قال أبو حامد الغزالي في (كتاب الأربعين في أصول الدين) وهو جزء من كتابه جواهر القرآن أجاز أن يكتب مستقلا:
(والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة ، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص ؛ ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره . ولا تفهم ذلك إلا بمثال ، ولعلك شاهدت صندوق الساعات التي بها تعرف أوقات الصلوات وإن لم تشاهده ، فجملة ذلك أنه لا بد فيه من آلة على شكل أسطوانة تحوي مقدارًا من الماء معلومًا ، وآلة أخرى مجوفة موضوعة فيها فوق الماء ، وخيط مشدود أحد طرفيه في هذه الآلة المجوفة . وطرفه الآخر في أسفل ظَرْف صغير موضوع فوق الآلة المجوفة ، وفيه كرة وتحته طاس ، بحيث لو سقطت الكرة وقعت في الطاس وسُمع طنينها ، ثم تثقب أسفل الآلة الأسطوانية ثقبًا بقدر معلوم ينزل الماء منه قليلاً قليلاً ، فإذا انخفض الماء انخفضت الآلة المجوفة الموضوعة على وجه الماء ، فامتد الخيط المشدود بها ، فحرك الطرف الذي فيه الكرة تحريكًا يقربه من الانتكاس إلى أن ينتكس ، فتتدحرج منه الكرة وتقع في الطاس ، وتطن وعند انقضاء كل ساعة تقع واحدة ، وإنما يتقدر الفصل بين الوقعتين بتقدير خروج الماء وانخفاضه ؛ وذلك بتقدير سعة الثقب الذي يخرج منه الماء ، ويعرف ذلك بطريق الحساب ، فيكون نزول الماء بمقدار مقدّر معلوم بسبب تقدير سعة الذي يخرج منه الماء ويعرف ذلك بطريق الحساب . فيكون نزول الماء بمقدار مقدر معلوم بسبب تقدير سعة الثقبة بقدر معلوم ، ويكون أعلى الماء بذلك المقدار به ويتقدر ، وانخفاض الآلة المجوفة وانجرار الخيط المشدود بها ، وتولّد الحركة في الظرف الذي فيه الكرة وكل ذلك يتقدر بتقدّر سببُه لا يزيد ولا ينقص ، ويمكن أن يجعل وقوع الكرة في الطاس سببًا لحركة أخرى ، وتكون الحركة الأخرى سببًا لحركة ثالثة ، وهكذا إلى درجات كثيرة حتى يتولد منها حركات عجيبة مقدرة بمقادير محددة ، وسببها الأول نزول الماء بقدر معلوم )