البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : علوم القرآن

 موضوع النقاش : تفاسير القرآن وإعراب أشباه الجمل.    قيّم
التقييم :
( من قبل 18 أعضاء )
 د يحيى 
23 - ديسمبر - 2007
الفرق بين تفسير الصوفية ، وتفسير الباطنية
الصوفية لا يمنعون إرادة الظاهر ، بل يحضون عليه، ويقولون لا بد منه أولاً ؛ إذ مَن ادّعى فهم أسرار القرآن ولم يحكّم الظاهر كمن ادّعى بلوغ سطح البيت قبل أن يجاوز الباب . وأما الباطنية فإنهم يقولون : إن الظاهر غير مراد أصلاً ، وإنما المراد الباطن . وقصدهم : نفي الشريعة . هذا، وأهم كتب التفسير الإشاري ( الصوفي) أربعة : تفسير النيسابوري ،وتفسير الألوسي ، وتفسير التستري ، وتفسير محيي الدين بن العربي.
* سئل أبو محمد سهل بن عبد الله التستري ( متوفَّى عام283هجري ، كما في ترجمته في تاريخ ابن خلكان):  عن معنى : بسم الله ...فقال :( الباء) بهاء الله عز وجل ، و  (السين) سناء الله عز وجل ، و ( الميم) مجد الله  عز وجل. و( الله) :هو الاسم الأعظم الذي حوى الأسماء كلها...وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الرحمن الرحيم : اسمان رفيقان ، أحدهما أرق من الآخَر، فنفى الله تعالى بهما القنوط عن المؤمنين من عباده.
 
أحسن طرق التفسير
1- تفسير القرآن بالقرآن : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " : العدل : " فَمَن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمِثْل ما اعتدى عليكم " . الإحسان : " فَمَن عفا وأصلح فأجرُهُ على الله " . إذن : الإحسان أعلى رتبة من العدل، وأنعِمْ نظرك في قوله تعالى : " وبالوالدَيْنِ إحساناً " : مفعول مطلق مؤكد للفعل المضمر، ولاتنس ظاهرة العفووالصفح، فضلاً عن دوام المصاحبة : " وصاحِبْهما في الدنيا معروفاً" : يفترض أن يعيشا معك، وتقبّل أقدامهما " رضا الله في رضى الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين"(حديث شريف)، لا أن تضعهما في دار العجزة ، ثم تضجَر (أف): اسم فعل مضارع ، بمعنى : أتضجّرُ. وتنهرهما " فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما"، ومَن الذي ينهر ؟ ، والله عز وجل كرّم الإنسان أياً كانت ديانته : " ولقد كرّمنا بني آدم"[ الاشتغال بفهم القرآن ، ص7، د/ يحيى مصري].
2- تفسير السُّنّة ؛ فإنها شارحة للقرآن وموضّحة له ؛وكل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو بما فيه من القرآن : " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"، " وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون". ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه"؛ يعني : السنّة. والسنّة أيضاً تنزل عليه بالوحي كما ينزل عليه القرآن ؛ لأنها تتلى كما يتلى.
3- إذا لم نجد التفسير في القرآن ، ولا في السنة ، رَجَعنا في ذلك إلى أقوال أهل البيت ، فأقوال الصحابة المجتبين الأخيار؛ فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح ، ولا سيما الخلفاء الراشدين ، والأئمة المهديين؛ من مثل : ترجمان القرآن ابن عباس، وابن مسعود، رضوان الله عليهم أجمعين.
4- تفسير التابعين ، وعلى رأسهم مجاهد ، وسعيدبن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع ،وسعيد بن المسيّب،وأبي العالية ، والربيع بن أنس، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومَن بعدَهم.
فأما تفسير القرآن بمجرّد الرأي فحرام ، فعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَن قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار". فأما مَن تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه. ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة ؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه. وهذا هو الواجب على كل أحد.
 
 
 20  21  22  23  24 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
لقد تكفل الله الحفيظ بحفظ كتابه ، فأنى له التبديل والتغيير؟ كبرتْ كلمةً تخرج من أفواههم.    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
*د يحيى
13 - أبريل - 2010
شرف ليلة النصف من شعبان: ثلاثة أحاديث شريفة في سلسلة الأحاديث الصحيحة.    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
"إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ" {الدخان44/3}
" فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ" {44/4}
" أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ" {44/5}
" رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" {44/6}
" إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" {القدر97/1}
" لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ" {97/3}
"تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ" {97/4}
" سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" {97/5}
" اختلفوا في هذه الليلة المباركة، فقال الأكثرون: إنها ليلة القدر، وقال عكرمة وطائفة آخرون: إنها ليلة البراءة، وهي ليلة النصف من شعبان أما الأولون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه أولها: أنه تعالى قال: إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }[القدر: 1] وهٰهنا قال: { إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } فوجب أن تكون هذه الليلة المباركة هي تلك المسماة بليلة القدر، لئلا يلزم التناقض وثانيها: أنه تعالى قال:شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِي أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ }[البقرة: 185] فبيّن أن إنزال القرآن إنما وقع في شهر رمضان، وقال هٰهنا { إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } فوجب بأن تكون هذه الليلة واقعة في شهر رمضان، وكل من قال إن هذه الليلة المباركة واقعة في شهر رمضان، قال إنها ليلة القدر، فثبت أنها ليلة القدر وثالثها: أنه تعالى قال في صفة ليلة القدرتَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ * سَلَـٰمٌ هِيَ }[القدر: 4، 5] وقال أيضاً ههنا
{ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } وهذا مناسب لقوله { تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا } وههنا قال:
 { أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا } وقال في تلك الآية { بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ } وقال ههنا { رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } وقال في تلك الآية { سَلَـٰمٌ هِيَ } وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى ورابعها: نقل محمد بن جرير الطبري في «تفسيره»: عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت منه، والإنجيل لثمان عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان، والليلة المباركة هي ليلة القدر وخامسها: أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم، لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم، ومعلوم أنه ليس قدرها وشرفها لسبب ذلك الزمان، لأن الزمان شيء واحد في الذات والصفات، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته، فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة عالية لها قدر عظيم ومرتبة رفيعة، ومعلوم أن منصب الدين أعلى وأعظم من منصب الدنيا، وأعلى الأشياء وأشرفها منصباً في الدين هو القرآن، لأجل أن به ثبتت نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل في سائر كتب الله المنزّلة، كما قال في صفتهوَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ }[المائدة: 48] وبه ظهرت درجات أرباب السعادات، ودركات أرباب الشقاوات، فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم قدراً وأعلى ذكراً وأعظم منصباً منه فلو كان نزوله إنما وقع في ليلة أخرى سوى ليلة القدر، لكانت ليلة القدر هي هذه الثانية لا الأولى، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر التي وقعت في رمضان، علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة، وأما القائلون بأن المراد من الليلة المباركة المذكورة في هذه الآية، هي ليلة النصف من شعبان، فما رأيت لهم فيه دليلاً يعول عليه، وإنما قنعوا فيه بأن نقلوه عن بعض الناس، فإن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه كلام فلا مزيد عليه، وإلا فالحق هو