البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الأدب العربي

 موضوع النقاش : محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 1    كن أول من يقيّم
 د يحيى 
15 - فبراير - 2008
 
المحاضرات في اللغة والأدب
اليوسي
أجل آثار اليوسي التي تنيف على أربعين أثراً أدبياً ما بين رسالة وكتاب. وهي في كثير من فصولها أشبه بالرحلة، سجل فيها اليوسي تنقلاته ومشاهداته في بلاد المصامدة عام 1095هـ الموافق 1684م قال الشيخ عبد الحي الكتاني: (وكتابه المحاضرات عجيب في بابه، غريب في ترتيبه وأسلوبه، وكأنه في ترجمة نفسه، ألفه بسبب ما كان وقع بينه وبين عبد الرحمن بن عبد القادر الفارسي رحمهم الله لما افتتح التفسير بالقرويين)
 
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل من سماء رحمته غيثاً نافعاً، فأنبت به في قلوب عباده زهراً ناضراً وثمراً يانعاً.
زهر من العلم والعرفان مـؤتـلـق            في الطرس والنفس يستهدي بألـوان
وثمر يجـتـنـيه الأذكـياء بـتـش              مير ولا يجتنيه الـفـدم والـوانـي
للـه در كـرام فـاو فـائزهـــم          قدْماً بحلب درور منـه مـلْـبـان
وبابتنـاء مـبـان مـنـه سـامـية               لا يبتني مثلها في دهره الـبـانـي
هذا هو المجد في الدارين والشرف ال              محض الذي ما به في فضـل ثـان
"فاعكف عليه" مع الآناء مـعـتـنـياً         ولا يكن لك عن تـطـلابـه ثـان
واعلم بأنك لن تحظى بـصـهْـوتـه           حتى تجوز المدى في كـل مـيدان
ما لم تسنح علـيه كـلـمـا شـجـر             يرجى الجني منه أرضي وعَبْـدان
وتبذل النفس بعد المـال مـطـرحـاً           لكـل تـرفـيه أرواح وأبـــدان
وتغتـرب بـرهة فـي كـل آلـفة                من ذات قربى وأوطـان وإخـوان
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ينبوع الأحكام والحكم، ومجموع شيم الفضائل وفضائل الشيم، وعلى آله ذوي المجد والكرم، وصحبه بحور العلوم ونجوم الظلم.
أما بعد، فإن الدهر أبو العجائب، وينبوع الغرائب، وفي المثل: الدهر حبلى لا يدري ما تلد، وقال الشاعر:
والليالي كما علمت حبالى            مقْرِبات يلدن كل عجيبه
 وقال طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً              ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وإن للعاقل على مرور الجديدين علماً جديداً حيث انتهى فهمه كما له عيش حيث تهدي ساقه قدمه وكنت قلت في نحو ذلك:
أراني حـيثـمـا أخـطُ           أجد ما لـم أجـد قـطُّ
وإن الدهر حبلـى كُـلّ         ما حين لـه سـقـط
لقد سـايرتـه طـفـلاً           إلى أن مسنـي وخـط
فلـم ينـفـك يشـتــد             على المرء ويشـتـط
ولم يأل إذا استـعـلـى         يوم الهون أو يسـطـو
له فـي كـل إذن مـن           بنـي أبـنـائه قـرط
وفـي كـل قـذال وس          مة بالنـار أو شـرط
وقد يحنـو ويسـتـأنـي        وقد يحبو لمن يعطـو
سمـاء ديمة تـأتـــي           بزهر زهرها رُقـط
فحمـر ومـصـفـر              وموفـور ومُـنْـقَـطُّ
