البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الأدب العربي

 موضوع النقاش : مقال فكري حول اشكالية الكتابة    كن أول من يقيّم
 ا حمد 
29 - مايو - 2005
أحمد بابانا العلوي -1- لماذا نكتب? هذا سؤال حقيق بان يسأل وحقيق بأن يجاب... ولا أزعم أنني سأقدم للقارئ جوابا يشفي الغليل أو يحيط بزوايا الموضوع أو يكشف عن أسرار الكتابة و سحر بيانها أو يتعمق في أغوارها أويندمج في طقوسها وشطحاتها وبهجة أناشيدها التي تملأ الكون حبورا وضياء منيرا يهدي إلى الصراط المستقيم? نعم! صدق من قال بأن الكتابة ضرب من الصلاة...! ذلك أن الصلاة دعاء، والدعاء سؤال والسؤال كلمة والكلمة الطيبة صدقة والصدقة محبة والمحبة ثمرة والثمرة بذرة والبذرة بنت الضياء... والضياء جمال وفي الجمال تكمن الحقيقة وفي الحقيقة سر هذا الوجود!.. -2- لابد من التذكير، ونحن نتأمل مظاهر الحياة وفضاءات الكون وما يحيط بهما أو يكتنفهما من ظواهر التآلف أو التنازع بين قوى مطلقة وقوانين تحكم هذه القوى المطلقة وكلما سبرنا أغوار ذلك كله اقتربنا من إدراك الحقيقة الفنية للكتابة بأجناسها المختلفة.. إذن الكتابة أنواع، كتابة رفيعة الدرجات، بهية الصور والرؤى والأطياف، صادقة المشاعر، قوية التعابير مكتملة القواعد سليمة الذوق في الفن والأدب ترقى بالعقول وتحررها من القيود والسدود وتهذب الغرائز وتصقلها لترقى إلى صفاء الروح.. وفي هذا المقام يقول أستاذنا "العقاد" رحمه الله بأن "التأليف بين القيود والحرية" يمكن أن يتخذ ميزانا صحيحا لوزن الأمم والأفراد أو الحضارات والآراء والفنون فكلما اقتربت الأمة أو الفرد أو الحضارة أو الرأي أو الفن إلى حسن التأليف بين أفراح الحياة وأوزانها بين خيالها وعروضها بين معناها وصورتها كانت أقرب إلى السمو والنبالة والصدق لأنها أقرب إلى القصد الإلهي ووجهة الكون البادية في جميع أجزائه" (مطالعات في الكتب والحياة ص7) وهناك من جهة ثانية "كتابة" سقيمة، سطحية وزائفة تشوه الذوق السليم وتجعل من الهذيان منطقا ومن الجنون عبقرية!... إنها كتابة تتوخى الأغراض والمنافع وحدها، إنها كتابة المديح والتضليل و "الاستحمار".. كتابة هازلة تروم التزويق والبهرج الكاذب والمغالطات الوهمية، والإسفاف والأغراض الوضيعة والغلو والعبث وضروب التزييف.. ومن راجع تواريخ الآداب في العصور كافة سوف يلاحظ الحد الفارق بين كتابة تزييف الواقع وتخدر العقول وتعبث بالطموحات وتغتال الاحلام.. إنها كتابة الصنعة التي تتوخى ارضاء طبقة معينة حيث يضعف الطبع الى حضيض الابتذال ثم يجمد على هذه الحال حتى تبعثه يقظة قومية فتخرجه إلى آفاق أرحب تعبر عن عمق وصدق الشعور الانساني.. -3- ومن الحجج الدامغة التي يقدمها أستاذنا "العقاد" عندما يتطرق لأغراض الانحطاط التي منيت بها الآداب والفنون في جميع الأمم والأزمنة : "بأن الأدب هو ترجمان الحياة الصادق فكما يكون الأدب تكون الحياة. إن جدا فجد، وإن هزلا فهزل- على أن الأدباء قد يجدون والأمة هازلة سادرة ولكنهم قلما يهزلون والأمة جادة متيقظة" (مطالعات ... ص14) وآية ذلك ان الأدب الرفيع وحده هو الذي يستوعب التجارب ويعبر عما تمليه بواعث الحياة التي تخاطب الفطرة الانسانية. أما أدب التلهي والتسلية فإنه يخاطب الأهواء العارضة ويخدم الأذواق والمآرب للطبقات الحاكمة.. وشتان بين كتابة تنبض بالحياة وتعبرعما يختلج في النفوس وأخرى تخاطب بواعث التسلية وغايتها القصوى ان تقف عند مظاهر القشور والطلاء.. وفي هذا المقام يرى الاستاذ العقاد بأن حظ الأمة من الشعر والغناء والأدب ومن الأحاديث والأحلام أيضا إنما يكون على قدر