مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث
ثلاثي أعلام الرسالة

قال المرحوم علي الطنطاوي في (ذكرياته ج7/ ص132 الحلقة 190) أثناء حديثه عن صالونات الأدب في القاهرة والأيام التي قضاها في صحبة المرحوم أحمد حسن الزيات: (أما دار الرسالة فكان منزلها أقرب المنازل إلى قلبي، وجوها أبرد الأجواء على كبدي، قضيت مع الزيات سنة كاملة أكون معه فيها في المكتب، وأصحبه بإلحاح  منه إلى داره، وأراه في مباذله، وأعرف جميع أحواله ودواخله، وأشهد ما رأيت منه إلا فضلا ونبلا، (وإذا كان لكل رجل صفة تطغى على الصفات حتى ليعرف بها أو تكون كما يقول العقاد "مفتاح شخصيته" فمفتاح الزيات الرفق والحياء) إن تكلم فعلى مهل، وإن كتب فعلى مهل، وقد راعه مني أول الأمر صراحتي وثورتي ثم ظننت أنه تعودها، وإن كان أحيانا كثيرة يضيق بها (ثم حكى الطنطاوي قصة القمّي الذي جاء القاهرة ففتح دار التقريب) ثم قال: وطالما عقدت في دار الرسالة في هذه الغرفة الصغيرة بحضور الأستاذ الزيات غالبا وغيابه أحيانا ندوات، ودارت أحاديث في الأدب وفي العلم حضرها أدباء كبار وعلماء أجلاء. وكانت الأحاديث تنساب هادئة كالنهر الرائق الهادئ المجرى، فيها نفع ولا تخلو من نكتة تضحك أو طريفة تسلي، وربما اضطرب الماء وقذف بالزبد حين تشتد المناقشة حتى تكون مهاوشة، وكثيرا ما كنت أنا الذي يصنع هذا كله، أعترف الآن به وأرجو من الله أن يسامحني فيما أخطأت فيه.

وأنا أناظر أولا برفق وأدب، أحاول أن لا أقول كلمة تخدش الخصم أو تجرحه، (فإذا صدر منه ما يمس ديني أو كرامتي لبست له جلد النمر) ونكبت عن ذكر العواقب جانبا، ولم أعد أبصر من غضبي لديني أو لكرامتي من الذي هو أمامي لا أبالي أن يكون كبيرا أو خطيرا، ولقد كان صدام مرة بيني وبين الدكتور زكي مبارك، وكانت لي به صلة حسنة، (أقرُّ له بأنه يملك أجمل أسلوب في هذا العصر) فنطق مرة بكلمة فيها كفر ظاهر وعدوان على الدين أثيم، فنبهته فما انتبه، وحذرته فما بالى، فزاغ بصري ولم أعد أرى امامي الأستاذ زكي مبارك بل رجلا ينال من ديني ومن عقيدتي فهجمت عليه هجمة مفاجئة بجمل تتلاحق كلماتها كرصاص مدفع رشاش، ضعضعت أركانه، ثم استفاق من دهشته وتمالك بعض نفسه وقال لي في بعض ما قال: من أنت وبأي سلاح تنازلني ؟ قلت: بسلاحين، أولهما أن الحق معي وأني أستنصر الله لأني أناضل عن دينه وأحامي عن شرعه. والثانية (أني أعرفك في مصر وأعرف سلوكك في العراق، ومجالسك بين كاسك وطاسك) فما الذي تظنه يخيفني منك ويمنعني من منازلتك: دينك وتقواك؟ واستقامتك؟ علمك؟ وقد حققت كتاب (زهر الآداب) للحصري وكنا ندرسه مع تلاميذنا في دمشق، فما تمر صفحة تخلو من زلة لك، تسقط منها فيشج رأسك أو تلوى قدمك، أم هذا الكتاب الذي صدعت بذكره الأسماع، وجعلته معجزة العصر وآية الدهر "النثر الفني" إن فيه سقطات لما أمسك الدكتور الغمرواي ببعضها وقيدك بمنطقه وحجته بقيد من حديد لم تملك معه حراكاً، جعلت تقفز من حوله وتصرخ وتهدد ولا تستطيع أن تتحلل من القيد ولا أن تبرر الغلط ؟ وهل تعتصم إلا بستار من سب الناس إذ تصول وتجول وحدك وتتوعد وتتهدد (زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا!) ولو كانت معركة أدبية بيني وبينك لترددت، وربما خفتك أو تهيبت لقاءك أو آثرت السلامة من قلمك، ولكنها معركة لله، أدافع فيها عن دين الله، والله يدافع عن الذين آمنوا ومن كان الله معه كان هو الغالب. واشتد الأمر وتعالت الأصوات ولم يبق إلا المواثبة والنقاش بالأيدي فدخل الزيات بيننا، وأخذه جانبا يناجيه وسمعته يقول له: (ما تشوف اسمه طنطاوي/ إنه شامي دماغه ناشف/ وأسلوبك لا يفيد معه/ والأزهريون من مدرسين وطلبة يقرؤون له ويحبونه/ ولما كان الخلاف بينه وبين الشيخ أمين الخولي كانوا كلهم معه، وهو يحاربك الآن بسلاح الدين، فما لك ولخصومة أهل الدين)؟ فليّن منه بعض اللين، ثم أقبل علي يكلمني، فقلت: أنا أحب الأستاذ وأقدر له سنه وسبقه، وهو أستاذ معروف، وما بيني وبينه خلاف شخصي، إلا هذه الكلمة التي قالها وسمعتموها، إن فيها كفرا لا يجوز لمسلم أن يسكت عن إنكاره، فإن رجع عنها وتبرأ منها قمت إليه الآن فقبلتُ رأسه، وإن أصر عليها فسأتوكل على الله وأخوض معركة معه ربما أنست القراء معاركه الأولى مع الأدباء، وما بسيفي أضرب ولكن بسيف الشرع. فاعتذر من تلك الكلمة وقال: إنها كلمة سبق بها لسانه وراح يؤكد أنه مؤمن صادق الإيمان، وأنه طالما جرد قلمه للدفاع عن الإسلام وأمثال هذا الكلام، فقلت له: تسمح الآن أن أقوم فأقبل رأسك، لكن بعد أن تسرح شعرك المنفوش، فضحك وضحك القوم وانتهت المعركة بسلام

 




    * هذه الصفحة من إعداد الباحث زهير ظاظا : zaza@alwarraq.com
نصوص أخرى