ذكر البغدادي هذه الطرفة النادرة في شرح الشاهد (437) من شواهد سيبويه في الكتاب وهو البيت: ربما تكره النفوس من الأم ر له فرجةٌ كحل العقال قال: والبيت الشاهد قد وجد في أشعار جماعةٍ، والمشهور أنه لأمية بن أبي الصلت، من قصيدة طويلة عدتها تسعةٌ وسبعةٌ وسبعون بيتاً ذكر فيها شيئاً من قصص الأنبياء: داود، وسليمان، ونوح، وموسى. وذكر قصة إبراهيم وإسحاق عليهما السلام، وزعم أنه هو الذبيح، وهو قولٌ مشهورٌ للعلماء. أما الطرفة النادرة فقد رواها البغدادي ولم تسعفه ذاكرته في تذكر المصدر الذي ذكر هذا الرواية في سبب هروب أبي عمرو بن العلاء، وقد عثرتُ على هذا المصدر وهو كتاب (سرح العيون في شرح رسالة ابن زيتون) لابن نباتة، أثناء ترجمته للحجاج، قال: ( وقال أبو عمرو بن العلاء كنت أقرأ "إلا من اغترف غرفة" بالفتح وبلغ الحجاج وكان يقرأ بالضم فطلبني فهربت إلى واد صنعاء فأقمت زماناً فسمعت أعرابياً يقول لآخر قد مات الحجاج فقال الأعرابي: ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال فلم أدر بأي شيء كنت أشد فرحاً أبموت الحجاج أم بسماع البيت أستشهد به على القراءة. وهناك رواية اكثر تفصيلا للقصة سأذكرها في ختام هذه البطاقة، وأنقل هنا ما رواه البغدادي من مختلف الروايات في سبب هروب أبي عمرو، قال: أخرج ابن عساكر من طريق الأصمعي، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: هربت من الحجاج فسمعت أعرابياً ينشد: يا قليل العزاء في الأهوال وكثير الهموم والأوجال إلى آخر الأبيات. فقلت: ما وراءك يا أعرابي؟فقال: مات الحجاج! فلم أدر بأيهما أفرح: أبموت الحجاج أم بقوله فرجة؟ لأني كنت أطلب شاهداً لاختياري القراءة في سورة البقرة: إلا من اغترف غرفة بالفتح. انتهى. وقد رويت قصة أبي عمرو بن العلاء هذه على وجوهٍ مختلفة منها رواية الصاغاني في العباب، قال: قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وكان قد هرب من الحجاج إلى اليمن، يقول: كنت مختفياً لا أخرج بالنهار فطال علي ذلك، فبينا أنا قاعدٌ وقت السحر مفكراً سمعت رجلاً ينشد وهو مارٌّ: ربما تكره النفوس من الأم ر له فرجةٌ كحل العقال ومر خلفه رجلٌ يقول: مات الحجاج! قال أبو عمرو: فما أدري بأيهما كنت أفرح، أبموت الحجاج، أم بقوله: فرجة بفتح الفاء، وكنا نقوله بضمها. اهـ.
ومنها ما رواه الدماميني في الحاشية الهندية، قال: يحكى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان له غلام ماهر في الشعر، فوشي به إلى الحجاج، فطلبه ليشتريه منه. قال: فلما دخلت عليه، وكلمني فيه، قلت: إنه مدبّر. فلما خرجت قال الواشي: كذب. فهربت إلى اليمن خوفاً من شره، فمكثت هناك وأنا إمامٌ يرجع إلي في المسائل، عشر سنين، فخرجت ذات يوم إلى ظاهر الصحراء فرأيت أعرابياً يقول لآخر: ألا أبشرك؟ قال: بلا. قال: مات الحجاج! فأنشده: ربما تكره النفوس من الأم ر فرجة كحل العقال وأنشده بفتح الفاء من فرجة. قال أبو عمرو: لا أدري بأي الشيئين أفرح، أبموت الحجاج أم بقوله فرجة بفتح الفاء، ونحن نقول فرجة بضمها، وهو خطأ. وتطلبت ذلك زماناً في استعمالاتهم. قال أبو عمرو: وكنت بقوله: فرجة أشد مني فرحاً بقوله: مات الحجاج. اهـ. كذا ساق الحكاية. وفي قوله في آخرها: وهو خطأ نظرٌ لا يخفى. والمشهور أن سبب هروب أبي عمرو إلى اليمن طلب الحجاج منه شاهداً من كلام العرب لقراءته: غرفة بالفتح، فلما تعذر عليه، هرب إلى اليمن. ولم تحضرني الآن هذه الرواية.