الأول، ثم إن هؤلاء القائلين بهذا القول زعموا أن ليلة النصف من شعبان لها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة، وقيل إنما سميت بليلة البراءة، وليلة الصك، لأن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة، كذلك الله عزّ وجلّ يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة، وقيل هذه الليلة مختصة بخمس خصال الأول: تفريق كل أمر حكيم فيها، قال تعالى: { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } والثانية: فضيلة العبادة فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صلّى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان " الخصلة الثالثة: نزول الرحمة، قال عليه السلام: " إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب " والخصلة الرابعة: حصول المغفرة، قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة، إلا لكاهن، أو مشاحن، أو مدمن خمر، أو عاق للوالدين، أو مصر على الزنا " والخصلة الخامسة: أنه تعالى أعطى رسوله في هذه الليلة تمام الشفاعة، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر، فأعطي الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر، فأعطي الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير، هذا الفصل نقلته من «الكشاف»، فإن قيل لا شك أن الزمان عبارة عن المدة الممتدة التي تقديرها حركات الأفلاك والكواكب، وأنه في ذاته أمر متشابه الأجزاء فيمتنع كون بعضها أفضل من بعض، والمكان عبارة عن الفضاء الممتد والخلاء الخالي فيمتنع كون بعض أجزائه أشرف من البعض، وإذا كان كذلك كان تخصيص بعض أجزائه بمزيد الشرف دون الباقي ترجيحاً لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وإنه محال، قلنا القول بإثبات حدوث العالم وإثبات أن فاعله فاعل مختار بناء على هذا الحرف وهو أنه لا يبعد من الفاعل المختار تخصيص وقت معين بإحداث العالم فيه دون ما قبله وما بعده، فإن بطل هذا الأصل فقد بطل حدوث العالم وبطل الفاعل المختار وحينئذ لا يكون الخوض في تفسير القرآن فائدة، وإن صح هذا الأصل فقد زال ما ذكرتم من السؤال، فهذا هو الجواب المعتمد، والناس قالوا لا يبعد أن يخص الله تعالى بعض الأوقات بمزيد تشريف حتى يصير ذلك داعياً للمكلف إلى الإقدام على الطاعات في ذلك الوقت، ولهذا السبب بيّن أنه تعالى أخفاه في الأوقات وماعيته لأنه لم يكن معيناً جوز المكلف في كل وقت معين أن يكون هو ذلك الوقت الشريف فيصير ذلك حاملاً له على المواظبة على الطاعات في كل الأوقات، وإذا وقعت على هذا الحرف ظهر عندك أن الزمان والمكان إنما فازا بالتشريفات الزائدة تبعاً لشرف الإنسان فهو الأصل وكل ما سواه فهو تبع له، والله أعلم.
روي أن عطية الحروري سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن قولهإِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }[القدر: 1] وقوله { إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الشهور؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع هذا في نفسك ولم تجد جوابه هلكت، نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور، وهو في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالاً فحالا، والله أعلم.
بيان نظم هذه الآيات:
 اعلم أن المقصود منها تعظيم القرآن من ثلاثة أوجه:
 أحدها: بيان تعظيم القرآن بحسب ذاته .
الثاني: بيان تعظيمه بسبب شرف الوقت الذي نزل فيه.
 الثالث: بيان تعظيمه بحسب شرف منزلته.
 * أما النوع الأول: وهو بيان تعظيمه بحسب ذاته فمن ثلاثة أوجه:
 أحدها: أنه تعالى أقسم به وذلك يدل على شرفه .
وثانيها: أنه تعالى أقسم به على كونه نازلاً في ليلة مباركة، وقد ذكرنا أن القسم بالشيء على حالة من أحوال نفسه يدل على كونه في غاية الشرف.
 وثالثها: أنه تعالى وصفه بكونه مبيناً وذلك يدل أيضاً على شرفه في ذاته.
*
وأما النوع الثاني: وهو بيان شرفه لأجل شرف الوقت الذي أنزل فيه فهو قوله { إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } وهذا تنبيه على أن نزوله في ليلة مباركة يقتضي شرفه وجلالته، ثم نقول إن قوله { إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } يقتضي أمرين: أحدها: أنه تعالى أنزله والثاني: كون تلك الليلة مباركة فذكر تعالى عقيب هذه الكلمة ما يجرى مجرى البيان لكل واحد منهما، أما بيان أنه تعالى لم أنزله فهو قوله { إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } يعني الحكمة في إنزال هذه السورة أن إنذار الخلق لا يتم إلا به، وأما بيان أن هذه الليلة ليلة مباركة فهو أمران: أحدهما: أنه تعالى يفرق فيها كل أمر حكيم، والثاني: أن ذلك الأمر الحكيم مخصوصاً بشرف أنه إنما يظهر من عنده، وإليه الإشارة بقوله { أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا }.
*
وأما النوع الثالث: فهو بيان شرف القرآن لشرف منزله وذلك هو قوله { إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } فبيّن أن ذلك الإنذار والإرسال إنما حصل من الله تعالى، ثم بيّن أن ذلك الإرسال إنما كان لأجل تكميل الرحمة وهو قوله { رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } وكان الواجب أن يقال رحمة منا إلا أنه وضع الظاهر موضع المضمر إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين، ثم بيّن أن تلك الرحمة وقعت على وفق حاجات المحتاجين لأنه تعالى يسمع تضرعاتهم، ويعلم أنواع حاجاتهم، فلهذا قال: { إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } فهذا ما خطر بالبال في كيفية تعلق بعض هذه الآيات ببعض.
أما قوله تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } فقد قيل فيه إنه تعالى أنزل كلية القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في هذه الليلة، ثم أنزل في كل وقت ما يحتاج إليه المكلف، وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبرائيل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.
أما قوله تعالى: { فِيهَا يُفْرَقُ } أي في تلك الليلة المباركة يفرق أي يفصل ويبين من قوله فرقت الشيء أفرقه فرقاً وفرقاناً، قال صاحب «الكشاف» وقرىء يفرق بالتشديد ويفرق على إسناد الفعل إلى الفاعل ونصب كل والفارق هو الله عز وجل، وقرأ زيد ابن علي نفرق بالنون.
أما قوله { كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } فالحكيم معناه ذو الحكمة، وذلك لأن تخصيص الله تعالى كل أحد بحالة معينة من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة يدل على حكمة بالغة لله تعالى، فلما كانت تلك الأفعال والأقضية دالة على حكمة فاعلها وصفت بكونها حكيمة، وهذا من الإسناد بالمجازي، لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجاز، ثم قال:
 { أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا } وفي انتصاب قوله { أمْراً } وجهان: الأول: أنه نصب على الاختصاص، وذلك لأنه تعالى بيّـن شرف تلك الأقضية والأحكام بسبب أن وصفها بكونها حكيمة، ثم زاد في بيان شرفها بأن قال أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا كائناً من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا والثاني: أنه نصب على الحال وفيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون حال من أحد الضميرين في { أَنزَلْنَـٰهُ } ، إما من ضمير الفاعل أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً أو من ضمير المفعول أي: إنا أنزلناه في حال كونه أمراً من عندنا بما يجب أن يفعل والثالث: ما حكاه أبوعلي الفارسي عن أبي الحسن رحمهما الله أنه حمل قوله { أمْراً } على الحال، وذو الحال قوله :
{ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ }. ثم قال: { إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } يعني أنا إنما فعلنا ذلك الإنذار لأجل إنا كنا مرسلين يعني الأنبياء. ثم قال: { رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } أي للرحمة فهي نصب على أن يكون مفعولاً له. ثم قال: { إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } يعني أن تلك الرحمة كانت رحمة في الحقيقة لأن المحتاجين، إما أن يذكروا بألسنتهم حاجاتهم، وإما أن لا يذكروها فإن ذكروها فهو تعالى يسمع كلامهم فيعرف حاجاتهم، وإن لم يذكروها فهو تعالى عالم بها فثبت أن كونه سميعاً عليماً يقتضي أن ينزل رحمته عليهم" .(الرازي).