ومـجـدود ومـحـروم          ومستعمل ومـنـحـط
ومـنـقـاد ومـعـوج            وكز الخلق أو سـبـط
قضاء مـبـرم مـمـن           إليه الحـل والـربـط
إلـهٌ أمـره الأمـــر             ومنه الرفع والـحـط
ومنه اليسر والـعـسـر                ومنه القبض والبسـط
له فـي كـلِّ مــا يومٍ           شؤون منه تـخـتـط
وذو الفهـم لـه عـلـم          جديد حيثمـا يخـطـو
ففكر واعتبـر تـعـلـم          علوماً دونها الضـبـط
وتدرك غير ما في الصح             ف يوماً خلد الـخـط
وسلم وأرض بالمـقـدو               ر لا يذهب بك السخط
ولا تبرم إذا الـمـولـى        يشدّ الحبل أو يمـطـو
فما ترجو من الرضـوا               ن أنْ تَرْضَى له شرط
 4  5  6 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه53    كن أول من يقيّم
 
لله الأمر من قبل ومن بعد
شيخ الدلاء
عند عبد الله بن حسون في سلا
 
وحدث عنه أيضاً قال: قدمت على الوالي الصالح سيدي عبد الله بن حسون دفين سلا، فقعدت إلى جنبه وقد مد رجليه، والأعراب يتساقطون عليه يقبلون يديه ورجليه، قال: فخطر ببالي أنه كيف أطلق هذا الرجل نفسه للناس هكذا؟ فلم يتم الخاطر إلاّ وقد قال: أيها الناس، رجل قيل له من مس لحمك لم تمسه النار، أو لم تأكله النار، أو نحو هذا فيبخل بلحمه على المسلمين؟ قال: فلما سمع كلامه وعلمت أنه خاطري تكلم تبت إلى الله تعالى في نفسي، فجعلت إذا مد إليه أحد كاغدا وكان يكتب الحروز، تلقفته من يده، وناولته الشيخ وقبلت يده، "فإذا كتبته أخذته منه وقبلت يده"، فيحصل لي في كل حرز تقبيلتان، قال: ورأيت عنده أموراً أشكلت علي: منها أنه يؤتى بالثياب هدية وصدقة فيأمر بها فترمى في بيت وتبقى كذلك يأكلها السوس.
ومنها أنه كل يوم يصبح عليه أهل الآلات فيضربون عليه.
قلت: أما الثياب فالذي يظهر في أمرها أنه إما غيبة حصلت للشيخ عنها، وليس ذلك بمستنكر في أمثاله من المستهترين في ذكره، وإما خارج مخرج القلنسوة التي رمى بها الإمام الشبلي في النار، ومائة الدينار التي رمى بها في دجلة. وتأويل ذلك معروف عند أهل الطريق لا نطيل به.
"وأما أمر الآلات فإما أنه كان يستنكر من تلك الأصوات أسراراً ومعاني"، ونظيره ما حكى الإمام أبو بكر بن العربي في سراج المريدين عن الشيخ أبي الفضل الجوهري أنه بات بجواره ذات ليلة أصحاب الآلات فشغلوه عن ورده بما هم عليه من لهوهم وباطلهم، فلما أصبح وجلس في مجلسه قال: إنه بات بجوارنا البارحة قوم ملئوا مسامعنا علماً وحكمة، قال أولهم: لي لي لي، فقال الآخر لي ولك لي ولك، فقال الآخر كذا، ومثل ذلك بمتناظرين، وجعل يقرر ذلك حتى قضى المجلس كله بأنواع من الحكم واللطائف والأسرار، وهذا من أعجب ما يتحف الله به أولياءه، فقد غيّبَهُ الله عن صورتها الباطلة وأشهده سره الباطن فيها.
وفي كل شيء له آية         تدل على أنه واحد
وإما أن ذلك يوافق حالة له جمالية تحصر في الوقت، ومن هذا المنبع يقع الطرب وما يشهد من حالات أهل الوجد.
وإما أنه يكون قطباً فتناسبه النوبة الملوكية.