قلت انا زهير: ومما فات البغدادي أن يذكره في سبب هروب أبي عمرو ما رواه القاضي التنوخي في كتابه (الفرج بعد الشدة) بسنده إلى أبي عمرو أنه قال: كنت مستخفياً من الحجاج، وذلك أن عمي كان عاملاً له، فهرب، فهم بأخذي. فبينا أنا على حال خوفي منه، إذ سمعت منشداً ينشد: ربّما تجزع النفوس من الأم ر لها فرجة كحل العقال ومنها قوله: ووجدت بخط أبي عبد الله بن مقلة، في كتاب الأبيات السائرة: قال أمية بن أبي الصلت: ربّما تكره النفوس من الش يء لها فرجة كحلّ العقال ومن الفوائد ما ذكره الرافعي في (التدوين في تاريخ قزوين) في ترجمة أحمد بن صالح الحداد، والد علي بن صالح المقرىء، قال: وسمع أحمد بن صالح أبا الطوسي في القراآت لأبي حاتم السجستاني "إلا من اغترف غرفة" وغرفة واخترنا الضم لان الغرفة ملء الكف والمغرفة والغرفة بالفتح يكون للقليل والكثير وقد تغرف السفينة مائة قربة وأكثر. وفي (كنز العمال) عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود وابن الأنباري في المصاحف. عن عثمان أنه قرأ:" إلا من اغترف غرفة" بضم الغين. وفي (المغني) لابن هشام : (اغترفَ غرفةً بيدهِ) إن فتحت الغين فمفعول مطلق، أو ضممتها فمفعول به، ومثلهما حسوتُ حَسوةً، وحُسوةً. وأختم هذه البطاقة بما حكاه الشيخ عبد الرحمن ابن درهم وهو من أهل هذا العصر، توفي عام 1943م قال في كتابه (نزهة الأبصار بطرائف الأخبار والأشعار): ويروى أن أبا عمرو بن العلاء، كان يقرأ قوله تعالى: (إلا من أغترف غرفة بيده) بالفتح فأحضره الحجاج، وقال: ما حجتك في قراءتها بالفتح؟ قال: أمهلني أيها الأمير. قال: أمهلتك شهراً، فإن لم تأتني بحجة ضربت عنقك، فوكل من به يسير معه في أحياء العرب فلم يجد حجة إلا أن كمل الشهر، فرده الموكلون به على الحجاج، فلما كان في أثناء الطريق إذ إعرابي يسوق إبلاً له وينشد: صبر النفس عند كل ملم إن في الصبر حيلة المحتال لا تضيقن بالأمور فقد تكشف غماؤها بغير احتيال ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال فقال له أبو عمرو: ما وجه الفتح في فرجة؟ فقال: كلما أتى على وزن فعلة فلنا فيه ثلاث لغات، ففرح أبو عمرو بوجود الحجة لقراءته ثم قال للإعرابي: ما سبب إنشادك هذه الأبيات؟ قال: أنه قد بلغنا نعي الحجاج، وكنا متخوفين منه، فقال أبو عمرو: والله ما أدري بأيتهما أفرح، بموت الحجاج، أم بوجود الحجة على قراءتي ومذهبي؟! قال السيوطي في المزهر: أبو عمرو بن العلاء: اختلف في اسمه على واحد وعشرين قولاً: أصحّها زَبّان بزاي معجمة والبقية: جَبْر، جُنَيْد جَزْء، حُمَيْد، رَبّان براء مهملة عُتَيْبَة، عُثْمان، عُرْيان، عقبة، عمَّار، عَيَّار، عُيَيْنَة، فائد، قَبِيصة، مَحْبوب، محمد، يحيى، وقيل: اسمه كنيته، وسبب الاختلاف فيه أنه كان لجلالته لا يُسأل عن اسمه، قال أبو الطيب: أبو عمرو بن العلاء وأخوه أبو سُفْيان زعم النيسابوري أن اسميهما كنيتاهما