قال ابن المعتز في ترجمته لأبي تمام في كتاب الطبقات: (وحدثني أبو الغصن محمد بن قدامة قال: دخلت على حبيب بن أوس بقزوين وحواليه من الدفاتر ما غرق فيه فما يكاد يرى، فوقفت ساعة لا يعلم بمكاني لما هو فيه، ثم رفع رأسه فنظر إلي فسلم علي، فقلت له: يا أبا تمام إنك لتنظر إلى الكتب كثيراً وتدمن الدرس فما أصبرك عليها! فقال: والله ما لي إلف غيرها ولا لذة سواها، وإني لخليق إن اتفقدها أن أحسن. وإذا بحزمتين: واحدة عن يمينه وواحدة عن شماله، وهو منهمك ينظر فيهما ويميزهما من دون سائر الكتب، فقلت: فما هذا الذي أرى من عنايتك به أؤكد من غيره? قال: أما التي عن يميني فاللات، وأما التي عن يساري فالعزى، أعبدهما من عشرين سنة. فإذا عن يمينه شعر مسلم بن الوليد صريع الغواني، وعن يساره شعر أبي نواس. ومما يستملح من شعره- وشعره كله حسن- داليته في المأمون التي أولها: "كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي" وهي أشهر من الفرس الأبلق، وكذلك كل ما نذكر من قصائد ها هنا، فإنا نقتصر على ذكر أوائلها نحو قوله: "وأبي المنازل إنها لشجون" وقوله: "سرت تستجير الدمع خوف نوى غد" وقوله: "متى أنت عن ذهلية القوم ذاهل" وقوله: "أصغى إلى البين معتزاً فلا جرما" وقوله: "دمن ألم بها فقال سلام" وقوله: "بدلت عبرة من الإيماض" وقوله: "الحق أبلج والسيوف عواري" وقوله: "السيف أصدق أنباء من الكتب" وقوله: "نسج المشيب له قناعاً مغدفا" وقوله: "خشنت عليه أخت بني خشين" وقوله: "خذي عبرات عينك من زماعي" وقوله: "يوم الفراق لقد خلقت طويلاً" و استقصينا ذكر أوائل قصائد الجياد التي هي عيون شعره لشغلنا قطعة من كتابنا هذا بذلك وإن لم نذكر منها إلا مصراعاً، لأن الرجل كثير الشعر جداً، ويقال إن له ستمائة قصيدة وثمانمائة مقطوعة، وأكثر ماله جيد، والرديء الذي له إنما هو شيء يستغلق لفظه فقط. فأما أن يكون في شعره شيء يخلو من المعاني اللطيفة والمحاسن والبدع الكثيرة فلا، وقد أنصف البحتري لما سئل عنه وعن نفسه فقال: جيده خير من جيدي، ورديي خير من رديه، وذلك أن البحتري لا يكاد يغلظ لفظه، إنما ألفاظه كالعسل حلاوة، فأما أن يشق غبار الطائي في الحذق بالمعاني والمحاسن فهيهات، بل يغرق في بحره. على أن للبحتري المعاني الغزيرة، ولكن أكثرها مأخوذ من أبي تمام، ومسروق من شعره