البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : دوحة الشعر

 موضوع النقاش : غزلية لحافظ الشيرازي    كن أول من يقيّم
 أوس 
1 - أكتوبر - 2008
شمس الدين محمد المعروف بخواجه حافظ الشيرازي هو شاعر شعراء القرن الثامن الهجري وشاعر شعراء إيران إلى يومنا هذا[1]. وقد تكون هذه الغزلية أشهر غزلية لحافظ الشيرازي الذي اتصف شعره بالنظرة الفلسفية والصبغة الصوفية والرمزية المشبعة. وتلك سمات مطّردة في كل غزلياته حتى لقب حافظ بلسان الغيب وترجمان الأسرار. وصادف أن تكون هذه الغزلية هي الأولى ترتيبًا في ديوانه.
 
أما الغَزَل في الأدب الفارسي فهو جنس شعري يختلف عن القصيدة في موضوعه وعدد أبياته، فالغزل لا يتعلق إلا بموضوع الغزل أو التصوف أما القصيدة فتتعدى ذلك إلى المديح والهجاء والفلسفة والحكمة وغير ذلك من أغراض[2]. وأبيات الغزل في العادة سبعة وقد تزيد أحياننا إلى اثني عشر بيتا ومن النادر أن تتجاوز ذلك. وفي الغزل يتغنى الشاعر بالشباب وأيامه، والعشق وآلامه، ويذكر البلبل الصداح، والخمر الصافية في القداح. وفي نهاية الغزل اعتاد الشاعر الإيراني أن يذكر لقبه الشعري في البيت الأخير أو قبل الأخير، ويعرف هذا بالتخلص، فقلما نجد شاعرا إيرانيا لم ينتق لنفسه لقبا أو يلقب بواحد. وشاعرنا "حافظ" اسمه شمس الدين محمد، وقد لقب بهذا اللقب بعد أن ختم حفظ القرآن، وقد استحسن هذا اللقب فاختاره تخلصا في أشعاره فأصبح يورد كلمة حافظ في البيت الأخير أو قبل الأخير من غزلياته.
 
لقد كان لقائي الأول بهذا الغزل في مطعم إيراني صغير في مدينة كالجري (Calgary) في كندا يدعى (كبابي حاتم) ، فحين دخلت المطعم وقعت عيناي لحظَتها على لوح زجاجي ضخم خُطَّت عليه هذه الغزلية. وكان أشد ما لفت انتباهي فيها أن وجدت صدر البيت الأول بالعربية وعَجُزه بالفارسية، وحين وصلت إلى البيت الأخير وجدت صدره بالفارسية وعجُزه بالعربية. وبهذا الدمج بين اللغتين تصبح الغزلية ملمعة؛ فالشعر الملمع هو ما اجتمعت فيه لغتان أو أكثر. وقد سُبق حافظ إلى هذا الأسلوب، وذلك لمكانة اللغة العربية العالية في فارس في ذلك الوقت ، وتعود هذه المكانة العالية لأمرين: أولهما قدسية اللغة العربية لارتباطها بالقرآن الكريم وثانيهما صفتها العالمية إذ إنها لغة الثقافة في ذلك الزمن حيث بلغت الحضارة الإسلامية أوجها وقفزت قفزات تاريخية تشع نورا إلى العالم في شتى ميادين المعرفة.
 
استدعيت النادل - الذي كان هو نفسه حاتم صاحب المطعم - وسألته عن هذه الأبيات؛ فقادنا الحديث إلى حافظ ومنه إلى العرب والفرس والحضارة الإسلامية والماضي والحاضر. وقد شدني كثيرا ركن في المطعم جعله صاحبه كورقة سقطت من كتاب ألف ليلة وليلة، فقد فرش الركن بسجاد شيرازي بديع، ورتّب فيه أواني نحاسية ومشغولات فارسية رائعة، وتصدر المجلسَ القديم ديوانُ حافظ وقد وُضع بعناية على طاولة حليت بالصدف. تناولت الديوان وقلبت صفحاته؛ فدُهشتُ من تمكن حافظ الشديد في غير موضع من تطويع العربية والفارسية ودمجهما معا في شعره ببراعة بالغة. فقررت مذ ذاك أن أتولى مهمة شاقة وهي ترجمة غزله بغزل، وقد أعانني على هذا الأمر تلميعه غزلياته بالنظم العربي. فأرجو أن لا أكون قد أفسدتُ الغزلية بهذه التجربة وأعتذر لحافظ سلفا عن هذا. وحين زوى غزليته الفارسية بشطرينِ عربيين لم أشأ أن أنثر درره دون نظم يبرز جمالها.
 
وبعد فترة من ترجمة الغزلية استهواني أن أقرأ في الأدب الفارسي فوقعت على ترجمات كثيرة لغزليات حافظ، كان من أجملها ترجمة المرحوم الدكتور إبراهيم أمين الشواربي الذي قام بترجمة ديوان حافظ في كتاب من جزئين أسماه أغاني شيراز. وقد ترجم هذه الغزلية بغزلية منظومة على نفس الوزن والروي، وهي ترجمة في غاية الروعة والجمال تتواضع أمامها ترجمتي كثيرا. ولا غرابة أن يكون الشعر الجميل مادة مغرية للترجمة فيتناولها الشعراء والهواة.
 
الغزل الأصلي
 
الا يا ايها الساقى ادر کاسا و ناولها
که عشق آسان نمود اول ولى افتاد مشکله
 
به بوى نافه اى كاخر صبا زان طره بگشايد
زتاب جعد مشكينش كه خون افتاد در دلها
 
مرا در منزل جانان چه امن عيش چون هر دم
جرس فرياد مى‌ دارد که بربنديد محملها
 
به مى سجاده رنگين کن گرت پير مغان گويد
که سالک بى‌ خبر نبود زراه و رسم منزلها
 
شب تاريک و بيم موج و گردابى چنين هايل
کجا دانند حال ما سبکباران ساحلها
 
همه کارم زخود کامى به بدنامى کشيد آخر
نهان کى ماند آن رازى کزاو سازند محفلها
 
حضورى گرهمى‌ خواهى ازو غايب مشو حافظ
متى ما تلق من تهوى دع الدنيا و اهملها
 
ترجمة الغزل
 
أَلا يَا أَيهَا السَاقِي أَدِر كَأسًا ونَاوِلها
فَمَن تُوقعهُ نَفسٌ في شِرَاكِ العِشقِ يَعذِلْهَا
 
يفُوحُ الطِيبُ من جَعْدٍ بهِ رِيح ُ الصَّبا هَبَّت
وذَابَ المِسكُ في مَوجٍ مَضَى بالمهجَةِ الوَلْهَى
 
وَهَيهَاتَ الهَنا في مَنزِلِ الأحبَابِ والدَاعِي
بِجَرْسٍ صَمَّ أسمَاعِي خُذِ الأمتَاعَ واحمِلْهَا
 
فَلَبِّ الشيخَ قُم لَوِّنْ سَجاجِيدَ التُّقَى بِالرَّا
حِ مَن يَرفَع عَصا التِّرحالِ مهمَا طَالَ يُنزِلْهَا
 
أمَن تَرمِي بِهِ الأموَاجُ في لَيلٍِ بلا بدرٍ
كمَن يُمسِي على الشُّطآنِ قَد ألهَاهُ ما أَلْهَى
 
فلا أجنِي بِعزِّ النفسِ إلا أقذَعَ الذِّكرَى
ولا الأسرَار تُخفِيهَا شِفَاهٌ إن تُنَقِّلْهَا
 
فَإن رُمتَ الحُضورَ اليومَ لا تُغفِلهُ يا حَافِظ
متَى ما تلقَ من تَهوَى دَع الدُّنيَا وأهمِلْهَا
 
 


[1] إبراهيم أمين الشواربي، أغاني شيراز (المجلس الأعلى للثقافة/ القاهرة، ط1 1945م) 1: 1-2.
[2] إدوارد جرانفيل براون، تاريخ الأدب في إيران، إبراهيم أمين الشواربي (المجلس الأعلى للثقافة/ القاهرة، ط1 2005م) 2: 38.
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
لا يوجد تعليقات جدبدة