وقل لملوك الأرض تجهد جهدها             فذا المُلْكُ ملْكٌ لا يباع ولا يهدى
لله الأمر من قبل ومن بعد
محمد الشرقي شيخ تادلا
ونحو هذا ما يحكى عن سيدي محمد الشرقي التادلاوي وأنه لما وقع له الظهور بعث إليه السلطان أحمد المنصور نفراً من خواصه يختبرون أمره، فأضمر كل واحد منهم حاجة، فأحدهم قال: تركت جارية لي مريضة وأريد أن يخبرني بأمرها، وقال الآخر: أشتهي خبزاً خالصاً ودلاعة وذلك في غير مكان وغير إبان، فلما انتهوا إليه خرج إليهم في لباس رفيع فقال بعضهم: هذا لباس الملوك فكيف يكون هذا ولياً؟ فلما استقر المجلس بهم قال للمتكلم: أنا قطب وقتي، وهذا هو اللباس اللائق بي أو نحو هذا، وأخبر الآخر عن جاريته وأنها عوفيت، وكان رجل قد خبأ له دلاعة من الصيف، فأتاه بها ذلك اليوم، واستحضر خبزاً على الوصف فقال للمشتهي: تطلبت ما لا يكون فها هو ذا قد جاء الله به.
وحدث أيضاً أن بعض الناس ممن كان مملقاً دوام حياته ذهب إلى سيدي محمد الشرقي المذكور فاشتكى إليه الفقر فقال له: اذهب فقد رفع الله عنك الفقر، قال: فذكر ذلك للوالد رحمه الله يعني سيدي محمد ابن أبي بكر. فقال: كلام الشيخ لا مطعن فيه، ولكن يا عجباً أين يذهب الفقر عن فلان؟ فهذا لا بد له من مخرج، قال فلم يلبث ذلك الرجل أن مات عاجلاً، فكان ذلك هو ارتفاع الفقر عنه واستراحته منه.
قلت: ومن معنى هذه ما حدثوا عن بعض الصلحاء مراكش القرباء العهد أنه جاءه إنسان فقال له: يا سيدي إن الصلاة تثقل علي، فعسى أن ترفعها عني فقال له "على الفور" "قم" قد رفعها الله عنك، فلم يقم إلاّ مجنوناً خارجاً عن التكليف، والله على كل شيء قدير.
وقد شهدت أنا بعض الناس ممن كان ذا رياسة ودنيا فنكب وذهب ماله كتب معي كتاباً إلى أستاذنا الإمام ابن ناصر رضي الله عنه يشكو عليه بما نابه وما تخوف من العيلة والضيعة، فأجابه الأستاذ بكتاب وفيه: فلا تخشى الفقر، فاتفق أن مات ذلك الرجل عن قريب، فكان ذلك راحته مما خاف.
*د يحيى
17 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه 54    كن أول من يقيّم
 
لله الأمر من قبل ومن بعد
القاف المعقودة
  حدثني الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد بن المرابط الدلائي قال: كنت مع والدي رحمه الله، وأظنه قال في درب الحجاز نزولاً، فإذا بعجوز أعرابية مرت بنا وقد رفعت عقيرتها وهي تقول:
حج الحجيج وناقتي معكـولة         يا رب يا مولاي حل عكالها
بقاف معقودة على ما هو لغة العرب اليوم، قال: فقام أبي يهرول وراءها عجباً بما سمع من كلام العرب في غير زمانه.
والظاهر أنها أرادت بالناقة نفسها، وأنها لم تنشرح لهذا الأمر، أو أرادت تمثيل حالها في عدم التحرك بحال الناقة المعقولة أو حال من ناقة معقولة.
ومثل هذه اللغة ما حدثني الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الجزائري قال: حج بعض الأشراف فلما وقف على الروضة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام قال:
إن كيل زرتم بما رجعتم به          يا أكرم الرسل ما نكولُ؟
بالقاف المعقودة، فسمع من الروضة بتلك اللغة:
كولوا رجعنا بكـلّ خـير               واجتمع الفرع والأصول
لله الأمر من قبل ومن بعد
الكسكسون والتداوي بالشيء المعتاد
وجدت في بعض التقاييد لبعضهم ما معناه: لو رأى أرسطو قدر البرنس في اللباس، والكسكسون في الطعام، والحلق بالموسى، لاعترف للبربر بحكمة التدبير الدنيوي وأن لهم قصب السبق في ذلك، انتهى.