*د يحيى
13 - أبريل - 2010
اللهم فرّج همّنا ، وأبدل مكانه فرحاً... آمين.    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
أدعية لتفريج الكرب ونسأل الله جل وعلا أن ينفعكم بها:

• 
قوله صلى الله عليه وسلم: ما أصاب عبداُ همٌ و لا حزن فقال:" اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضِ في حكمك ، عدل في قضاؤك، أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي ، . إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحاً". رواه أحمد وصححه الألباني.(الكلم الطيب ص74).

• 
قوله صلى الله عليه وسلم: " لاإله إلا الله العظيم الحليم ، لاإله إلا الله رب العرش العظيم ، لاإله إلا الله رب السموات ورب الأرض و رب العرش الكريم". (البخاري ومسلم).

 • قوله صلى الله عليه وسلم دعاء المكروب : اللهم رحمتَك أرجو فلا تكِلني إلى نفسي طرفة عين ، وأصلح لي شأني كله لاإله إلا أنت الله ، الله ربي لاأشرك به شيئاً" ( صحيح سنن ابن ماجه،959/3).

• 
قوله صلى الله عليه وسلم :(" دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت :" لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" لم يدع بها رجل مسلم في شئ قط إلا استجاب الله له).

• 
وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه، وفيها :"ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديناً لأداه الله عنك ؟ قل يا معاذ : اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ، وتَنْزِع الملك ممن تشاء ، وتُعِزّ من تشاء ، وتُذِلّ من تشاء ، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير . رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، تعطيهما من تشاء ، وتمنع منهما من تشاء ، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك "..( رواه الطبراني ، وإسناده حسن).
*د يحيى
13 - أبريل - 2010
هل سمعتم عن هذا الداعية؟    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
Advertisement
الملائكة لا يعجزهم زمان ولا مكان طباعة ارسال لصديق
بقلم: فتح الله كولن   
1977.02.25
السؤال: كيف يستطيع عزرائيل وحده القيام بقبض أرواح العديدين الذين يموتون في لحظة واحدة؟
الجواب: نرى في هذا السؤال كيف أن المقاييس البشرية تخدع الإنسان. فكما أن تشبيه الملائكة بالإنسان خطأ، كذلك من الخطأ البحث عن آثار الروح ووظائفها في الجسد. لذا فلا يمكن الإجابة على هذا السؤال قبل القيام بإيضاح الخطأ المصطلحي (Terminological)، أي يجب أولاً معرفة نقاط الانحراف في السؤال ثم القيام بالإجابة.
بما أن الملائكة تعود إلى عالم آخر، إذن فإن طبيعتها وماهيتها ووظائفها مختلفة تماماً عن عالمنا. لذا فإن من الخطأ إعطاء أي حكم دون النظر إلى عالمها الخاص ودون التفكير بماهيتها ووظائفها. لذا يجب معرفتها من هذا الجانب أولاً.
كلمة الملائكة مشتقة من كلمة (المَلْك) بمعنى القوة، أو من (المَلَك) بمعنى الرسول. فمن حيث الاشتقاق الأول يكون المعنى: القويّ جدّاً. ومن حيث الاشتقاق الثاني يكون المعنى: الرسول الناقل لأوامر الله تعالى. هذه الأوصاف الممتازة موجودة في عموم الملائكة التي خلقها الله تعالى وهي ضرورية لدى الملائكة المكلفين بتبليغ الوحي الإلهي خاصة. وهذه المخلوقات السامية، بدءً من الملائكة المكلفين بمراقبة الحياة والممات، وانتهاء بحَمَلة العرش والموجودين في الحضرة الإلهية مكلفة وموظفة لمشاهدة ورؤية خلق الله تعالى وشؤونه الأخرى.
فكل الأعمال بدءً من العالم الكبير (الكون) وانتهاء بالعالم الصغير (الذرّة)، وكل التغييرات والتركيبات والتحوّلات تقع بإشراف ومراقبة هذه الكائنات المتميزة السامية. كما تقوم هذه الكائنات القوية والأمينة بنقل التشريعات والأوامر الإلهية النابعة من صفة الكلام الإلهي. فإن أخذنا بنظر الاعتبار قيامها بأعمال مدهشة وكونية اعتباراً من الإشراف على أعمال الجاذبية والتنافر على المستوى الكوني وانتهاء بالحركة المنتظمة للألكترونات حول نواة الذرات.. إذا أخذنا هذه الأعمال المدهشة والدقيقة والصعبة علمنا مدى القوة والأمانة التي يجب عليها الاتصاف بها.
الوظائف والمهمات التي تقوم بها الملائكة كثيرة ومتعددة جداً، فلا يمكن تصور وقوع حادثة خارج مهامهم... لا تنـزل قطرة مطر، ولا يبرق برق من دونها، أي إن جميع القوانين الكونية والفطرية تجري بواسطتهم، أي بواسطة هذه القوى المدركة والواعية، كلٌّ حسَب قابلياتها واستعداداتها التي وهبها لها صاحب الملك والقوة سبحانه وتعالى. كما يتجلى بواسطتها الإلهام والوحي الإلهي المرسل لتوجيه سلوك الإنسان الذي هو من أشرف مخلوقات الله تعالى وتنظيمه وتصحيحه.
إذن فنظرا إلى القدرة والقوة الهائلة المعطاة لها لمباشرة وظيفتها كواسطة بين الخالق والمخلوق، والقيام بمهام عديدة بدءاً من الذرات إلى السدم، ونظراً لكونها جهزت بقوة وقدرة ملكوتية[1] لأداء وظائفها، فإن القيام بتشبيه الملائكة بالإنسان وتوهم أن القيود الضرورية الموجودة أمام البشر موجودة أمامهم إنما هو جهل وانحراف في التصور وفي التفكير.
أجل! لو كانت الملائكة تحمل جسداً ماديّاً مثل جسد الإنسان المعرض للتحلل، ولو كان الزمن يتحكم عليهم ويجري حكمه عليها مثلما يجريه على سائر الأحياء، إذن لكنّا محقين باتخاذ مقياس بشري في حقهم. ولكن هناك فروقات لا يمكن قياسها بينهما لأنهما عالمان مختلفان.
