صناعة نوافير الماء وآلاتها في أواخر القرن الرابع الهجري
في ديوان مهيار الديلمي المتوفى سنة (428هـ) قصيدة من نوادر الشعر، وصف في أثنائها نوافير رآها في قصر أحد أصدقائه. وتقع القصيدة في (78) بيتا،ولها مقدمة في الديوان (ج1 ص348) جاء فيها: (واتخذ بعض أصدقائه من أولاد الرؤساء الكتاب في داره بيتا للخيش* في وسطه بركة مثمنة، قد نصبت فيها صومعة للحركات مربعة، لها أربع منائر مجوفة في جوانبها الأربعة، يتوسطها عمود عال في صورة الأسطوانة، ينزل إليه الماء من حوض مشرف، مرفوع بناؤه على سماء البيت، مصوب إليه بالحركات، حتى إذا استقر الماء في قرار البركة فاض منه ثم من الأربعة الجوانب فيضا، يعلو حتى يكاد بفضل قوته يلحق بسقف البيت. وقد عملت لها تماثيل من الصفر =النحاس= يسمى كل واحد منها باسم، فتؤخذ آلتها فتركّب على ذلك العمود الأوسط، ثم تدار بحركة من الحركات فترش الماء على سائر من يحويه البيت أو يقاربه.
فمن التماثيل صورة تسمى: الخَرْكاة =لفظة فارسية تعني: القبة= إذا نصبت وأديرت تشكّل الماء عليها بشكل (الخركاة) وبقي معلقا، لا يفيض ولا يسيل حتى تقطع حركتها، ويوضع عليها من جوانبها الشموع اللطاف المسرجة، فتدور فيها من غير أن تطفئها.
ومنهن صورة تسمى (العروس) يُجعل لها ذلك العمود كالكرسي، فتدور راقصة عليه، وتوصّل في دورانها الماء إلى رأسها بيدها.
ومنهن صورة تسمى: (الجمل) على هيئته، إذا نصبت سارت مسيره بالماء المحرك لها.
ومنهن صورة سموها: (الطنْبَلنْب) في هيئة رجل ناشب، إذا نصبت وأريد بعض حاضري البيت بالبلل، صوّب سهمه ذلك إليه فأصابه، فكيفما هرول لينجو منه كان الماء تابعا له ما دام في عرصة البيت. ثم يخرج الماء من هذه البركة إلى بستان في صحن الدار متناه في الحسن، فيه صنوف النخل والسرو وغير ذلك من الشجر وأنواع الرياحين والزهر...إلخ. ويختم مهيار قصيدته بقوله لصانع هذه العجائب:
فأقسم بالله لو أنصفوك = قسما وردّوا إليّ الخيارا
لما كنت أرضى لك الخافقين = ملكا ولا جنة الخلد دارا
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* الخيش: أي مروحة الخيش، وهي نسيج كشراع السفينة، كان أهل العراق يعلقونها في سقف البيت مبلولة بالماء، ويعملون لها حبلا، يجذبونها به فيهب منها نسيم عليل، يذهب أذى الحر