وقد كتب الكسكسون بالنون على ما وجدته مكتوباً خلاف ما ينطق به الناس، وبالنون، حدثنا الرئيس الأجلّ أبو عبد الله محمد الحاج المتقدم الذكر قال: ذهب رجلان فاضلان من بلاد المغرب، وأظنه قال: أخوان، فدخلا بلاد الشام، فمرض أحدهما وطال به المرض حتى يئسوا منه، فرأى الآخر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أطعموه الكسكسون بهذه العبارة، قال: فاستصنعوه له فأكله فبرئ، وهذا إما خصوصية لهذا الطعام، أو بذكره صلى الله عليه وسلم، فيثبت له الشرف، ويستدرك بذلك ما قلته من كونه لم يأكله صلى الله عليه وسلم في حياته، وإما من باب ما تقرر من أن دواء الجسم عادته.
قد دخلنا مدينة فاس -حرسها الله- عام تسع وسبعين وألف فأصابني إسهال مفرط، وطال "بي" وكان الطبيب بعثني بأمري، فلم يترك دواء يستحسنه إلاّ صنعه لي، فلما لم يفد ذلك أرسل في غيبة مني إلى عمالي يقول لهم: انظروا إن كان "ثم" من الطعام ما يعتاده في بلده فأطعموه، فذكروا الأقط واصطنعوا عليه طعاماً فأكلته فعافاني الله تعالى.
وقد أصابني مرة أخرى ذلك فدخلت على السلطان رشيد ابن الشريف، وكان يكرمني ويجلني، فرأى تغيراً في وجهي، فسألني فأخبرته فقال: وماذا صنعت من علاج؟ فقلت له: إن الطبيب يصنع لي شراب الريحان، فتضاحك ثم قال: سبحان الله! ما لنا ولشرب الريحان؟ وأين عهدناه؟ خذ سويق الشعير واخلطه بالماء فذلك دواؤه، ثم ضحك فقال: هذه مثل قصة العمراني الشريف، بات في ملوية عند بني فلان فجعل يقول: أعندكم شيء من شراب رمانتين؟ وهذا أعني التداوي بالشيء المعتاد، ولو في الأعراق أمر شهير واضح، وقد ذكره ابن الحاج رضي الله عنه في "المدخل" وذكر قصة الملك النصراني الذي مرض فأعيا الأطباء علاجه حتى جاء بعض أهل الخبرة فسأل أمه وقال: إن أردت أن يعافى ابنك فاصدقيني عنه، فقالت: نعم، كان أبوه عقيماً، فلما خفت ذهاب ملكهم مكنت أعرابياً كان عندنا من نفسي، فهو أبو الملك، فقال الرجل على الفور: علي بحوار فجيء به وذبح وشوي قدامه وهو يشم رائحته، فكان ذلك بإذن الله تعالى سبب برئه.
وهذا من العجب، فإن هذا الملك الظاهر أنه ما أكل قط لحم الجمل، وإنما العروق نزعته فكيف بمن اعتاد أكل الطعام وربا عليه جسمه.
 ومن أظرف ما وقع في هذا ما حدثني به الطبيب المذكور، وهو الفاضل أبو عبد الله محمد الدراق الفاسي، قال: "كنت" دخلت طنجة بقصد ملاقاة الأطباء ورؤية الشخص الذي صوّروه تعلّم التشريح معاينةً، قال: فكان بعض أطباء الروم هنالك يعجب من أكلنا الكسكسون المذكور ويضحك منا ويقول: إنما تأكلون العجين في بطونكم، قال: فبينما نحن كذلك إذ دخلت عليه يوماً فوجدته عند رأس مريض محموم شديد الحمى وهو يسقيه الخمر، قال: فقلت له: ما هذا الذي تصنع أنت؟ وأي مناسبة بين الخمر والحمى والكل في غاية الحرارة؟ فقال: إنها لن تضره لاعتياده لها، فإنه كان يرضعها من ثدي أمه، وهو طفل صغير، قال فقلت له: سبحان الله! ونحن هكذا كنّا نرضع ما تنكر من الكسكسون من ثدي أمهاتنا ونحن صغار، فأي شيء يضرنا؟ فقال: صدقت، ولم يجد ما يقول.
*د يحيى
17 - فبراير - 2008
محاضرات العالم العلامة الحبر البحر الفهامة ( اليوسي) رحمة الله عليه وعلى أبويه55    كن أول من يقيّم
 
ومن هذا المعنى اختلفت طباع الناس في الطعام باختلاف الإلف والعادة، فكلّ يستمرئ ما يألفه من الطعام ويشتهيه ويعاف الآخر، قال صلى الله عليه وسلم في الضب: "إنّهُ لَيْسَ بِأرْضِ قَوْمِي فَتَجِدُني أعَافُهُ. فعلل ذلك بكونه ليس في أرضه.
ودخلت في أعوام الستين وألف مدينة مراكش عند رحلتي في طلب العلم وأن إذ ذاك صغير السن، فخرجت يوماً إلى الرحبة أنظر "إلى" المداحين، فوقفت على رجل مسن عليه حلقة عظيمة، وإذا هو مشتغل بحكاية الأمور المضحكة "للناس". فكان أول ما قرع سمعي منه أن قال: اجتمع الفاسي والمراكشي والعربي والبربري والدراوي فقالوا: تعالوا فليذكر كل منا ما يشتهي من الطعام، ثم ذكر ما تمناه كل واحد بلغة بلده، وما يناسب بلده، ولا أدري أكان ذلك في الوجود أم شيء قدره، وهو كذلك "يكون"، وحاصله أن الفاسي تمنى مرق الحمام، ولا يبغي الزحام، والمراكشي تمنى الخالص واللحم الغنمي، والعربي تمنى البركوكش بالحليب والزبد، والبربري تمنى عصيدة انلي وهو صنف من الذرة بالزيت، والدراوي تمنى تمر الفقوس في تجمدرت وهو موضع بدرعة يكون فيه تمر فاخر، مع حريرة أمه زهراء، وحاصله تمر جيد وحريرة.
ولو عرضت هذه الحريرة على العربي لم يشر بها إلاّ من فاقة، إذ لا يعتادها مع الاختيار، ولو عرضت العصيدة على الفاسي لارتعدت فرائصه من رؤيتها، وهكذا.
وأغرب شيء وقع في أمر الاعتياد ما حكي في جارية الملك الهندي مع الاسكندر "فإن الاسكندر" لما دوَّخ الملوك واستولى على الأقاليم احتال بعض ملوك الهند في هلاكه، وكانت عنده جارية بديعة الحسن كاملة الأوصاف، فجعل يغذيها بالسموم، ويتلطف لها حتى اعتادت ذلك، ثم تناهت إلى أن تطبعت بذلك وصارت مسمومة، فأهداها للإسكندر، وقصد بذلك أن يمسها فيهلك، وهذا غريب.
وقد ذكر الأطباء هذه الحكاية فاستغربوا شأنها، وقد ذكرنا في اختلاف البلدان مع اختلاف طبائع الناس بها فيما مر ما يقرب من هذا المعنى ويرشحه.