ثم إن الملائكة تختلف عن الإنسان من ناحية الخلق. وهذا الفرق ناشئ عن الساحة الواسعة لمهماتها ووظائفها. فالطبيعة النورية في خلقها تجعلها أكثر نفوذاً وسيالية. لذا فهي تملك قابلية الانعكاس في لحظة واحدة لدى أرواح عديدة، وقابلية المشاهدة من قبل أنظار عديدة في اللحظة نفسها، ويملك الملك الواحد قابلية التجلي المتعدد. وهناك حديث ترويه أمنا عائشة رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أن الملائكة خلقت من النور،[2] لذا فهي تملك خصائص النور.
كل جسم من الأجسام المضيئة -مثل الشمس- يمكن أن يظهر أي واحد منه في عدة أماكن بانعكاسه في كل جسم شفاف، ويستطيع الدخول في بؤبؤ كل عين. والملائكة التي تحمل صفات النور وخصائصه تستطيع التعامل في اللحظة نفسها مع آلاف الأرواح.
علماً بأن الملائكة التي تملك ماهية خفيفة ولطيفة تختلف اختلافاً كبيراً عن الأشياء المادية والكثيفة مثل الشمس، فهي تملك قابلية التشكل في أشكال وصور مختلفة، كما تستطيع التمثل في الوقت نفسه في أشكال مختلفة. والتمثل معروف عند المتدينين منذ القديم ولكنه أصبح الآن موضوعاً شائعاً ومعروفاً لدى محافل الطبقة الأرستقراطية الغنية إلى درجة كبيرة بحيث أصبحت شيئا قطعيا كقطعية النتائج المأخوذة من التجارب.
ولا يمر يوم إلا وتنشر فيه الجرائد والمجلات خبرا عن ظاهرة من هذه الظواهر الروحية الغريبة فيما يدّعى في علم تحضير الأرواح بـ"الجسم السيالي" أو "مثيل الإنسان".[3] فترد الأخبار مثلا عن مشاهدة إنسان في مكان بعيد عن مكان وجوده، وإظهار هذا الجسم المثيل قدرات عجيبة وقابليات فائقة. ومهما كان أصل المسألة فإن للموجودات اللطيفة كالأرواح قابلية سيالية أكثر وقدرات أكبر من الأجسام المادية وحرية حركة وتنقل أوسع من الإنسان العادي. وهذه السيالية والجوالية التي تتجاوز المادة تشير إلى كون نشاط وفعالية الجسم المثيل أكبر من الإنسان العادي، كما أن الملائكة تملك قابلية أكبر من قابلية الروح في هذا المجال. وهذا يشير إلى كونها فوق القوانين الطبيعية السارية في عالمنا.
إن تمثّل الملائكة والأرواح كان معروفاً منذ القديم. وقام كثير من أرباب القلوب وعلى رأسهم الأنبياء بشرح مشاهداتهم في هذا الخصوص، وأشاروا في هذا الخصوص إلى شهود من عوام الناس. كان جبريل عليه السلام يظهر في صور مختلفة، وذلك حسب المناسبة التي يظهر فيها. فإن كانت المناسبة التي يظهر فيها هي مهمة الرسول ونقل الوحي ظهر بالمظهر المناسب لهذه المهمة، وإن ظهر في أثناء الحرب ظهر في صورة المحارب. وهذه أمثلة على التمثل. وهذا التمثل وارد بالنسبة لعموم الملائكة وخصوصا لجبريل عليه السلام الذي كان يتمثل في صورة الصحابي دحية الكلبي[4] رضي الله عنه وتمثل ملَك آخر -لا نعرف اسمه- في معركة "أُحد" في صورة الصحابي مصعب بن عمير رضي الله عنه حيث قاتل دفاعاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم في أصعب مراحل القتال حتى المساء حيث جاء في الرواية بأن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم: «"أقدم يا مصعب"، فقال له عبد الرحمن: يا رسول الله! ألم يُقتل مصعب؟ قال: بلى، ولكن ملَك قام مكانه وتسمى باسمه».[5] كما تمثلت ملائكة آخرون في صورة الزبير بن العوام رضي الله عنه في معركة بدر،[6] وشدّوا من عزيمة المؤمنين.
هناك أمثلة لا تعد ولا تحصى حول اتصال بعض أرباب القلوب وأولياء الله مع أرباب العالم الآخر. أما هذا الإتصال بوساطة الرؤى فهو شيء لا يمكن إنكاره، فهو شائع حتى عند عامة الناس. فيكاد كل إنسان يملك شواهد من قيام أحد الأرواح التي يعرفها بإرشاده وإنارة الطريق أمامه عند ظهوره في رؤياه. ولكن هناك بعض من يدّعي أن الرؤى ليست إلا فعالية اللاشعور، أي دفعوا هذا الموضوع إلى ظلام دامس لا يرى فيه شيء، فيا ويل للجهل!
ونحن إذ نحيل الذين يرغبون في التفاصيل حول الملائكة والتمثل والأرواح إلى المراجع والمصادر الخاصة بهذا الموضوع. فإننا نستطيع القول كنتيجة: إنه كما يظهر لكل موجود مثيله في المرآة كذلك تستطيع الملائكة التمثل في كل شيء يكون مرآة لها. تظهر الملائكة لا كصورة فقط -كما هي الحال عند الأجسام المادية- بل بكل صفاتها ومزاياها.
ولا يضير الروح أو الملك في هذا الأمر على أنه فرد واحد، لأنه يستطيع أن ينعكس من مكانه كشعاع فيصل إلى أي مكان يريده ويقوم بالوظيفة التي يريدها، ولا يعوقه في هذا أي شيء... لا البعد ولا المسافة، ولا كثرة عدد الذين يجب الوصول إليهم. فكما أن الشمس مع كونها شمساً واحدة تستطيع الوصول إلى كل مكان توجد فيه مرآة تعكس نورها، وتجري تأثيرها هناك، كذلك تستطيع الملائكة وهي مخلوقات نورانية الظهور في كل مكان وتقوم بمهامها هناك، فتنفخ الحياة أو تقبض الأرواح.
ثم إن الله تعالى هو الذي يقبض الأرواح في الحقيقة. وليس عزرائيل عليه السلام سوى مراقب وستار. والله سبحانه وتعالى الحاضر والناظر في كل مكان يستطيع إنجاز ما لا يستطيع الخيال والعقل تصوره، ويخلق في اللحظة نفسها مليارات الكائنات أو يفني ويميت المليارات من الكائنات. فهذه هي القدرة اللانهائية التي تعلم وترى الأشياء كلها في كل لحظة، وهذا هو العلم اللانهائي الذي لا يمكن لعقل تصوره والذي يرى كل ذرة في الكون ويستطيع إنجاز أعمال بعدد هذه الذرات في آن واحد، ويستطيع قبض أرواح جميع الأموات.