حظها من الحياة وإننا قد نستطيع أن نتخيل أمة قوية مجيدة بغير علوم ولا صناعات ولكننا لا نستطيع أن نتخيل أمة قوية الطباع والأخلاق بغير آداب وإنه لا فلاح لأمة لا تصحح فيها مقاييس الآداب ولا ينظر فيها إليها النظر الصائب القويم لأن الأمم التي تضل مقاييس آدابها تضل مقاييس حياتها والأمم التي لا تعرف الشعور مكتوبا مصورا لا تعرفه محسوسا عاملا" (مطالعات ص18 ) فلابد للأمة إذا أرادت الرقي أن تصحح مقياس كتابتها وشعرها. لأن الأمم الحية لا يجوز أن يكون لها غير أدب واحد هو الأدب الذي ينمي في النفس الشعور بالحرية والجمال. وإذا كان الشعر شعور بجوهر الأشياء والكشف عن لبها وصلة الحياة بها.. فإن الكتابة إبحار في جوهر المعاني وحقيقة الكلمات ... وسبر لحقائق الكون والوجود والبحث عن اللغز الأكبر " لغز الإنسان والكون". -4- ولحكمة ما تعددت حقول المعرفة وتنوعت القرائح والمدارك والملكات .. ومن ثمة قد تعددت المصطلحات التي تطلق على العقول فإما دينية أو فلسفية أو علمية أو رياضية أو فنية.. وبغض النظر عن هذه التعريفات أو المسميات كلها، فإن مهمة العقل وغرضه الأسمى تكمن في فقه سنن الحياة والكشف عن قوانين الكون والإحاطة بحقائق الوجود. فالانسان إذا لم يتحرر من قيود السؤال والضرورات التي تحجب النظر وتقتل في النفس براعة الحس والتصور فإنه يبقى أبد الدهر غير قادر على تذوق معاني الحياة.. والكتابة لعمري في أسمى معانيها إنما هي الفن الجميل الذي بدونه لا يمكن لأي عمل من أعمال هذه الحياة أن يتم على الوجه الأمثل.. والكاتب شاعر وفنان، يشحذ الهمم ويوقظ النفوس ويحرر الإرادات ويثقف العقول ويهذب الأرواح.. والكتاب هم رسل الفكر في كل وجه من وجوه الحياة في السياسة والفلسفة والفنون والاجتماع... -5- ولو أنعمنا النظر في تصانيف الأدباء والمفكرين وثمار قرائحهم ، لوجدنا أن العقل المبدع الخلاق لا يعبأ بالأوضاع المتقلبة وجو التصنع والتحذلق وصغار المطالب.. ويتحاشى النزاعات التي تستغل غرائز الناس، وتساهم في تحطيم القيم العليا للشخصية الواعية. لأن الأدب يجب أن يكون أداة لإيقاظ الأمة وترقية فكرها وتهذيب روحها وتكوين شخصيتها.. والكتابة الأدبية الهادفة غذاء نافع لكيان الأمة تقويها وتدفع بها إلى آفاق أرحب ومستقبل أرقى وأجمل.. والمثل العليا التي رفع لواءها الكتاب والشعراء هيأت لنمو قيم الحرية والجمال بين الناس... وفي كتب الأدب والتاريخ فصول طويلة عن مكارم الأخلاق والقيم الرفيعة التي يستدل بها على رجاحة العقل وسداد المنطق والرأي.. -6- الكتابة فن من فنون القول والتعبير..، ومعنى كلمة أدب في الآداب الغربية مأخوذ من مادة الحرف والكلمة (littérature) أي أن كل ما يتناول فن الكلام نظما ونثرا فهو أدب ويرى الأب " مرمرجي" العالم باللغات السامية أن لفظ الأدب في العلوم العربية هو علم يتحرز به من جميع أنواع الخطأ وتعرف به أساليب الكلام البليغ في كل حال من أحواله.." ويراد بكلمة "أدب" أيضا التهذيب والصقل والتمدن.. والمقصود من التأديب في مصطلحات اللغات كافة، أن يكون الانسان مهذب أو مؤدب أو مثقف قد تربى على العلم بفنون المعرفة والحكمة وجمع بين ثقافة الفكر والضمير.. ومن فضائل الأدب انه يقوم اللسان ويهدي إلى أساليب التعبير عن حوائج النفس ومعاني الأفكار.. ولا تزال هذه الفضيلة بغية الحكماء والمرشدين في عصر العلوم والصناعات والمنافع المادية والمذاهب التي لا تبالي جمالا في القول ولا جمالا في الأخلاق.. -7- الكتابة إبداع وخلق وأسلوب حياة وأول مظاهرالوعي بشخصية الأسلوب أ ستقلال طريقة التعبير.. ومن ثمة فإن الكتابة نظام