لله الأمر من قبل ومن بعد
الدنيا وما فيها عرض زائل
من كلامهم: ما أدري أو ودع، وهو "مذكور" في قِصَرِ الزيارة، ونحوه قولهم: ما سلم حتى ودع، وقال فيه الشاعر:
بابي من زارني مكتـتـمـا             خائفاً من كلّ حسٍّ جزعـا
حَذِراً نَـمَّ عـلـيه نُـورُه                كيف يُخفي الليل بدراً طلعا
رصد الخلوة حتى أمكـنـت           ورعى السامر حتى هجعا
كابد الأهوال فـي زورتـه             ثم ما سلم حـتـى ودعـا
وقال العباس بن الأحنف:
سألونا عن حالنا كيف أنتـم ؟                فقرنَّا وداعهم بـالـسـؤال
ما أناخوا حتى ارتحلنا فما نفْ              رِقُ بين النزول والتّرحـال
وقال محمد بن أمية الكاتب:
يا فراقاً أتى بـعـقـب فـراق           واتفاقاً جرى بـغـير اتـفـاق
حين حطت ركابـهـم لـتـلاق          زفت العيس منهم لانـطـلاق
إن نفسي بالشام إذ أنـت فـيهـا              ليس نفسي التـي بـالـعـراق
أشتهي أن ترى فؤادي فـتـدري              كيف وجدي بكم وكيف احتراقي
وقال الحسين بن الضحاك:
بأبي زور تلـفـت لـه          فتنفست عليه الصُّعَدا
بينما أضْحَكُ مسروراً به             إذ تقطعت عليه كمدا
وكنت خرجت ذات مرة لزيارة أقاربي فلقيت أختاً لي، فبنفس ما سلمت عليّ جعلت تبكي، فقلت لها: ما يبكيك؟ أليس هذا وقت سرور وفرح؟ فقالت: ذكرت يوم فراقك، فقلت في ذلك:  
ومحزونة بالبين طال بها الـجـوى          علينا وشوق بالـجـوانـح لـداغ
تبيت وجفناها يباريهـمـا الـحـيا             وما تحت جنبيها من الفرش لداغ
إلى أن تسخى الدهر بالوصل بيننـا          ولاح ضياء للمـسـرات بـزاغ
فلما انقضى التسليم ما بيننا بـكـت          وفاض لها دمع من العين نشـاغ
فقلت: ألم يإنِ السـرور ولـم يدر             شراب للقيان الأحـبـاء سـواغ
فقلت: تذكرت الفـراق غـداً فـذا              لقلبي عن تلك المسرات صـداغ
فيا لك من حزن يبـاري مـسـرة              بسهمين كل في المناضـل بـلاغ
ويا لك من نعمى ببؤسي مـشـوبة           كما شاب بالدم المـور نـسـاغ
بل الشر في الدنيا على المرء صائل                لجوج عليه الدهر والخـير رواغ
على أن لطف الله للعسـر دامـغ              كما الحق منه للأباطـيل دمـاغ
*د يحيى
17 - فبراير - 2008
لم أفهم سبب نشر هذا الكتاب في المجالس    كن أول من يقيّم
 
تحية طيبة دكتور يحيى: صراحة أنا تعجبت منذ أول لحظة لمحتُ فيها هذا الموضوع، كنت أحسب أن هناك تعليقات في الطريق وانتظرها، ثم بدا لي أنكم تريدون إعادة نشر هذا الكتاب في المجالس، فما هي الفائدة من ذلك إذا كان الكتاب منشورا في الوراق؟؟؟؟ أم أن هناك حكمة سيأتي ذكرها ؟؟.
*زهير
17 - فبراير - 2008
نريد أن نقرأ     كن أول من يقيّم
 
تحيات طيبات أستاذنا زهير: أحببت أن أفخر بهذا الكنز الوافد من الإخوة المغاربة إلى أشقّائهم المشارقة . وأنت سيّد العارفين ، فإنّ القرّاء ليسوا جلّهم زهير الباشا . ومع ذلك فأنا أقدم اعتذاريات النابغة لسادتي
القراء.....ولن أفعلها إن استمررت ....
*د يحيى
17 - فبراير - 2008
 4  5  6