وسواء أكان الله تعالى أم عزرائيل عليه السلام هو القابض للأرواح فإن من حان أجَله يتوجه إليه ليقبض روحه. ولتقريب الموضوع إلى الأذهان أضرب هذا المثل: لنتأمل في حال آلاف من أجهزة المذياع (الراديو) وأجهزة الأستقبال التي تعمل على تردد معين. فإذا قمنا بالضغط على زرّ لمرسل يعمل على هذا التردد سُمعتْ الإشارات وأصوات أحرف المورس في جميع هذه الراديوات في اللحظة نفسها. كذلك فإن المخلوقات بكل عجزها وفقرها متوجهة نحو صاحب القدرة والعزة، وعندما يحين الوقت الموعود سواء في خلقها وإيجادها أو في قبض روحها، شعرت في روحها بالإشارة المعينة. فإذا كان الإنسان العاجز يستطيع بالضغط على زر واحد التأثير في أجهزة متعددة بعيدة عنه آلاف الكيلومترات، إذن كيف يعجز صاحب القدرة المنـزه عن العجز والقصور والذي ترتبط به نفوسنا وأرواحنا عن التأثير فيها مع أن الإنسان ليس إلاّ جهازاً حيًّا، وكيف يعجز -حاشاه- عن نفخ الروح أو قبضه متى شاء؟
إذا وضعنا كل هذا جانباً فهناك نظرات وآراء مختلفة حول قبض الأرواح:
1­ إن الله تعالى -كما ذكرنا سابقاً- هو واهب الأرواح وقابضها، وليس عزرائيل إلا واسطة أو ستار أو مراقب.
2­ إن الله فوض قبض الأرواح إلى عزرائيل عليه السلام وأذِن له بذلك. وقد ضربنا الأمثلة على أن الفرد الواحد والملك الواحد يستطيع وحده إنجاز هذا العمل.
3­ هناك العديد من الملائكة يعمل تحت إدارتهم ملائكة آخرون مكلّفون بأعمال كونية عديدة وبمراقبتها. لذا فهناك ملائكة عديدون تحت إمرة عزرائيل عليه السلام ومساعدون له في عملية قبض الأرواح. وهم أصناف عديدة، فصنف يقوم بقبض أرواح المؤمنين قبضاً سهلاً ويسيراً ودون ألَم، وصنف يقبض أرواح المجرمين قبضاً أليماً، وصنف يسرع بهذه الأرواح إلى ربها: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ (النازعات:1-3). لذا فهناك ملائكة عديدون في قبض الأرواح، وكلها تعمل تحت إمرة عزرائيل عليه السلام، وهو يقوم بأمرٍ من الله تعالى بإرسال ملائكة مختلفين حسب اختلاف المحتضر إن كان شقيًّا أم سعيداً بقبض روحه.
لذا نستطيع القول جواباً على السؤال إن هناك انحرافاً في الفهم منذ البداية، أي هناك خطأ في تشبيه الملائكة بالإنسان، مع أن الملائكة لا يشبهون الإنسان أبداً لا من ناحية الخلق ولا من ناحية الماهية، كما أن طبيعة عملها وإجرءاتها مختلفة عنه تماماً. فهي تتمثل -مثل روح الإنسان- في لحظة واحدة في أماكن عديدة في اللحظة نفسها، وتتعامل مع أشياء عديدة في تلك اللحظة نفسها. وفي أيامنا الحالية انتشر تحضير الأرواح والوسطاء ومحاولة تأسيس علاقة مع الكائنات غير المرئية، وانتشر التنويم المغناطيسي وعلم الروحانية (Spiصلى الله عليه وسلمitualism) وغيرها من الفعاليات التي تتجاوز القوانين الفيزيائية والتي تشير إلى وجود قوانين أخرى لها خاصية الشعور.
وهذه الأمور أصبحت شائعة إلى درجة اكتسابها قناعة قطعية. لذا فإن الملائكة التي تشبه هذه الموجودات تستطيع القيام بوظائف أضعاف هذه الموجودات، ولا سيما وظيفة مهمة قبض الأرواح، ففي هذه العملية يكون الحي الذي حان أجله في حالة استعداد وتلاؤم وعلى نفس التردد مع هؤلاء الملائكة. ثم إن المكلفين بهذه المهمة ليسوا واحداً، بل كثيرون إلى درجة يصعب عدها. وإذا أخذنا في نظر الاعتبار أن من الممكن إرسال ملك واحد لقبض روح أي محتضَر تبين لنا عدم وجود مشكلة في الأمر.
والله أعلم.
الهوامش
[1] الملكوتي: هو الذي يعود إلى الماهية الأصلية والحقيقية للأشياء وهو العالم الذي تجري فيه الأسرار والسلطة الإلهية في حاكمية مطلقة ومؤثرة.
[2] جاء في الرواية أن «عائشةَ رضي الله عنها قالتْ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: خُلقتْ الملائكةُ مِن نُور وخُلق الجانّ من مارج من نار وخُلق آدمُ ممّا وُصف لكم». مسلم، الزهد والرقائق 10؛ المسند للإمام أحمد، 4/168.
[3] مثيل الإنسان: لوحظ وقوع حالات نادرة يظهر فيها الإنسان في مكانين مختلفين في الوقت نفسه. وتدعى صورة الإنسان الثاني الظاهر في ذلك المكان البعيد أو المختلف عن مكان الإنسان الحقيقي بـ"مثيل الإنسان". (المترجم)
[4] البخاري، المناقب 22؛ مسلم، فضائل الصابة 16؛ سير أعلام النبلاء للذهبي، 2/553.
[5] مصنف ابن أبي شيبة، 7/369؛ الطبقات الكبرى لابن سعد، 3/121.
[6] كما جاء في الرواية «عن أبي المليح عن أبيه رضي الله عنه قال: نـزلت الملائكة يوم بدر على سيماء الزبير، عليها عمائم بنو». (مسند البزار، 6/328؛ مصنف ابن أبي شيبة، 6/437؛ مجمع الزوائد، 6/83).
*د يحيى
13 - أبريل - 2010
عالم من تركية : أهلاً بك سيدي في الوراق الحزين.    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
السؤال: هناك أشخاص أعطاهم الله كل شيء، الأموال الطائلة والسيارات الفارهة والقصور الفخمة والشرف الرفيع والصيت الذائع... بينما الآخرون يتضورون جوعًا وتصيبهم آلام وبلايا ومصائب وفقر وعلل. فيا ترى هل هؤلاء فاسدون والآخرون يحبهم الله حتى أغدق عليهم ما أغدق، بينما هؤلاء ينسحقون تحت وطأة أعباء الحياة؟
الجواب: مثل هذا السؤال لا يُسأل إلا من أجل الوصول إلى المعرفة، وإلا فإن السائل يكون آثماً. ومن كان في ضيق فمن الطبيعي أن يَسأل هذا السؤال من أجل الفهم لا الشكوى.
يعطي الله تعالى المال والدور والمراكب والعمارة لمن يشاء، ويعطي الفقر وضيق اليد لمن يشاء. ولكن لا يمكن هنا إنكار دور بعض الأسباب كالظروف العائلية وغيرها، كما لا يمكن إنكار قابلية شخص ما وكياسته ودرايته في كسب المال وتنميته، وكذلك لا يمكن إنكار مدى تأثير معرفته بطرق الربح في الأحوال والشروط والظروف المحيطة به أيضاً. ومع هذا فقد لا يؤتي الله تعالى المال لأشخاص مع وجود القابليات عندهم. ومع هذا فقد ورد في حديث ذي مغزى عميق يخص موضوعنا «عن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قسَم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإنّ الله عز وجل يعطي الدنيا من يحبُّ ومَن لا يحبّ ولا يُعطي الدِّين إلا لمن أحب فمن أعطاه الله الدِّين فقد أحبَّه»[1]. وهذا له معنى فيما نحن بصدده.
