت في الوراق على قصائد من مختاراته ومروياته، تدل على مكانة مميزة في العلم والأدب، و(خُتّل) التي ينسب إليها: إقليم واسع فيما وراء النهر. كما ذكر صاحب (تاج العروس).
وانظر من نوادر أخبار ابن المبارك في (الوراق) في (أعلام الموقعين: ص 556). و(التذكرة الحمدونية: ص 1074 وص 1129) وفي (سير أعلام النبلاء): (قال أبو بكر بن أبي الأسود: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لم أر أحداً أجمع من عبد الله بن المبارك ولم أر أحداً أقدمه على بشر بن منصور ولم أر أحداً أحسن وصفاً للسنة من شهاب بن خراش ولم أر أحداً أعلم بالسنة من حماد بن زيد ولسفيان علمه وزهده). وقال العباس بن مصعب في تاريخ مرو: (كانت أم عبد الله بن المبارك خوارزمية وأبوه تركي وكان عبداً لرجل تاجر من همذان من بني حنظلة فكان عبد الله إذا قدم همذان يخضع لوالديه ويعظمهم) وقال الفسوي في (المعرفة والتاريخ: ص15): (سمعت بشر بن أبي الأزهر قال: قال ابن المبارك: ذاكرني عبد الله بن إدريس السن فقال: ابن كم أنت ? فقلت: إن العجم لا يكادون يحفظون ذلك، ولكن أذكر أني ألبست السواد وأنا صغير عندما خرج أبو مسلم. قال: فقال لي: وقد ابتليت بلبس السواد ! قلت: إني كنت أصغر من ذلك، كان أبو مسلم أخذ الناس كلهم بلبس السواد الصغار والكبار). وفي (الوافي) للصفدي: وقال العباس بن محمد النسفي: (سمعت أبا حاتم الفربري يقول: رأيت في النوم ابن المبارك واقفاً على باب الجنة وبيده مفتاحٌ، فقلت: ما يوقفك هاهنا? قال: هذا مفتاح الجنة دفعه لي محمد صلى الله عليه وسلم وقال: حتى أزور الرب تعالى فكن أميني في السماء كما كنت أميني في الأرض)! (وقال إسماعيل بن إبراهيم المصيصي: رأيت الحارث بن عطية في النوم فسألته فقال: غفر لي! قلت: فابن المبارك? فقال: بخٍ بخٍ ذاك في عليين ممن يلج على الله في كل يوم مرتين). وفي مختصر تاريخ دمشق: ورئي مكتوبا على قبره: