البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : علم الاجتماع

 موضوع النقاش : خيانة ابن خلدون !!!    قيّم
التقييم :
( من قبل 1 أعضاء )

رأي الوراق :

 زين الدين 
8 - مارس - 2008
الإخوة الكرام ،
تحية طيبة وبعد ...
لا أخفيكم سرا بأني عزمت على مناقشة هذا الموضوع منذ مدة ، وقد عضد هذا العزم نقاش مع أحد الأصدقاء حول مسرحية سعد الله ونوس الشهيرة " منمنات تاريخية ".
وكنت قد رجعت إلى كتاب المستشرق الأمريكي فيشل حول " ابن خلدون وتيمورلنك " فلم يعد أن يكون بالنسبة لي درسا في تحقيق المخطوطات العربية .
ثم إني عثرت على كتاب " رحلة ابن خلدون " التي حققها العلامة الجليل ممد بن تاويت الطنجي في طبعة معاصرة لدار الكتب العلمية ببيروت سنة 2004.
 
وقبل أن أهم في استعراض بعض جوانب هذا الموضوع الشائك ، حدثتني نفسي بالبحث أولا في مجالس الوراق ، علّه قد نوقش من قبل ، سيما في وجود أساتذة أجلاء بيننا ، على رأسهم الدكتور أحمد إيبش ، الذي يلم ّ بالكثير من تاريخ دمشق على الخصوص.
ولم يطل البحث، حتى عثرت فيما عثرت على هذه الجملة للدكتور إيبش في معرض حديثه عن قصّة المملوك الصارم أوزبك كما يأتي :
" وأخيراً.. نعد بنشر نص شديد التشابه مع هذا النص، إنما كانت أحداثه جرت بعد 147 عاماً، عندما أقبلت جحافل الجيش المغولي تحاصر دمشق في عام 803 هـ / 1400 م، وكان قائد المغول الغازي الدموي الرّهيب تيمورلنك..  حينذاك تمّ بظاهر أسوار دمشق لقاء من نوع مشابه للقاء الصارم أوزبك بخان التتار هولاگو.. إنما الفارق أن اللقاء الثاني كان بين تيمورلنك وشخصية يعرفها كل واحد منا تمام المعرفة: إنه ابن خلدون، صاحب المقدّمة الشهيرة والتاريخ المعروف.
فهل لعب ابن خلدون دوراً مشرّفاً كالذي لعبه هذا البطل المجهول البسيط صارم الدين أوزبك؟ وما الذي دار بالضبط من حوار بينه وبين الغازي الرّهيب؟!
هذا ما سنراه في مجلسنا القادم.. مع مفاجآت لا تخطر ببال! "
*****
وأخال الدكتور يشير إلى هذا الموقف ولكن من موقع آخر ، قد يتفضل علينا به .
*****
يقول الدكتور حسين سرمك حسن في مقالة له في جريدة الاتحاد الكردية تحت عنوان " هل تم التستر على خيانة 'ابن خلدون'؟ ما نصه :
" لقد خان "ابن خلدون" ـ هذا المفكر العبقري، صاحب (المقدمة) والفارس الاول في مجال علم الاجتماع ـ خان ابناء جلدته من اهل قلعة (دمشق) مما ادى الى ذبحهم على ايدي التتار وحرق مدينتهم بعد ان كانوا صامدين الى حد دفع عدوهم التتري (تيمور لنك) الى التفكير بعقد هدنة معهم. نعم لقد خان هذا المفكر ابناء قومه وصار عميلا للغازي وبدأ يرسم له الخرائط ويقدم المعلومات التفصيلية عن بلدان المغرب العربي تمهيدا لغزوها. نعم، لقد خان "ابن خلدون"، فلماذا هذا التستر على خيانته؟ "
****
أعتقد أن حياة ابن خلدون ، من خلال سيرته ، أو من خلال ترجمة الآخرين له هي تعبير صادق عن العلاقة الملتبسة بين المعرفي والسياسي ، أو بين الثقافة والامبريالية .
هل كان ابن خلدون سابقا لميكيافيلي ، ليس في علم السياسة فحسب ، بل في الأخذ بمفهوم الواقعية وتبرير الوسائل بالغايات ؟
أسئلة ساخنة أضعها على صحن البحث الهادئ على أمل العودة لها مع أساتذتنا ....
 
زين الدين
 

 
 
 2  3  4  5 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
ليست خيانة..    كن أول من يقيّم
 
تحية لكم أساتذتنا الكرام .
 
سأنضم إلى هيئة الدفاع ولو من باب "انصر أخاك.." فأورد هذه المشاركة ( المقتبسة من موضوع :الفينومينولوجيا وفن
 
التأويل . بقلم : محمد شوقي الزين ) كإضافة وإسناد لما ورد في مداخلة الأستاذ ياسين الشيخ سليمان القيمة .
                                     
                                                    ********************
!!"Herméneutique" (بالإغريقية herméneutikè) تتضمن في اشتقاقها اللغوي كلمة "technè" التي تحيل إلى "الفن" بمعنى الاستعمال التقني لآليات ووسائل لغوية ومنطقية وتصويرية ورمزية واستعارية. وبما أن "الفن" كآلية لا ينفك عن الغائية (téléologie =finalité) فإن الهدف الذي لأجله تجند هذه الوسائل والآليات هو "الكشف" عن حقيقة شيء ما. وتنطبق جملة هذه الوسائل على النصوص قصد تحليلها وتفسيرها وإبراز القيم التي تختزنها والمعايير والغايات التي تحيل إليها. وعليه، تعني "herméneutique" "فن" تأويل وتفسير وترجمة النصوص": "التأويل هو فن"(12) بمعنى طريقة الاشتغال على النصوص بتبيان بنيتها الداخلية والوصفية ووظيفتها المعيارية والمعرفية؛ والبحث عن حقائق مضمرة في النصوص وربما المطموسة لاعتبارات تاريخية وإيديولوجية هو ما يجعل فن التأويل يلتمس البدايات الأولى والمصادر الأصلية لكل تأسيس معرفي وبرهاني وجدلي: "والفهم عندما يعمل لا يلغو فقط، أي لا يقول رموزا، وإنما هو يؤول. أي أنه يبحث عما هو أول في الشيء، عما هو الأس والأصل" نفس الدلالة يمنحها "لسان العرب" لابن منظور: "التأويل المرجع والمصير مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه": نجد في اشتقاقات كلمة "تأويل" الآل بمعنى عمد الشيء الذي يستند عليه والآل بمعنى السراب... والقيمة الدلالية والأنطولوجية التي يمكن أن نمنحها إلى (الآل = السراب) هو أن الأصل الذي تؤول إليه الأشياء والذي يبحث عنه التأويل هو تأسيس متعدد الأوجه أو هو حقل تجوبه جملة العلاقات الاختلافية والاستعارية دون إرجاع الأشياء إلى قيم متعالية أو أصل مطلق، بحيث يصبح المعنى المكتشف مجرد دلالات نسبية وعلاقات وإحالات متبادلة....
 
 
*abdelhafid
13 - مارس - 2008
خاص بالأستاذ ياسين الشيخ سليمان    كن أول من يقيّم
 
تحية طيبة أستاذ ياسين:
يطيب لي في البدء أن أعبر عن عميق إعجابي بأدبكم الرصين وقلمكم الآسر. ثم اسمح لي أن أعطيك كلمة الفصل فيما ظننت: فالدكتور أحمد إيبش ليس كرديا، وإنما هو تركي صميم، وأجداده كانت من كبار عمال بني عثمان، ولكن ظنك يا أستاذ ليس بالغريب، فقد كنت أنا ومعظم أصدقاء الدكتور أحمد نظن أنه من أصول كردية وهو صديقي منذ عام 1984م.. ثم إنه صحح لنا هذه المعلومة بنفسه وأخبرنا أنه تركي الأصل، لا مجال للشك في ذلك.
 وهذا ذكرني والشيء بالشيء يذكر بما يقال عن الشك في أصل صلاح الدين: فالأقرب إلى اليقين حسب ما تواترت به الأخبار أنه كردي من الأكراد الروادية. ولكن ذلك لم يمنع أن يتشكك الملك الأمجد الأيوبي، صاحب الكرك (ت 670هـ) في أن أجداده بني أيوب أكراد، حسب الكتاب الذي نشره باسمه د. صلاح الدين المنجد (1) وتوجد قطعة منه منشورة في الوراق في كتاب نهاية الأرب للنويري (ص3520) وذكر ابن خلكان طرفا من المسألة في وفيات الأعيان (نشرة الوراق: ص 1048) وكل المؤرخين الذين تعرضوا لذكر أصل صلاح الدين مثل ابن الأثير وابن أبي طي وأبي شامة والزبيدي وابن خلكان وابن العديم وابن واصل والمقريزي، فكل هؤلاء بحثوا في هذه المسألة وتوصلوا إلى نتائج مختلفة، لخصها المنجد في مقدمة نشرته للكتاب.
 وأما أنا فكردي الأصل (ولله الحمد) وكنت أتكلم الكردية قبل السابعة من عمري، ولكنني الآن لا أعرف سوى بضع جمل لا تسمن ولا تغني من جوع. وأصل عائلة أمي وأبي من قريتين متجاورتين في ديار بكر هما (كيزين) و(باقر معدن) اللتين ذكرهما الآلوسي في رحلته (نشوة الشمول)
بقي أن ألفت الانتباه إلى أن الملك الأمجد هذا غير الملك الأمجد الأيوبي صاحب بعلبك، الشاعر المشهور (ت 628) واسمه بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب. وممن لقب بالملك الأمجد أيضا: الملك الأمجد تقي الدين ابن الملك العادل، وهو عم والد الملك الأمجد صاحب الكتاب.
______________
(1) الكتاب ليس كتابا في الحقيقة وإنما هو قطعة من مقدمة الملك الأمجد (الحسن بن داود) لكتابه (الفوائد الجلية في الفرائد الناصرية) وهو كتاب جمع فيه رسائل أبيه الملك الناصر داود ابن الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل ابن أيوب، وقدم له بمقدمة افتتحها بذكر نسب الأيوبيين، فاقتطع د. المنجد هذه الصفحات من المقدمة وجعلها كتابا سماه (نسب الأيوبيين) ونشره في سلسلة (رسائل ونصوص) الحلقة (9) دار الكتاب الجديد: بيروت 1978م وختم المنجد كلامه بعدما ساق أقوال العلماء والمؤرخين في الثناء على الملك الأمجد، بقوله: (فمن هذه النصوص نرى أن الملك الأمجد كان عالما أديبا مطلعا، حتى سماه الذهبي "السيد الجليل" لذلك كان نفيه أن يكون بنو أيوب من الأكراد هو القول الفصل، لأنه أدرى بنسبه وأعلم بأسرته)
*زهير
13 - مارس - 2008
تحية إلى أخي الحبيب زهير    كن أول من يقيّم
 
أترى أخي زهير أن موضوعنا الحاضر عن ابن خلدون قد أثار زوابع من النقد؟ هذا كان متوقعاً، فالناس لا يحلو لهم القدح في كبار الأمّة. أنا وإن كنت لم أستعمل تعبير "خيانة" لوصف موقف ابن خلدون العلاّمة الجليل، فما زلت أرى فيه تقاعساً وإيثاراً للذات، وتنصلاً من مسؤولية مناصرة إخوته في الدين والعرق في أضعف الإيمان! وإذا كانت رتبة العلم لا تحمّل صاحبها مسؤوليّة قوميّة ووطنيّة كبرى وحرجة كهذه، فلا يبقى لها مطلق المصداقيّة مع الأسف.
برغم ذلك كله، يبقى علامتنا ابن خلدون في ضمائرنا وقلوبنا علماً عظيماً ونجماً من نجوم نهضتنا العلمية في القرون السالفة، وحسبنا أن نرى مدى تقدير الشعوب بأسرها لعلومه وأسبقيّته في السوسيولوجيا.
ثمّة أشياء كثيرة من هذا القبيل لا يعرفها إخوتنا الناطقين بالضاد، مثال ذلك أن الفلكي البولوني يوهان كوبرنيك لم يكن أبداً أول من اكتشف دوران الأرض حول الشمس، وثمة نصوص مخطوطة ثمينة باللغة التركية تبيّن ذلك في رسوم وأرصاد بديعة تسبق عصر كوبرنيك.
أنا بالمناسبة لست أتعصب للعرق التركي الذي أنتمي إليه، فأنا أولاً وأخيراً مسلم أعيش في بلاد الشام، وأسرتي هاجرت إلى دمشق وبيروت في عام 1200 هـ، وأحب أن أذكر لك يا أخي زهير أن أسرتي جاءت من ديار بكر (آمد) مدينتك الأصلية بالذات، فنحن إذاً أبناء مدينة واحدة. هذا ومدينة ديار بكر مدينة كرديّة بالإجمال شبه المطلق، وكل من عاش بها تربطه بالأكراد أطيب وأوثق الوشائج الأسرية: فجدي وأبي كانا يجيدان الكردية (رغم أنهما ولدا بدمشق)، وجدتي لأبي من آل "شيخو البرازي"، وخالها عمر آغا الملّي، كان فارساً وشاعراً. وأسرتنا قدمت ديار بكر من بورصة في مطلع القرن الحادي عشر الهجري.. أقامت بها إذن فترة ليست بالقصيرة أبداً، والأكراد الكرام أخوالي، أهل شجاعة ونخوة وأخلاق معروفون بذلك ولهم كل احترام. أما العملاق الكبير الناصر صلاح الدين، بطل الأبطال وسيّد الرجال، فله في القلب مكانة لا تعدلها مكانة (إلا اللهم مكانة نور الدين محمود والفاتح محمد خان)، وكنت قد نشرت عنه كتاباً رائعاً، وأذكر أن القلب كان يرتج حميّة وإكباراً لمواقفه البطولية والإنسانية العظيمة. فقمّة الشجاعة والرجولة التي لا يهتز لصاحبها جنان، في قمّة التقى والورع، وقمّة الرأفة والإنسانية بعباد الله، كائنين من كانوا. أقزاماً على أعتابك نقف يا صلاح الدين، وهيهات أن يطاول مجدك أحد.
فحيّا الله العرب والكرد والترك والأمازيغ، لا أرى فيهم جميعاً إلا أهلي وقومي ومبعث فخري على الدّوام.
وتحيتي الأخوية إليك أخي زهير، أنت أكثر من أخ، وسأقول لك بالكردية إذن: "شير شيران نازدكه".
 
سأتابع الآن نشر نص الأمير الأتابك تغري بردي، حول نكبة دمشق.
والكلمة التي أودّ أن أقولها هنا: ما أغضبني في موقف ابن خلدون، هو شناعة ما جرى لدمشق، وبخاصة الفقرة الأخيرة التي تدمي الفؤاد، حول أطفال دمشق الذين ماتوا، والآخرين الذين "سوف يموتون"!
كل شيء قد يستباح إلا الطفولة.. فما ذنب هؤلاء الضعاف المساكين؟
بالطبع لم يكن لعلامتنا ابن خلدون يد في ذلك، وهو حتى لم يكن أبداً يعلم إلام ستؤول إليه الأمور. وكان غادر دمشق قبل أن يدخلها الطاغية الغادر تيمورلنك. وسنرى في النص التالي كيف انطلت خدع تيمورلنك الغادر على ابن مفلح وطائفة كبيرة من الدمشقيين.
أنا من موضعي المتواضع جداً أقول ببراءة ابن خلدون.
فقط شناعة ما جرى تجعل نفس القارئ تشمئز، ولذا قد يقسو في حكمه على الرجل.
رحم الله الجميع، وسامح ابن خلدون، فلم يكن له في ذلك حول ولا طول.
ورحمنا جميعاً معه برحمته الواسعة.
*أحمد
13 - مارس - 2008
التعريف بالأمير تغري بردي الأتابك    كن أول من يقيّم
 
الأمير تَغْرى بَرْدي الأتابك
(توفي 915 هـ / 1412 م)
رحلته وتجريدته الحربية إلى دمشق عام 803 هـ
 
الأمير تَغري بَرْدي مِن([1]) بَشْبُغا، الظاهري، نائب دمشق في أيام السّلطان النّاصر فَرَج 3 مرّات، ووالد المؤرّخ الشهير أبي المحاسن يوسف ابن تَغري بَرْدي صاحب المؤلفات الشهيرة، وأخصّها »النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة«.  ومعنى اسمه بالتركية  Tanrı Verdi  »تانرى([2]) ڤرْدي« (بفتح الفاء): الله أعطى.  كانت لحملته الحربية والاستطلاعية إلى دمشق قبل أسابيع من اجتياح المغول للمدينة أهمية بالغة، خاصة أنه كان شاهد عيان وقد شارك في الأحداث بنفسه كنائب للمدينة إبّان سقوطها وكضابط مقاتل حارب بدمشق.
كان تَغري بَردي مملوكاً رومي الجنس على ما ذكر ابنه المؤرّخ، اشتراه الملك الظاهر بَرْقوق (أول سلاطين المماليك البُرجية الچراكسة)، وأعتقه وقرّبه لذكائه، وتزوّج أخته - وقيل بنت عمّه - (خُونْد شِيرين) فأنجبت له ابنه الأكبر فَرَج الذي صار سلطاناً باسم الملك النّاصر بعمر 11 سنة (والأحداث التالية تجري بعصره)، ومعنى ذلك أن تَغري بَردي كان خال السّلطان الفتى فَرَج، وكان السّلطان يخاطبه: »أطا« (الخال بالتركيّة: ata). 
رفّعه بَرقوق تباعاً إلى أرقى المناصب، فصار مُقدّماً سنة 794 هـ، ثم ولي نيابة حلب سنة 796 هـ، فسار فيها سيرة حَسَنة وأنشأ بها جامعاً وأوقف عليه قرية من عَمَل سَرمين.  ثم صُرف وطُلب إلى مصر، وعندما احتضر السّلطان الظاهر في شوّال عام 801 هـ، اختاره مع مَن اختار لوصاية المملكة بعد وفاته.
وفي أوائل عهد الملك النّاصر فَرَج ثار نائب الشام تَنِم الحَسَني الظاهري عام 802 هـ، وحالفه على الثورة جماعة من قادة الجيش قدموا الشام، منهم الأمير أيْتَمِش البجّاسي ومنهم تَغري بَردي نفسه، فحاربهم النّاصر ومزّقهم (كما طالعنا في نصّ ابن خلدون أعلاه)، وهذه كانت من تتمّات حوادث الثّورة ضدّ أبيه الظاهر بَرْقوق في وقعة الأمير المملوكي مِنْطاش، كما رأينا في نصّ رحلة ابن حجّة الحموي لدمشق عام 791 هـ، ورحلة الظاهر برقوق نفسه إليها عام 796 هـ.
أما تَغري بَردي فقد نُفى إلى القُدس، بعد أن عفا السّلطان عنه (بوساطة أخته خُونْد شيرين أم النّاصر)، وعيّنه في 20 ربيع الثاني سنة 803 هـ نائباً لدمشق، عوضاً عن الأمير سُودون، وذلك إبّان حملته إلى الشام لقتال تيمورلَنك.  وكان الرّجل في حاشية السّلطان بطريقهم للقتال، فاستهلّ منصبه بوضع خطّة جيّدة للدّفاع عن دمشق في وجه المغول، لكن سوء ظنّ الأمراء به - مع الأسف - أفشل مساعيه بأسرها.  ومع ذلك، فقد توجّه بحملته فوراً إلى المدينة قبل وصول السّلطان إليها، وقاد عمليات التحصين وأكّد أن دمشق كان بوسعها الصّمود، لولا انسحاب النّاصر المفاجئ خوفاً على مُلكه، ولولا سوء إدارة الموقف بعد ذلك على يد القاضي ابن مفلح، الذي لا يفقه من أمور الحرب والسّياسة شيئاً، فسلّم دمشق للغزاة لُقمة سائغة!


([1]) هذا من تعابير العهد المملوكي، ويعني أنه كان من مماليك فلان وليس ابنه.
([2]) تانرى بالتركية القديمة اسم الجلالة الله، وكان يكتب بالحرف العربي: تنڭرى.
*أحمد
13 - مارس - 2008
التعريف بالأمير تغري بردي - تتمة    كن أول من يقيّم
 
وفي أعقاب سقوط دمشق بيد تيمورلنك (في 24 جُمادى الأولى 803 هـ)، استعفى تَغري بَردي من نيابتها وعُيّن مكانه آقبُغا الجمالي، فأعاد النّاصر في شعبان تعيينه ثانيةً نائباً عليها.  ثم في المحرّم من عام 804 هـ حاك أمراء مصر مكيدةً للإيقاع به بدمشق، ففرّ إلى دَمِرْداش نائب حلب ووقعت بينهما وبين المصريين وقعات، انتهت في العام التالي برضا السّلطان عليه وتعيينه قائداً للمَيْسَرة قبل خلعه - أي النّاصر - لمدّة شهرين في عام 808 هـ.  ثم أقام بالقدس، وتزوّج النّاصر من ابنته فاطمة، وعاد فاستدعاه ورفّعه أتابكاً للعسكر (أمير سلاح) وهو أرفع مناصب الجيش.  وفي أواخر عام 813 هـ ولاّه نيابة دمشق للمرّة الثالثة، فبقي فيها سنةً ونيّف حتى وفاته، قُبيل وفاة السّلطان عام 815 هـ.
وفي المحرّم من فاتحة سنة 815 هـ توفي الأتابك، وولده يوسف طفل لم يبلغ فطامه (وكان ولد بعد عام 811 هـ)، فربّاه زوج أخت أخرى له، هو قاضي القضاة ناصر الدّين ابن العديم، فلمّا توفي سنة 815 هـ، تولّى تربيته زوجها الثاني قاضي القضاة جلال الدّين البُلقيني.
*  *  *
من خلال النصّ الذي نقدّمه أدناه، نقرأ رواية حيّة لشاهد عَيان، كان حاكماً للمدينة إبّان الأحداث الدّامية التي عصفت بها، لا بل شارك في الأحداث بنفسه، ثم نقل روايته ابنه المؤرّخ يوسف، وهذا من نوادر الاتّفاق.  لكن ليس معنى ذلك أن الابن استقى تفاصيل الرّواية عن أبيه - الذي توفي وابنه لم يجاوز 3 سنين - بل كان سمع بها من آله ومن بعض مماليك أبيه من جهة، ثم نقل غالبية نصّها عن سواه من المؤرّخين، من جهة أخرى.  وأخصّ المؤلّفات التاريخية التي نقل عنها كانت كتاب مؤرّخ مصر الكبير تقي الدّين المقريزي (المتوفى في 845 هـ): »السّلوك لمعرفة دول المُلوك«.
لكن المؤسف من خلال ما يرويه الأتابك والد المؤلّف، أن دمشق كان يمكن بكل تأكيد الدّفاع عنها، بسبب حصانتها وكثرة مؤنها، هذا لولا عقابيل أزمة أيْتَمِش وخشية السّلطان المُراهق على مُلكه بمصر من جهة، وسذاجة القاضي ابن مُفلح من جهة أخرى.  ويلخّص الباحثون أسباب مأساة سقوط دمشق بأيدي المغول في 3 أسباب رئيسية:
1- الاختلاف والتّطاحن، وعدم التأهّب لقتال تيمور.
2- عدم الاستفادة من قوّة سلطان بغداد أحمد بن أويس، وجيشه البالغ سبعة آلاف جندي مدرّب.
3- عدم الاتفاق مع السّلطان العثماني بايزيد خان في قتال تيمور، فلمّا أرسل يعرض التحالف في وجه الخطر المغولي أجاب أمراء مصر: »فليقاتل عن بلاده ونحن نقاتل عن بلادنا«.
يذكر يوسف ابن تَغري بَردي نقلاً عن صديق له من رجال الحكومة، هو أسِنْباي الظاهري الزَّردكاش، أنه وقع أسيراً بيد تيمور فصرّح له الغازي الرّهيب أنه لم يكن يخشى سوى جيشين فقط: جيش المماليك وجيش العثمانيين.  يعلّق ابن تَغري بَردي على هذا القول: »فلو اتّفق هذان الجيشان أمام جيش تيمورلنك لاستطاعا صدّه!«.
*  *  *
هذا وثمّة ثلاثة نصوص لرحلات هامّة جداً إلى دمشق، يكمل أحدها الآخر انتهاءً بنصّنا هذا:  أولها رحلة ابن حجّة الحموي إبّان ثورة مِنْطاش بها عام 791 هـ، وثانيها رحلة السّلطان الظاهر برقوق لنجدة سلطان بغداد أحمد بن أوَيس عام 796 هـ، وثالثها رحلة ابن خلدون في ركاب السّلطان النّاصر فَرَج الذي توجّه إلى الشام لقتال تيمورلَنك عام 803 هـ.  وأما رابعها فهو نصّنا هذا في تفاصيل الحادثة المذكورة، وهي واحدة من 7 تجاريد قام بها إلى الشام حتى مقتله بدمشق عام 815 هـ وسنّه 24 عاماً فقط.
 
المصــادر:
النّجوم الزّاهرة لابن تَغري بَرْدي، 12: 106، 116، 213، 216، 227-245.
النّجوم الزّاهرة لابن تَغري بَرْدي (ترجمة أبيه تَغري بَردي)،  14: 115.
المنهل الصّافي لابن تَغري بَرْدي، ترجمة تَغري بَردي من بَشْبُغا الظاهري.
أنباء الغُمر بأنباء أبناء العُمر لابن حجر، ج 2 في حوادث سنة 803 هـ.
الضوء اللامع للسَّخاوي، 3: 29.
إعلام الورى لابن طولون الصّالحي، 34.
ولاة دمشق في عهد المماليك لمحمد أحمد دهمان، 187.
مؤرّخو مصر الإسلاميّة لمحمد عبد الله عنان، 114.
دائرة المعارف، بإدارة فؤاد أفرام البستاني، 2: 384.
Popper, W.: A History of Egypt, 1382-1469, California, 1909-1933.
*أحمد
13 - مارس - 2008
النص - الفصل الأول    كن أول من يقيّم
 
[غزو المغول لدمشق بقيادة تيمورلنك]
وأما أهل دمشق، فإنه لمّا قدم عليهم الخبر بأخذ حَلَب، نُودي في النّاس بالرّحيل من ظاهرها إلى داخل المدينة، والاستعداد لقتال العدوّ المخذول، فأخذوا في ذلك.  فقدم عليهم المنهزمون من حَمَاة، فعَظُم خوف أهلها وهَمّوا بالجلاء فمُنعوا من ذلك، ونُودي: »مَن سافر نُهِب«، فعاد إليها مَن كان خرج منها.  وحُصِّنت دمشق، ونُصبت المجانيق على قلعة دمشق، ونُصبت المكاحل([1]) على أسوار المدينة، واستعدّوا للقتال استعداداً جيّداً إلى الغاية.
ثم وصلت رُسُل تَيْمور إلى نائب الغيبة بدمشق([2]) ليتسلّموا منه دمشق، فهّمَّ نائب الغيبة بالفرار، فرَدَّه العامّة ردّاً قبيحاً، وصاح النّاس وأجمعوا على الرّحيل عنها، واستغاث النّساء والصّبيان، وخرجت النّساء حاسرات لا يعرفن أين يذهبنَ، حتى نادى نائب الغيبة بالاستعداد.
وقدم الخبر في أثناء ذلك بمجيء السّلطان إلى البلاد الشاميّة، ففَتر عزم النّاس عن الخروج من دمشق ما لم يحضر السّلطان.
وأمّا أمراء الدّيار المصرية فإنّه لمّا كان ثامن عشر شهر ربيع الأول، وهو بعد أخذ تيمور لمدينة حَلَب بسبعة أيام، فُرِّقت الجَماكي على المماليك السّلطانيّة بسبب السّفر.
ثم في عشرينه نُودي على أجناد الحلقة بالقاهرة أن يكونوا في يوم الأربعاء ثاني عشرينه في بيت الأمير يَشْبِك الشّعباني الدَّوادار للعَرض عليه.
*  *  *
ثم في خامس عشرينه وَرَد عليهم الخبر بأخذ تيمور مدينة حَلَب([3])، وأنه يحاصر قلعتها، فكذّبوا ذلك، وأُمسك المُخبر وحُبس حتى يُعاقَب بعد ذلك على افترائه.  ووقع الشّروع في النّفقة، فأخذ كل مملوك ثلاثة آلاف وأربعمائة درهم.  ثم خرج الأمير سُودُون من زادة والأمير إينال حطب على الهُجن في ليلة الأربعاء تاسع عشرينه، لكشف هذا الخبر.
ثم ركب الشيخ سراج الدّين عمر البُلقيني وقضاة القضاة والأمير آقباي الحاجب ونُودي بين أيديهم: »الجهاد في سبيل الله تعالى لعدوّكم الأكبر تيمورلنك، فإنه أخذ البلاد ووصل إلى حلب، وقتّل الأطفال على صدور الأمّهات، وأخرب الدُّور والجوامع والمساجد وجعلها إسطبلات للدَّواب، وأنه قاصدُكم يخرّب بلادكم ويقتّل رجالكم!«.  فاضطربت القاهرة لذلك، واشتدّ جزع النّاس وكثر بكاؤهم وصراخهم، وانطلقت الألسنة بالوَقيعة في أعيان الدّولة.
*  *  *


([1]) مكاحل البارود هي المدافع المتوسّطة الحجم التي يُرمى عنها النّفط، وهي أنواع : فمنها ما يرمي بأسهُم كبيرة تكاد تخرق الحجر، وبعضها يرمي ببندُق من حديد زنته ما بين عشرة أرطال إلى ما يزيد عن مائة رطل.
([2]) يقول نائب الغيبة لأن نائب دمشق سُودون الذي وقع أسيراً في قتاله المغول بحلب، بعد أن صدرت عنه وعن الأمير عزّ الدّين أزْدَمِر شجاعة ونخوة هائلة.
([3]) كان سقوط حلب في يوم السبت 11 ربيع الأول من السنة، أي 803 هـ.  انظر »النّجوم الزّاهرة«، 12: 222.  وأقام تيمورلنك في حلب شهراً واحداً، جرت في خلاله فظائع وأهوال على أهل المدينة المنكوبة، لا تقلّ أبداً عمّا جرى بدمشق.
*أحمد
13 - مارس - 2008
النص - الفصل الثاني    كن أول من يقيّم
 
واستهلّ شهر ربيع الآخر، فلمّا كان ثالثه قدم الأمير أسِنْبُغا الحاجب وأخبر بأخذ تيمور مدينة حلب وقلعتها باتّفاق دَمِرداش، وحكى ما نزل بأهل حلب من البلاء، وأنه قال لنائب الغيبة بدمشق يخلّي بين النّاس وبين الخروج من دمشق، فإن الأمر صعب، ]وإن النائب لم يمكّن أحداً من السَّير[([1]).  فخرج السّلطان الملك النّاصر ]فَرَج[ من يومه من القاهرة، ونزل بالرَّيدانيّة بأمرائه وعساكره ]والخليفة[ والقضاة، وتعيَّن الأمراء تمراز النّاصري أمير مجلس لنيابة الغَيبة بالدّيار المصريّة، وأقام بمصر من الأمراء الأمير جكم من من عوض في عدّة أُخر، وأقام الأمير تمراز يعرض أجناد الحلقة، وفي تحصيل ألف فرس وألف جمل، وإرسال ذلك مع مَن يقع عليه الاختيار من أجناد الحلقة للسَّفر.
ثم رَسَم باستقرار الأمير أرُسْطاي من جُحا على رأس نوبة النُّوَب، كان، في نيابة الإسكندريّة بعد موت نائبها فَرَج الحلبي.  وكان أرُسْطاي منذ أُفرِج عنه بَطّالاً بالإسكندريّة، فوردت عليه الولاية وهو بها، وأخذ الأمير تمراز في عَرض أجناد الحلقة، وتحصيل الخيول والجمال وطلب العُربان من الوجه القبلي والبحري لقتال تَيمور.  كل ذلك والسّلطان بالرَّيدانيّة.
ثم خرج الجاليش في بُكرة يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الآخر، وفيه من أكابر الأمراء مُقدّمي الألوف: الأتابك بَيْبَرس والأمير نَوْرُوز الحافظي رأس نَوبة الأمراء والأمير بَكْتَمِر الرُّكني أمير سلاح وآقباي حاجب الحُجّاب ويَلْبُغا النّاصري وإينال باي بن قجماس، وعدّة أخر من أمراء الطّبلخانات والعشرات.
*  *  *
ثم رحل السّلطان ببقيّة الأمراء والعساكر من الرَّيدانيّة يريد جهة الشام لقتال تيمورلَنك، وسار حتى نزل بغَزّة في يوم عشرين من الشهر، واستدعى بالوالد وآقبُغا الجَمالي الأُطروش نائب حلب كان من القُدس، وأخلع على الوالد باستقراره في نيابة دمشق عوضاً عن سُودون قريب الملك الظاهر برقوق([2])، بحُكم أسره مع تيمُور، وهذه ولاية الوالد على دمشق الأولى.
وخلع على الأمير آقبُغا الجمالي الأُطروش باستقراره في نيابة طرابلس، عوضاً عن شيخ المحمودي بحُكم أسره مع تَيمور أيضاً، وعلى الأمير تَمُربُغا المَنْجَكي باستقراره في نيابة صَفَد عوضاً عن ألْطُنْبُغا العثماني بحُكم أسره، وعلى طُولو من علي باشاه باستقراره في نيابة القُدس، وبعث الجميع إلى ممالكهم.
وأما الوالد فإنه قال للسّلطان والأمراء: عندي رأي أقوله، فيه مصلحة للمسلمين وللسّلطان.  فقيل له: وما هو؟  فقال: الرأي أن السّلطان لا يتحرّك هو وعساكره من مدينة غَزّة، وأنا أتوجّه إلى دمشق وأُحرّض أهلها على القتال، وأُحصّنها، وهي بلدة عظيمة لم تُنْكَب من قديم الزّمان، وبها ما يكفي أهلها من الميرة سنين، وقد داخَل أهلها أيضاً من الخوف ما لا مزيدَ عليه، فهم يقاتلون قتال الموت.  وتيمور لا يقدر على أخذها مني بسرعة، وهو في عسكر كبير إلى الغاية لا يُطيق المَكث بهم بمكان واحد مدّة طويلة، فإمّا أنه يدع دمشق ويتوجّه نحو السّلطان إلى غَزّة، فيتوغّل في البلاد ويصير بين عسكرين - وأظنه لا يفعل ذلك - وإمّا أنه يعود إلى جهة بلاده كالمنهزم من عَدم معرفة عساكره بالبلاد الشّاميّة، وقلّة ما في طريقه من الميرَة لخراب البلاد، ويركب السّلطان بعساكره المصريّة والشاميّة أقفية التّمريّة إلى الفُرات، فيظفر منهم بالغرض وزيادة.
فاستصوب ذلك جميع النّاس، حتى تَيمور عندما بلغه ذلك بعد أخذه دمشق، وما بقي إلا أن يُرسم بذلك، تكلّم بعض جُهّال الأمراء مع بعض في السرّ ممّن عنده كَمينٌ من الوالد من واقعة أيْتَمِش وتَنِم، وقال: تقتلوا رُفقته وتسلّموه الشام؟!  والله ما قصده إلا أن يتوجّه إلى دمشق، ويتّفق مع تَيمور ويعود يقاتلنا، حتى يأخذ منا ثأر رفقته!  وكان نَوْرُوز الحافظي بإزاء الوالد، فلمّا سمع ذلك استحيا أن يُبديه للوالد، فأشار عليه بالسُّكات والكَفّ عن ذلك.
وانفضّ المجلس، وخرج الوالد من الخدمة وأصلح شأنه، وتوجّه إلى دمشق، فوجد الأمير دَمِرداش نائب حلب قد هرب من تَيمور وقدم إلى دمشق، وقد جَفَل أهل دمشق لمّا بلغهم قُرب تَيمور إلى دمشق.  فأخذ الوالد في إصلاح أمر دمشق، فوجد أهلها في غاية الاستعداد، وعَزمُهم قتالُ تَيمور إلى أن يَفنوا جميعاً([3])، فتأسَّف عند ذلك على عدم قبول السّلطان لرأيه، ولم يَسَعْه إلا السُّكات.
*  *  *


([1]) زيادة من السُّلوك للمَقريزي.
([2]) كانت جدّة سُودون لأمه أخت السّلطان الظاهر برقوق.  النجوم الزّاهرة، 13: 20.
([3]) ليتهم كانوا فعلوا ذلك، ولم يُلقوا بالاً إلى ابن مفلح وجهالاته!
*أحمد
13 - مارس - 2008
النص - الفصل الثالث    كن أول من يقيّم
 
ثم رحل جاليش السّلطان من غَزّة في رابع عشرين شهر ربيع الآخر، ثم رحل السّلطان ببقيّة عسكره من غَزّة في سادس عشرينه، وسار الجميع حتى وافوا دمشق. 
وكان دخول السّلطان دمشق في يوم الخميس سادس جُمادى الأولى،  وكان لدخوله يومٌ مَهول من كثرة صُراخ النّاس وبُكائهم والابتهال إلى الله بنُصرته.  وطلع السّلطان إلى قلعة دمشق، وأقام بها إلى يوم السبت ثامنه، فنزل من قلعة دمشق وخرج بعساكره إلى مُخَيّمه عند قبّة يَلْبُغا ظاهر دمشق، وتهيّأ للقاء تَيمور هو بعساكره، وقد قصَّرت المماليك الظاهريّة أرماحهم حتى يتمكّنوا من طعن التّمريّة أولاً بأوّل، لازدرائهم عساكر تَيمور([1]).
فلمّا كان وقت الظهر من اليوم المذكور، وصل جاليش تيمور من جهة جبل الثّلج([2]) في نحو الألف فارس، فبرز إليهم مائة فارس من عسكر السّلطان وصدموهم صدمة واحدة، بَدّدوا شملهم وكسروهم أقبح كَسرة، وقتلوا منهم جماعة كبيرة وعادوا.
ثم حضر إلى طاعة السّلطان جماعةٌ من التّمريّة، وأخبروا بنزول تيمور على البقاع العَزيزي، »فلتكونوا على حَذَر، فإن تَيمور كثير الحِيَل والمَكر«، فاحترز القوم منه غاية الاحتراز.
ثم قدم على السّلطان خمسة أمراء من أمراء طرابلس بكتاب أسِنْدَمِر نائب الغَيبة بطرابلُس، يتضمّن أن الأمير أحمد بن رمضان أمير التّركمان هو وابن صاحب الباز وأولاد شهري اتّفقوا وساروا إلى حلب وأخذوها من التّمريّة، وقتلوا من أصحاب تَيمور زيادة على ثلاثة آلاف فارس، وأن تيمور بعث عسكراً إلى طرابلُس، فثار بهم أهل القُرى وقتلوهم عن آخرهم بالحجارة لدخولهم بين جبلين، وأنه قد حضر من عسكر تيمور خمسة نفر وأخبروا بأن نصف عسكر تَيمور على نيّة المسير إلى طاعة السّلطان.
وكان ذلك من مكايد تَيمور، ثم قال: وإن صاحب قُبْرُص وصاحب الماغُوصَة([3]) وغيرهم وَرَدتْ كُتبهم بانتظار الإذن لهم في تجهيز المراكب في البحر لقتال تَيمور مُعاونةً للسّلطان.  فلم يلتفت أحدٌ لهذا الكتاب، وداموا على ما هم فيه من اختلاف الكلمة.
ثم في يوم السبت نزل تَيمور بعساكره على قَطَنا، فملأت عساكره الأرض كثرةً، وركب طائفةٌ منهم لكشف الخبر، فوجدوا السّلطان والأمراء قد تهيّئوا للقتال وصُفَّت العساكر السّلطانيّة.  فبرز إليهم التّمريّة وصدموهم صدمة هائلة، وثَبَت كلّ من العسكرين ساعة، فكانت بينهم وقعةٌ انكسر فيها ميسرةُ السّلطان، وانهزم العسكر الغزّاوي وغيرهم إلى ناحية حَوران، وجُرح جماعة.  وحَمَل تَيمور بنفسه حملةً شديدة ليأخذ فيها دمشق، فدفعته ميمنة السّلطان بأسنان الرّماح حتى أعادوه إلى موقفه.
ونزل كلٌّ من العسكرين بمُعسكره، وبعث تَيمور إلى السّلطان في طلب الصُّلح وإرسال أطلمش أحد أصحابه إليه، وأنه هو أيضاً يبعث مَن عنده من الأمراء المقبوض عليهم في وقعة حلب.  فأشار الوالد ودَمِرْداش وقُطْلوبُغا الكَرَكي في قبول ذلك لما يعرفوا من اختلاف كلمتهم، لا لضعف عسكرهم، فلم يقبلوا وأبوا إلا القتال.
ثم أرسل تَيمور رسولاً آخر في طلب الصُّلح، وكرّر القول ثانياً، وظهر للأمراء ولجميع العساكر صُدق مقالته، وأن ذلك على حقيقته، فأبى الأمراء ذلك، هذا والقتال مستمرّ بين الفريقين في كلّ يوم.
*  *  *


([1]) كان الجيش المملوكي في القرون الوسطى من أقوى جيوش العالم، من حيث تدريبه وإتقان ضباطه وعساكره لفنون القتال والفروسية، وبخاصة كتائب المماليك السّلطانية، الذين سحقوا لويس التاسع في المنصورة 648 هـ، وكتبُغا نوين في عين جالوت 658 هـ، وإليهم يعود الفضل في طرد التَّتار والصليبيين من الشام ومصر نهائياً.
([2]) جبل الثّلج كما يسمّيه جغرافيو العصر هو المعروف في أيامنا بجبل الشيخ أو الحرمون.
([3]) الماغُوصَة بقُبرُص هي حالياً مدينة فاماغوستا Famagusta، وبالتركية: Gazimagusa.
*أحمد
13 - مارس - 2008
النص - الفصل الرابع    كن أول من يقيّم
 
فلمّا كان ثاني عشر جُمادى ]الأولى[، اختفى من أمراء مصر والمماليك السّلطانيّة جماعة، منهم الأمير سُودون الطيّار، وقاني باي العلائي رأس نوبة، وجمق، ومن الخاصكيّة يَشْبِك العُثماني وقُمُش الحافظي وبَرْسْبُغا الدّوادار وطَرَباي في جماعة أُخر.  فوقع الاختلاف عند ذلك بين الأمراء، وعادوا إلى ما كانوا عليه من التّشاحُن في الوظائف والإقطاعات والتحكّم في الدّولة، وتركوا أمر تَيمور كأنه لم يكن، وأخذوا في الكلام فيما بينهم بسبب مَن اختفى من الأمراء وغيرهم.
هذا وتَيمور في غاية الاجتهاد في أخذ دمشق وفي عمل الحيلة في ذلك.
ثم أُعلم بما الأمراء فيه، فقَوّى أمره واجتهاده، بعد أن كان عَزَم على الرّحيل واستعدّ لذلك.
ثم أُشيع بدمشق أن الأمراء الذين اختفوا توجّهوا جميعاً ليسلطنوا الشيخ لاجين الجركسي أحد الأجناد البرّانيّة، فعَظُم ذلك على مُدبّري المملكة لعدم رأيهم، وكان ذلك عندهم أهمّ من أمر تيمور، واتفقوا فيما بينهم على أخذ السّلطان الملك النّاصر جريدةً، وعَوْده إلى الدّيار المصريّة في الليل، ولم يُعلموا بذلك إلا جماعة يسيرة.  ولم يكن أمر لاجين يستحقّ ذلك، بل كان تمراز نائب الغيبة بمصر يكفي السّلطان أمرهم، {ولَكِن ليقضيَ اللهُ أمراً كانَ مَفعُولاً}.
فلمّا كان آخر ليلة الجمعة حادي عشرين جُمادى الأولى، ركب الأمراء وأخذوا السّلطان الملك النّاصر فَرَج على حين غَفلة، وساروا به من غير أن يعلم العسكر به من على عَقَبة دُمَّر يريدون به الدّيار المصريّة، وتركوا العساكر والرّعيّة من المسلمين غَنَماً بلا راعٍ، وجَدّوا في السير ليلاً ونهاراً حتى وصلوا إلى مدينة صَفَد، فاستدعوا نائبها الأمير تَمِربُغا المَنْجَكي وأخذوه معهم ]إلى غَزّة[([1])، وتلاحق بهم كثير من أرباب الدّولة وأمرائها، وسار الجميع حتى أدركوا الأمراء الذين ساروا إلى مصر - عليهم من الله ما يستحقّوه - بمدينة غَزّة، فكلّموهم فيما فعلوه، فاعتذروا بعُذر غير مقبول في الدّنيا والآخرة.  فندم عند ذلك الأمراء على الخروج من دمشق حيثُ لا ينفع النّدم، وقد تركوا دمشق أُكلةً لتَيمور، وكانت يوم ذاك أحسن مُدُن الدّنيا وأعمرها.
وأمّا بقيّة أمراء مصر وأعيانها من القضاة وغيرهم لمّا علموا بخروج السّلطان من دمشق، خرجوا في الحال في إثره طوائف طوائف يريدون اللّحاق بالسّلطان، فأخذ غالبهم العشير وسلبوهم، وقتلوا منهم خَلقاً كثيراً.
أخبرني غير واحد من المماليك الظاهرية قالوا: لمّا بلغنا خروج السّلطان ركبنا في الحال، غير أنه لم يُعقنا عن اللّحاق به إلا كثرة السّلاح المُلقى على الأرض بالطريق، ممّا رمتها المماليك السّلطانيّة ليخفّ ذلك عن خيولهم، فمّن كان فَرَسه ناهضاً خرج، وإلا لحقه أصحاب تَيمور وأسروه، فممّن أسروه قاضي القضاة صَدر الدّين المُناوي، ومات في الأسر حسبما يأتي ذكره في الوفيّات([2]).  وتتابع دخول المنقطعين من المماليك السّلطانيّة وغيرهم إلى القاهرة في أسوأ حال من المشي والعُري والجوع، فرَسَم السّلطان لكلّ من المماليك السّلطانيّة المذكورين بألف درهم وجامكيّة شهرين.
وأمّا الأمراء فإنهم دخلوا إلى مصر وليس مع كلّ أمير سوى مملوك أو مملوكين، وقد تركوا أموالهم وخيولهم وأطلابهم وسائر ما معهم بدمشق.  فإنهم خرجوا من دمشق بغتةً بغير مُواعَدة لمّا بلغهم توجّه السّلطان من دمشق، وأخذ كلّ واحد ينجو بنفسه.  وأمّا العساكر الذين خُلّفوا بدمشق من أهل دمشق وغيرها، فإنه كان اجتمع بها خلائق كثيرة من الحلبيين والحمويين والحمصيين وأهل القُرى ممّن خرج جافلاً من تَيمور.
*  *  *


([1]) زيادة من السّلوك للمقريزي.
([2]) انظر النّجوم الزّاهرة، 13: 25.  وذكر المقريزي في »السّلوك« بعد هذه الجملة: »وكان قاضي القضاة ولي الدّين عبد الرّحمن بن خلدون المالكي بداخل مدينة دمشق، فلمّا علم بتوجّه السّلطان تدلّى من سُور دمشق وسار إلى تَيمورلنك، فأكرمه وأجلَّه وأنزله عنده.  ثم أذن له في المسير إلى مصر، فسار إليها«، إلخ.
     قلنا: راجع قصّة ابن خلدون ولقائه بتيمورلنك على أبواب دمشق فيما تقدّم أعلاه.  كما يذكر المؤرّخ الدّمشقي ابن عَرَبْشاه في كتابه »عجائب المقدور في نوائب تيمور« رواية مهمّة عن تملّق ابن خلدون للغازي تيمورلنك ومديحه الباهر له فوق كل وصف، بخطبة عصماء ارتجّ لها مجلسه!
*أحمد
13 - مارس - 2008
النص - الفصل الخامس    كن أول من يقيّم
 
ولمّا أصبحوا يوم الجمعة وقد فقدوا السّلطان والأمراء والنائب، غلّقوا أبواب دمشق، وركبوا أسوار البلد، ونادوا بالجهاد.  فتهيّأ أهل دمشق للقتال، وزحف عليهم تَيمور بعساكره([1])، فقاتله الدمشقيون من أعلى السّور أشدّ قتال، ورَدّوهم عن السّور والخندق، وأسروا منهم جماعةً ممّن كان اقتحم باب دمشق، وأخذوا من خيولهم عدّة كبيرة، وقتلوا منهم نحو الألف، وأدخلوا رؤوسهم إلى المدينة([2]).  وصار أمرهم في زيادة، فأعيا تيمورَ أمرُهم وعلم أن الأمر يطول عليه، فأخذ في مُخادعتهم، وعمل الحيلة في أخذ دمشق منهم.
*  *  *
وبينما أهل دمشق في أشدّ ما يكون من القتال والاجتهاد في تحصين بلدهم، قدم عليهم رجلان من أصحاب تيمور من تحت السّور، وصاحا من بُعد: »الأمير يريد الصُّلح، فابعثوا رجلاً عاقلاً حتى يحدّثه الأمير في ذلك«.
قلتُ: هذا الذي كان أشار إليه الوالد عند استقراره في نيابة دمشق وقوله: إن أهل دمشق عندهم قوّة لدفع تيمور عن دمشق، وأن دمشق بلد كثيرة الميرة والرّزق، وهي في الغاية من التّحصين، وأنه يتوجّه إليها ويقاتل بها تيمور، فلم يسمع له أحد في ذلك.  فلعَمري لو رأى مَن لا أعجَبه كلام الوالد قتال أهل دمشق الآن وشدّة بأسهم وهم بغير نائب ولا مُدبّر لأمرهم، فكيف ذاك لو كان عندهم متولّي أمرهم بمماليكه وأمراء دمشق وعساكرها بمن انضاف إليهم؟  لَكان يحقّ له النَّدم والاعتراف بالتّقصير.  انتهى.
ولمّا سمع أهل دمشق كلام أصحاب تيمور في الصُّلح، وقع اختيارهم في إرسال قاضي القضاة تقي الدّين إبراهيم بن ]محمد بن[([3]) مُفلح الحنبلي، فأُرخي من سُور دمشق إلى الأرض، وتوجّه إلى تيمور واجتمع به وعاد إلى دمشق، وقد خدعه تيمور بتنميق كلامه، وتلطّف معه في القول وترفّق له في الكلام، وقال له: »هذه بلدة الأنبياء والصّحابة، وقد أعتَقتُها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، صَدَقةً عني وعن أولادي، ولولا حنقي من سُودُون نائب دمشق عند قتله لرسولي ما أتيتُها.  وقد صار سُودون المذكور في قبضتي وفي أسري، وقد كان الغرض من مجيئي إلى هنا، ولم يبق لي الآن غرضٌ إلا العَود، ولكن لا بُدّ من أخذ عادتي من التَّقدمة من الطُّقُزات«.
وكانت هذه عادته إذا أخذ مدينة صُلحاً يُخرج إليه ]أهلُها[([4]) من كل نوع من أنواع المأكول والمشروب والدّواب والملابس والتُّحَف تسعةً، يسمّون ذلك طُقُزات، والطُّقُز باللغة التّركيّة: تسعة([5])، وهذه عادة ملوك التَّتار إلى يومنا هذا.
فلمّا صار ابن مُفلح بدمشق، شرع يخذّل النّاس عن القتال ويُثني على تيمور ودِينه وحُسن اعتقاده ثناءً عظيماً، ويكفّ أهل دمشق عن قتاله.  فمال معه طائفة من النّاس، وخالفته طائفةٌ أخرى وأبوا إلا قتاله، وباتُوا ليلة السبت على ذلك، وأصبحوا نهار السبت وقد غلب رأي ابن مُفلح على مَن خالَفَه، وعَزَم على إتمام الصُّلح، ونادى في النّاس: إنه »مَن خالَف ذلك قُتل وهُدر دمُه«.  فكفّ النّاس عن القتال([6]).
وفي الحال قدم رسول تيمور إلى مدينة دمشق في طلب الطُّقُزات المذكورة، فبادر ابن مُفلح واستدعى من القضاة والفقهاء والأعيان والتّجار حَمْلَ ذلك كلّ أحد بحسب حاله، فشرعوا في ذلك حتى كمل، وساروا به إلى باب النّصر ليخرجوا به إلى تيمور، فمنعهم نائب قلعة دمشق من ذلك([7])، وهدّدهم بحريق المدينة عليهم إن فعلوا ذلك، فلم يلتفتوا إلى قوله، وقالوا له: »أنت احكُم على قلعتك، ونحنُ نحكم على بلدنا« ([8]).


([1]) بين يدينا نصّ نادر جداً يصف رحلة جندي ألماني باڤاري من المرتزقة اسمه يوهان شِلتبِرگر Johann Schiltberger، حارب في صفوف جيش المغول على أبواب دمشق.  وفيه يخبر عن أحوال الواقعة بوصف حي..
([2]) كانت العادة بذلك العصر عرض رؤوس القتلى من الأعداء، رفعاً لمعنويات الجند وباقي النّاس.  أما تيمورلنك فكان يقيم أبراجاً من رؤوس القتلى، يروي ابن تَغري بردي في نجومه الزّاهرة (12: 225) عن حلب: »وعمل تيمور من رؤوس المسلمين منائر عدّة مرتفعة من الأرض نحو عشرة أذرع في دَور عشرين ذراعاً، حُسب ما فيها من رءوس بني آدم فكان زيادةً على عشرين ألف رأس، ولمّا بُنيت جُعلت الوجوه بارزةً يراها مَن يمرُّ بها«.  قلنا: وبدمشق إلى اليوم شمالي باب توما محلّة تُعرف بـ »بُرج الرُّوس«!
([3]) زيادة من السّلوك للمقريزي.
([4]) زيادة من السّلوك للمقريزي.
([5]) في التّركية: dokuz.
([6]) يا له من ساذَج غرّ مستحقّ للشّفقة.  وواهاً لدمشق المفجوعة ابتُليت بطاغية مجرم (تيمورلنك) وسلطان عمره 13 (فَرَج) ومسؤولي دولة جشعين (أمراء مصر) وقاض غرّ (ابن مُفلح) وموفد أناني وجبان (ابن خلدون).  وحدهم أبطال الجهاد ممّن حاربوا الغزاة لهم يبقى الفخر والشّرف، ولغيرهم الخزي والعار.
([7]) هذا والله من الرّجال المعدودين، وسنرى أدناه ما سيبدر من بطولته.  يذكر ابن عَرَبشاه في كتابه »عجائب المقدور« أن اسمه »أزدار«، ويبدو أنه مصحّف عن: أُزْدَمِر  Özdemir، ويذكر أن من أمثل مُقاتلة القلعة شهاب الدّين الزَّردكاش الدمشقي وشهاب الدّين أحمد الزَّردكاش الحلبي.  وقام تيمور بتعذيب الشهاب الدّمشقي وهو في سن 90 عاماً!
([8]) وأيّ رجال والله!!  تعوّدنا دوماً من طبقة التّجارة والمصالح الجنوح دوماً إلى الدّعة والمسالمة (كلمتان ملطّفتان بدلاً من: الخوف والجُبن)، أمّا الرّجولة والقتال والجهاد والتفاخر بحمل السّلاح فهي في نظرهم شيء من مظاهر »الزّعرنة«.
*أحمد
13 - مارس - 2008
 2  3  4  5