ثم إن من الخطإ عد المال والجاه خيراً على الدوام. أجل! فالله سبحانه وتعالى قد يعطي المال والرفاه والسعادة الدنيوية لمن يطلبها وقد لا يعطي. وسواء أأعطى الله تعالى أم لم يعط فهو خير في كلتا الحالتين. ذلك إن كنت شخصاً جيداً واستعملت المال المعطى لك في أمور الخير، فالمال هنا يُعد خيراً. ولكن إن لم تكن شخصاً جيداً، بل كنت منحرفاً عن الصراط القويم فسواء أأعطى الله تعالى المال لك أو لم يعطه فالوضع يكون سيئاً بالنسبة لك.
أجل! إن كنت شخصاً غير مستقيم فالفقر يكون عندك وسيلة إلى الكفر، لأنه يحرضك على رفع راية العصيان تجاه ربك. كما إن كنت بعيداً عن الاستقامة فمعنى هذا أنك لا تملك حياة قلبية وروحية صحيحة، لذا فإن الغنى سيكون لك مصيبة وبلاء ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال:28). لقد خسر الكثيرون هذا الامتحان حتى اليوم؛ فكم من غني مع أنه يملك ثروة كبيرة لا يملك في قلبه شرارة نور واحدة بسبب جحوده. لذا فإن إعطاء الله تعالى المال والجاه لهؤلاء يعد استدراجاً[2] أي وسيلة لانحرافهم. ولكن هؤلاء استحقوا هذا لكونهم أماتوا حياتهم القلبية والروحية وقضوا على القابليات الفطرية التي وهبها الله تعالى لهم. من المناسب هنا ذكر هذا الحديث النبوي: «كم مِن أشْعثَ أغْبَر ذي طِمْرَيْن (صاحب ثوبين خلقين) لا يُؤْبَه له لو أقسم على الله لأَبَرّه، منهم البراءُ بن مالكٍ»[3]
بينما لم يكن البراء -وهو شقيق أنس- يملك لا طعاماً يأكله ولا داراً يأوي إليها. كان يعيش على الكفاف. وكم من أشعث أغبر مثل البراء كانوا يوقرون ويُنظر إليهم كعظماء ويقيّمون حسب وسعة قلوبهم وعمقها وعظمتها، ونور نفوسهم وضيائها. لذا وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لو أقسموا على الله لأبرهم.
إذن فلا يمكن النظر إلى مجرد الفقر أو إلى مجرد الغنى على أنه مصيبة أو نعمة. فقد يكون الفقر حسب موقعه من أكبر نعم الله تعالى. وقد اختار الرسول صلى الله عليه وسلم الفقر بإرادته فقال لعمر رضي الله عنه المتألم من فقر الرسول صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟»[4] وبينما كانت الثروات تسيل إلى خزينة بيت المال عاش الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقيراً، لا يتناول إلا ما يسد رمقه فقط ولم يطلب المزيد.
ولكن هناك نوع من الفقر -أعاذنا الله منه- يكاد يكون كفراً. فمثلاً لو كان هذا السؤال صادراً لا عن قصد معرفة وعلم، بل تعبيراً عن السخط، من فم جاحد، يعد هذا جحوداً لنعم الله تعالى وشكوى منه وعصياناً... أي عُدّ كفراً. إذن فالفقر يعد نعمة أحياناً وأحيانا نقمة، أي أن الأصل في الموضوع هو الصدى الذي يلقاه في القلب، أو كما قال الشاعر:
يارب! كل ما يأتي منك مقبول،
إن كان خلعة... أو كان كفنا،
إن كان وردة... أو شوكاً،
نعمتك ومحنتك... كلاهما حسن.
وفي شرقي الأناضول هناك مثل يقول "كل ما جاء منك جميل، سواء أكان هذا أم ذاك".
الإنسان إن كان مع الله فلا يضره أن يكون غنياً وأن يلبس فاخر الثياب، مثل هذا الشخص قد يكون مثل عبد القادر الكيلاني قدس سره، رجله على أكتاف الأولياء ورأسه يلمس حافة ثوب الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن إن لم تكن للإنسان أي علاقة بالله تعالى فإن فقره يكون له خسراناً في الدنيا وخسراناً في الآخرة أيضاً. وكذلك إن كان الغني غافلاً عن الله تعالى فإنه وإن بدا سعيداً في الدنيا فإن خسراناً كبيراً ينتظره في الآخرة.
الهوامش
[1] المسند للإمام أحمد، 1/387.
[2] الاستدراج: استمرار العديد من الاشخاص -الذين أنعم الله عليهم نعماً عديدة- في الكفر والعصيان واقترابهم بسبب ذلك من غضب الله ونقمته.
[3] الترمذي، المناقب 55.
[4] البخاري، تفسير سورة التحريم 2؛ مسلم، الطلاق 31؛ المسند للإمام أحمد، 3/176.
المصدر: مسجد "بُورْنُوَا"، 14 أكتوبر 1977؛ الترجمة عن التركية: أورخان محمد علي.
*د يحيى
13 - أبريل - 2010
من الآيات التي أخطأ في إعرابها مكي القيسي في كتابه ( مشكل إعراب القرآن).    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
                          آيات أخطأ مكي في اعرابها :
1 ـ "كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ " الأنفال ـ 5 .
قال مكي : " ... وقيل : الكاف بمعنى واو القسم ، أي : الأنفال لله والرسول والذي أخرجك " . (المشكل 1/340 ) .
أبطل هذا التوجيه ابن الشجري واستنكره ، وتابع ابنُ هشام ابنَ الشجري في انتقاده لمكي ، إلا أن ابن هشام نسب هذا التوجيه لأبي عبيدة .
(انظر الأمالي الشجرية 2/459 ، والمغني ص 277 ) .
والصواب جعل الكاف نعتاً للمصدر " الحق"؛ أي : هم المؤمنون حقاً كما ... أو أن تكون نعتاً لمصدر دلّ عليه معنى الكلام تقديره : قل الأنفال ثابتةٌ لله والرسول ثبوتاً كما أخرجك . وقد ذكر هذا مكي . (المشكل 1/340 ) .
2 ـ " وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى" طـه ـ 131 .
أعرب مكي " زهرة " حالاً من الهاء في " به" أومن "ما" وأنّ التنوين حذف للساكنين .( المشكل 2/78 ، 79 ) .
" والصواب أن " زهرة" : مفعول بتقدير جعلنا لهم أو آتيناهم ، ودليل ذلك ذكر التمتيع ، أو بتقدير أذم ؛ لأن المقام يقتضيه ، أو بتقدير أعني بياناً لما أو للضمير ، أو بدل من أزواج ، إما بتقدير ذوي زهرة ، أو على أنهم جعلوا نفس الزهرة للمبالغة '' .
( مغني اللبيب ص 720 ) .
3 ـ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" البقرة ـ 264 .
قال مكي إن الكاف نعت لمصدر محذوف . ( المشكل 1/111 ) .
" يلزمه أن يقدر إبطالاً كإبطال إنفاق الذي ينفق ، والوجه أن  يكون " كالذي " حالاً من الواو في  "لاتبطلوا " والتقدير : لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذي  ينفق ...
إذن توجيه مكي " قول فيه بعد لحذف المصدر".انظر (مغني اللبيب ص 782 ، والأمالي الشجرية 2/448 ) .
4 ـ " قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ" الأنعام ـ 12 .
جعل مكي  " ليجمعنكم" بدلاً من الرحمة ، واللام لام القسم ، فهي جواب " كتب" ...( المشكل 1/258 ) .
لقد خلط مكي " فأجاز البدلية مع قوله  إن اللام لام  جواب القسم " !
والصواب أنها لام الجواب ، وأنها جواب قسم محذوف ؛ أي : والله ليجمعنكم .
( انظر مغني اللبيب ص 532) .
في البحر 4/81 : " والجملة جواب القسم ، ولا تعلق لها بما قبلها من ناحية الإعراب ..." .
في الجمل 2/11 : " ... والذي في هذه الآية أن  يكون الوقف عند  قوله '' الرحمة " وقوله:" ليجمعنكم" جواب قسم محذوف ؛ أي : والله ليجمعنكم ..." .
في العكبري1/137 : أجاز أبو البقاء أن تقع الجملة استئنافية لا محل لها من الإعراب .
[ يحيى مصري: رسالة ماجستير، سنة 1980].
*د يحيى
13 - أبريل - 2010
آيات أخطأ مكي في إعرابها....     ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
5 ـ " لايتخذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ ".آل عمران ـ 28 ،29 ،30 .
قال مكي : " يوم" منصوب بـ " يحذركم" ... ويجوز أن يكون العامل فيه فعلاً مضمراً ..." ، ويجوز أن يكون العامل في  " يوم" " المصير " ... ، ويجوز أن يكون العامل  قدير ..." .( المشكل 1/134 ) .
الراجح أن يكون " يوم" منصوباً بـ " تودُّ" .
وأما أن يكون منصوباً بـ "يحذّركم" فخطأ ؛ لأن التحذير في الدنيا ، لا في الآخرة .
وأما تجويزه النصب بـ "قدير " فضعيف ؛ لأن قدرته على كل شيء لا تختص بيوم دون يوم .
وأما نصبه  بإضمار فعل ، فالإضمار على خلاف الأصل .
انظر ( مغني اللبيب ص699 ، والأمالي الشجرية 2/450 ، والبحر المحيط 2/426 ، والكشاف 1/423 ، والجمل 1/259 ).
6 ـ " الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " التوبة ـ 79 . 
جعل مكي " الذين لا يجدون"  في موضع خفض عطف على "المؤمنين " ومنع عطفه على "المطوعين"؛  لأن " المطوعين" ـ بزعمه ـ لم تتم صلته بعطف " يسخرون" على " يلمزون" !.(المشكل 1/368 ) .
أولاً : "يلمزون" قبل " المطوعين" !
ثانياً : توجيه العطف على " المؤمنين " غير صحيح ؛ لأن تقدم الكلام على قوله :  يلمزون من تطوع من المؤمنين ومن الذين لا يجدون إلا جهدهم ، فيكون الذين لا يجدون إلا جهدهم غير مؤمنين؛ لأن المعطوف يلزمه أن يكون غير المعطوف عليه ... .
والصواب عطف " الذين لا يجدون" على "المطوعين " ، والتقدير : يلمزون الأغنياء المطوعين ، ويلمزون ذوي الأموال الحقيرة ، الذين لا يجدون إلا جهدهم .
إن هذا التوجيه الصحيحَ ذكره ابنُ الشجري ، وأبو حيان ، والشيخ سليمان الجمل .
7 ـ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ " البقرة ـ 168 .
وجه مكي " حلالاً " نعتاً لمفعول محذوف؛ أي كلوا شيئاً حلالاً طيباً من المأكول الذي في الأرض ... ( المشكل 1/80 ) .
إنّ '' حلالاً " ليس صفة خاصة بالمأكول ، بل يوصف به المأكول وغيره ، وإذا كانت الصفة هكذا لم يجز حذف الموصوف وإقامتها مُقامه.
والصواب أنّ " حلالاً" في موضع نصب على الحال من " ما" وهي بمعنى الذي ، ويجوز أن  يكون مفعولاً ب"كلوا".
(انظر الجمل 1/135 ، والبحر 1/478 ، والعكبري 1/43 ) .
8 ـ " وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ" النساء ـ 12 .
نصب "كلالة" على التمييز ـ عند مكي . ( المشكل 1/183) .
"والصواب في الآية أن " كلالة" بتقدير مضاف ؛ أي ذا كلالة ، وهو إما حال من ضمير "يورِث" فكان ناقصة ، ويورث خبر، أو تامة فيورث صفة ، وإما خبر ف"يورث" صفة ، ومن فسّر كلالة بالميت الذي لم يترك ولداً ولا والداً فهي أيضاً حال أو خبر ، ولكن لا يحتاج إلى تقدير مضاف ، ومن فسرها بالقرابة فهي مفعول لأجله " . (مغني اللبيب ص 686 ) . و(انظر البحر 3/189 ، الجمل 1/364 ) .
9 ـ " وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " البقرة ـ 101.
موضع جملة "كأنهم لا يعلمون" موضع رفع نعت لـ "فريق". (المشكل 1/64) .
 الراجح أن تكون هذه الجمل في محل نصب على الحال ، وصاحبها "فريق" وإن كانت نكرة لتخصيصة بالوصف، والعامل فيها "نبذ" ، والتقدير : مشبهين بالجهال .
وأما قول مكي : موضع الجملة صفة لـ"فريق" ، فيلزمه الفصل بين الصفة والموصوف .
(انظر الجمل 1/85 ، والعكبري 1/32 ، وحاشية مشكل الإعراب 1/64 ) .
10 ـ "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ" الأنعام ـ123 . 
أعرب مكي " مجرميها" في موضع نصب لـ "جعلنا"، مفعولاً أول ، و"أكابر" مفعولاًثانياً مقدماً . (المشكل 1/287 ) .
والصحيح أن يكون" أكابر مجرميها" : المفعول الأول ، و" في كل قرية" : المفعول الثاني ،وجعل بمعنى صير.(البحر4/214 ، الجمل 2/86) .
فإنه يترتب على إعراب مكي "أكابر" مفعولاً ثانياً أن أفعل التفضيل المجرد عن أل والإضافة جمع وهو يلزم الإفراد . ( انظر المقتضب 1/168 ) .
11 ـ "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " الأعراف ـ 43 .
أعرب مكي"أورثتموها" في موضع نصب على الحال من" تلكم" ( المشكل 1/316 ) .
والصواب أن جملة" أورثتموها" خبر عن "تلكم" ، أوحال من الجنة ، والعامل معنى الإشارة .( الجمل 2/143، والبحر4/299 ، والعكبري1/159 ) .
وسبب عدم جواز جملة '' أورثتموها" أن تكون حالاً من " تلك " أمران :
أحدهما : أنه فصل بينهما بالخبر ، والآخر : أن "تلك" مبتدأ ، والابتداء لا يعمل في الحال .(العكبَري 1/159 ) .