للخطاب مؤسس على البحث والسؤال يسعى إلى بناء نظام معرفي من القيم والأفكار.. وفي كل ثقافة أو نظام معرفي جملة من القوانين الناظمة ، تنظم المجال الرمزي والأشكال الرئيسية للمعرفة.. وتعتبر اللغة أهم مصدر للمعرفة ويرى الفيلسوف "مشل فوكو" في كتابه " الكلمات والأشياء"، بأن للغة وظيفة رمزية تبدو في علاقتها الشاملة مع العالم بأكمله وفي تقاطع مداها مع الكون وصوره ثم يضيف بأن استخدام الأبجدية كنظام موسوعي ساهم في إعادة بناء نظام العالم نفسه بتسلسل الكلمات وترتيبها في المكان، كما أن بتشابك اللغة والأشياء في مكان مشترك فرض امتيازا مطلقا للكتابة. وقد ساد هذا الامتياز كل عصر النهضة . وكان واحدا من الأحداث الكبرى في الثقافة الغربية. ولعل اكتشاف المطبعة ووصول المخطوطات الشرقية إلى أوربا وظهور أدب لم يوضع من أجل الإلقاء أو العرض المسرحي وكذلك الأولوية التي أعطيت لتأويل النصوص الدينية على التقاليد الكنيسة يشهد على المكانة الأساسية التي احتلتها الكتابة ، ويرى "فوكو" بأن أولوية الكتابة يعود الى الحضور التوأم لشكلين لا ينفصلان في معرفة القرن السادس عشر رغم تعارضهما الظاهري. أولا عدم التمييز بين ما يرى وما يقرأ وبين الملحوظ والمروي ومن تم تشكل طبقة واحدة تتقاطع فيها النظرة واللغة الى ما لا نهاية.. ويخلص "فوكو" إلى أن المعرفة تقوم على نقل لغة إلى لغة وعلى إعادة السهل الكبير المنتظم للكلمات والأشياء وعلى جعل كل شيء يتكلم أي توليد فوق كل العلامات.. إن خاصية المعرفة ليست في الرؤية ولا في البرهان وإنما في التأويل.. أما الباحث جورج كلاوس صاحب كتاب لغة السياسة يرى بأن الأفكار هي أكثر الأدوات أهمية لأنها تعكس الواقع بواسطة الإنسان، وبأن الإشارات اللغوية هي شكل الوجود المادي للأفكار..، ويضيف بأن الهدف من تطوير الوعي هو تزويد البشر بمعارف شاملة يتمكنون من خلالها من تشكيل المجتمع وتحقيق مصالحهم بصورة مشتركة.. وفي نفس السياق نجد المفكر الفرنسي (رجس ديري Regis Debray) في كتابه السلطة الثقافية في فرنسا يشجب بشدة الحالة الثقافية في الوقت الذي تسود فيه الوسائل السمعية البصرية والثقافية الجماهيرية.. فإن جمهورية الفكر La république des lettres ذلك العالم الصغير المغلق والمتمثل في عدة مئات من الأعضاء أصبحت لديه إمكانيات ضخمة بفضل الثورة التكنولوجية، تتيح صياغة تفكير المجتمع بأسره... إن كون المثقف يقوم بوظيفة تمكنه من صياغة تفكير المجتمع تطرح تساؤلات عدة حول الحقائق والمسلمات التي يضعها المثقف، وتبعث على أهمية البحث حول تاريخية الفكر... وقد وضع "دبري" نفسه كتابه le scribe "الكاتب" شرح فيه مسألة الأصول التي تمخض عنها فعل الكتابة La généalogie du scribe وبين فيها الملامح المختلفة "للكاتب" عبر العصور من النساخ المصريين والسفسطائين الاغريق مرورا برجال الدين القساوسة في عهد شرلمان وفقهاء القانون في عهد فليب لبيل وفلاسفة النهضة والتنوير حتى يصل الى المثقفين اليوم.. ويتناول دور المفكر وعلاقاته واتجاهاته ومواقفه ... ويصل إلى استنتاج مضمنه أن المثقف كان دائما وسيبقى العصى التي يتوكأ عليها الأمراء فهو الذي ينظم ويحافظ على لغة السلطة. ثم يسترسل بالقول بأن المثقف العصري في الغرب يعتبرامتدادا للوظيفة الاجتماعية الموروثة (fonction ancestrale) ذلك أن الوظيفة الكهنوتية (fonction sacerdotale) هي أيضا مرتبطة بالبنية الثلاثية للنظام الهندو اوربي (ordre Indo Europeen) الذي تناولته بالبحث مدرسة جورج دومزيـــــــــــــل ( G.Dumézil ) (القساوسة والمحاربين والفلاحين ) (Prêtres Guerriers et Paysans) فالمثقف الأوربي هو وريث هذا الثلاثي البدائي انه في النهاية ما تبقى من القسيس ( Le Clerc ) عندما انمحى دور المؤسسة الدينية .. واذا ما رجعنا الى تاريخية المعرفة سنجد أن اهل القرون الوسطى كانوا يطلقون كلمة مثقف على العلمانيين من العلماء ( les LaÏcs Erudits ) ثم أصبحت تطلق على كل المتعلمين في الفنون الليبرالية ( les Arts libéraux ) وهكذا يكون أهل المعرفة ( le savoir ) قد أخــــذوا مكــــان رجال الديــــن ( les Spécialistes du prière ) أي أنهم أخذوا مكانا مشابها لموقعهم في المجتمع ويمكن القول بان استعادة رموز الكتابة قد تم لأغراض سوسيولوجية وليس ثقافية لأن الكتابة وسيلة لممارسة سلطة فرد ما على الآخر.. فأهمية الكتابة وطبيعتها سياسية، صحيح أن الوظيفة الأولى للتواصل الكتابي هي تسهيـــــل الاستعبـــــــــاد (faciliter l?asservissement ). وبهذا المعنى تكون الكتابة مرادفة للشر .. ان الانسان المفكر ( l?homosapien ) قد اكتمل تكوينه الفكري والجسمي منذ حوالي اربعين الف سنة وتعود رموزه الخطية الاولى المعروضة الى خمسة وثلاثين الف سنة. ان بذرة الكتابة توجد في المكان الذي توجد فيه الدولة او ستقوم فيه الدولة بمعناها الواسع أي الوحدة السياسية للمجتمعات ذات حدود اقليمية تمارس فيها سيادة متجانسة...و بالتالي فإن بذرة السياسة هي التي تعطي ثمار الثقافة.. فالكتابة لا تظهر حيث لم توضع بذرة الدولة وإن الكاتب يولد موظفا في خدمة ادارة ملكية أوكهنوتية ولكنه موظف بالدرجة الاولى. إن أهمية الكاتب في الدولة المدينة ( Cité Etat ) تعود إلى كونه في حوزتها أسـرار الدولة (les secrets d?Etat) بمـــــا فيها تقنية الكتابة المرتبطـــــــــــة بالتقنيـــات الدينيــــــــــــــــــــة ( les Techniques divinatoires ) . إن الذي بحوزته المصاريف والرسائل يسعى الى الحفاظ على السر نظرا لمكانته عند الدولة. إن الكاتب هو معاصر للمدن الدول الاولى ( Les Première Cités Etats ) فالمدينة ( La Cité) هي الدولة والدولة هي تجميع وتراكم الفائض الاقتصادي الذي يسمح لجماعة من الناس بالاستهلاك دون أن تنتج أو تلعيش دون أن تعمل (أي تقوم بتنظيم حياة المنتج عن طريق الفكر) كما أن تقنية اختزان المعارف أي الكتابة ينتج عنها فائض ثقافي (excèdent culturel ) مثله مثل الفائض الاقتصادي يؤدي إلى تحرير الذين يستحوذون عليه ويتيح لهم حيازة النصيب الأكبر في تقسيم السلطة والخيرات ، ويمكنهم من استعباد الآخرين الذين لم تتح لهم فرصة الحصول على المعرفة. -8- هذه بعض الاضاءات حاولنا ان ندرك من خلالها بعض حقائق الموضوع في مسالة شاسعة الضفاف عميقة الأغوار ، لا تكفي للإحاطة بأسرارها جهود امة واحدة أو محصول ثقافة واحدة وان كانت من ارفع الثقافات... مادام الأمر يتعلق بخلاصة الثقافات الإنسانية كلها. فحسب الباحث أن تقدم بعض الاضاءات يثير بها اهتمام القارئ وفضوله المعرفي.. ولعل ابغ إضاءة نختم بها هذا المقال هي ما قاله الطبيب الاديب الفرنسي جــــــورج دو هامـــــــــــــل ( Georges Duhamel ) " بأن كل مكتبة هي قبل كل شيء مجموعة من الوسائل والمناهج : وهي ذلك المكان الجلل الذي يحتفظ فيه الناس بتجاربهم وأحاسيسهم واكتشافاتهم ومشروعاتهم ولو أننا افتقدنا دفعة واحدة كل تلك الكتب التي ازدهرت بها حضارتنا لما استطعنا ان نبني طائرة أو نربي حيوانات أو نستحضر منتجاتنا الكيماوية ولوجدنا مشقة بالغة في استخدام ملكاتنا ولن تكون تصرفاتنا عندئذ إلا تصرفات وحوش تعسة".
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
لا يوجد تعليقات جدبدة