يمكن أن نستنتج من مقدمات المؤرخين العرب لكتبهم أن مادة الكتابة التاريخية هي الأخبار الخاصة بوقائع الزمان، وليست وقائع الزمان كما حصلت بالفعل. وأن متن التاريخ ليس متنا للتاريخ عينه، وإنما هو متن للأخبار. وتكشف الدراسات المعمقة لخطابه أنه واسع الصدر، يتسع للرواية الأسطورية، في مجالات هي أوسع بكثير مما يعتقد أكثرنا.
وقد عبر المسعودي عن ذلك باعترافه أنه جمع الأخبار ولم يمحصها، لأن كتابه كتاب خبر، وليس كتاب بحث ونظر (مروج الذهب: نشرة شارل بلا 1/ 151) وعبر الطبري عن ذلك بوصفه لمنهجه وأنه (اعتمد النقل والإسناد، دون ما أُدرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بأخبار المخبرين ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس) (الطبري: طبعة ليدن 1/ 6) وهاهو أبو الريحان البيروني في (الآثار الباقية: ص4) ينفي اشتمال مقاصد التاريخ على انتقاد الأخبار، ويرى امتناع الوقوف على أخبار السالفين من جهة الاستدلال بالعقول والقياس بما يشاهد من المحسوسات، فما معتمد المؤرخ إلا التقليد لأهل الكتب ... (وجعله) أساً يبنى عليه بعده) ويرى أن (الأباطيل التي تدخل جمل الأخبار والأحاديث ليست كلها داخلة في حد الامتناع ... لكن ما كان منها في حد الإمكان جرى مجرى الخبر الحق، إذا لم تشهد ببطلانه شواهد أُخر...فنأخذ الأقرب من ذلك فالأقرب، والأشهر فالأشهر، ونحصلها من أربابها، ونصلح منها ما يمكننا إصلاحه، ونترك سائرها على وجهه) ويقول في كتابه (تحقيق ما للهند : ص4) (من عرف حقيقة الحال كان قصارى أمره أن يجعلها -أي أخبار الأمم- من الأسمار والأساطير، يستمع إليها تعللا بها والتذاذا، لا تصديقا لها ولا اعتقادا) ونقف هنا على شك ابن خلدون في سلاسل نسب وهمية، تقوم على حصر نسل الخليقة في أولاد نوح الثلاثة، ثم عوده إلى القول بأن هذا ما تناقله النسابة، ثم اعتماده ذات المخطط النسَبي الخرافي أساسا لمناقشة أصول الأمم والشعوب. ولاشك في دقة ما أورده القرافي (تنقيح الأصول: ص150) عن أن الصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه عدميتان، لا وجود لهما في الأعيان بل في الأذهان) 0(عزيز العظمة: دنيا الدين في حاضر العرب ص113ـ 122 و(الكتابة التاريخية: ص20 ـ 42) باختصار.