*د يحيى
13 - أبريل - 2010
" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالُها " ؟    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
سأل رجل إياساً عن النبيذ، فقال:" هوحرام"، فقال الرجل : " أخبرني عن الماء؟   فقال : "حلال"،قال: " فالمكسور؟ ، قال : " حلال " ، قال : " فالتمر؟ قال : "حلال" ، قال : " فما باله إذا اجتمع يحرم ؟، فقال إياس : " أرأيت لو رميتك بهذه الحفنة من التراب ، أتوجعك ؟ "  قال : " لا ! " , قال : " فهذه الحفنة من التبن؟ "، قال : " لا توجعني ! قال :" فهذه الغرفة من الماء ؟"، قال:" لا توجعني شيئاً ! "،قال : " أفرأيت إن خلطت هذا بهذا وهذا بهذا حتى صار طيناً ثم تركته حتى استحجر ثم رميتك به أيوجعك ؟ ، قال:" إيْ والله وتقتلني!"قال: "فكذلك تلك الأشياء إذا اجتمعت ".
من كتاب "البداية والنهاية" للحافظ ابن كثير (9/336).
" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" {محمد47/24}
" تفريع على قوله:فأصمهم وأعمى أبصارهم }[محمد: 23]، أي هلا تدبروا القرآن عوض شغل بالهم في مجلسك بتتبع أحوال المؤمنين،أو تفريع على قوله:{ فأصمّهم وأعمى أبصارهم}. والمعنى: أن الله خلقهم بعقول غير منفعلة بمعاني الخير والصلاح فلا يتدبرون القرآن مع فهمه أو لا يفهمونه عند تلقيه وكلا الأمرين عجيب.
والاستفهام تعجيب من سوء علمهم بالقرآن ومن إعراضهم عن سماعه. وحرف { أم } للإضراب الانتقالي. والمعنى: بل على قلوبهم أقفال وهذا الذي سلكه جمهور المفسرين وهو الجاري على كلام سيبويه في قوله تعالى:
أفلا تبصرون أمْ أنا خير من هذا الذي هو مهين }
في سورة الزخرف (51، 52)، خلافاً لما يوهمه أو توهمه ابن هشام في مغني اللبيب.
والتدبر: التفهم في دُبر الأمر، أي ما يخفى منه وهو مشتق من دبر الشيء، أي خلفه.
والأقفال: جمع قُفْل، وهو استعارة مكنية إذ شبهت القلوب، أي العقول في عدم إدراكها المعاني بالأبواب أو الصناديق المغلقة، والأقفال تخييل كالأظفار للمنية في قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
   
ألفيت كل تميمة لا تنفع
وتنكير { قلوب } للتنويع أو التبعيض، أي على نوع من القلوب أقفال. والمعنى: بل بعض القلوب عليها أقفال. وهذا من التعريض بأن قلوبهم من هذا النوع لأن إثبات هذا النوع من القلوب في أثناء التعجيب من عدم تدبر هؤلاء القرآن يدل بدلالة الالتزام أن قلوب هؤلاء من هذا النوع من القلوب ذواتِ الأقفال. فكون قلوبهم من هذا النوع مستفاد من الإضراب الانتقالي في حكاية أحوالهم. ويدنو من هذا قولُ لبيد:
تَرَّاك أمكنة إذا لم أرضها
   
أو يَعتلقْ بعضَ النفوس حِمامها
يريد نفسه لأنه وقع بعد قوله: تَرَّاك أمكنة البيت، أي أنا تراك أمكنة.
وإضافة (أقفال) إلى ضمير { قلوب } نظم بديع أشار إلى اختصاص الأقفال بتلك القلوب، أي ملازمتها لها فدلّ على أنها قاسية. " ( ابن عاشور).
" أي: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون كتاب الله وما فيه من الحجج، فيعلموا خطأ ما هم عليه مقيمون من النفاق بل على قلوبهم أقفال أقفلها الله عليهم، فهم لا يعقلون ما يتلى عليهم.
قال خالد بن معدان: ما من آدمي إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه وما وعد الله عز وجل من الغيب فإذا أراد الله بعبد خيراً أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله به غير ذلك طمس عليهما،فذلك قوله له: { أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ }.
وروى هشام بن عروة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا يوماً: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ } فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله يفتحها ويفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر حتى ولي فاستعان به." ( مكي القيسي).
 
*د يحيى
14 - أبريل - 2010
لن يحترق القرآن الكريم بمشيئة الله ....    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
 
 
د. عائض القرني
كل مؤلَّف له عنوان، والقرآن كتاب الرحمن، كل مؤلِّف إذا ألَّف كتابا، أو دبّج خطابا، اعتذر في مقدمته إذا خالف صوابا، إلا الله فإنه تحدّى فقال: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ»، فعجز الكل عن مجاراته، تقرأ المصنَّفات وتطالع المؤلَّفات، وتسمع القصائد، وتعجبك الفوائد، وتشجيك الشوارد، ثم تسمع القرآن المرتَّل، فإذا هو الأكمل والأجمل والأنبل. قرآن يخاطب النفْس فتخشع، والقلب فيخضع، والروح فتقنع، والأذن فتسمع، والعين فتدمع، ولو نزل على صخر لتصدّع. له حلاوة وعليه طلاوة، لا يشبع منه العلماء، ولا يُروى منه الحكماء، أفحم الخطباء، وأخرس الفصحاء، وأسكت الشعراء، وأدهش الأذكياء، وتحدّى العرب العرباء، قوة برهان، وإشراق بيان، ووضوح حجة، واستقامة محجة، تتحاكم العقول إليه، ولا يقاس أي كتاب إليه، حارت الأذهان في وصفه، وعجبت البشرية من سبكه ورصفه، «لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ»، تلاوته تذهب أحزانك، وتثير أشجانك، وترفع شانك، وتثقل ميزانك، وتخسئ شيطانك، وتثبت إيمانك.
مصاحبته تُذهِب كل داء، وتطرد كل بلاء، وتُبيد كل شقاء، وتدفع كل ضرّاء، وتُزيل كل بأساء، وهو هدى وشفاء.
مسامرته حياة، واتباعه نجاة، واقتفاؤه صلاح، واتباعه فلاح، والعمل به نجاح، قارئه ينتظر الرحمات، ويرتقب البركات، وكل حرف بعشر حسنات، يبهر العقل، ويرفع الجهل، وهو فصل ليس بالهزل، حُسن نظام، وجميل إحكام، ودقة انسجام، هو كتاب الرحمة، ودستور الحكمة، والطريق إلى كل نعمة، والصارف لكل نقمة، أذهل العرب، هيمن على الكتب، أتى بالعجب، كشف الحجب، سحق النصب، علّم الأدب، بيّن حلاله وحرامه، وبديعه وأحكامه.
القرآن مالُ مَن لا مالَ له، وعشيرة مَن لا عشيرة له، وذُخر مَن لا ذُخر له، وكنز مَن لا كنز له، هو السلوة في الغربة، والأنيس في الوحشة، والعزاء عن كل أحد، والجلاء لكل ريب، والشفاء لكل مرض، والدواء لكل داء، سمير وأنيس، صاحب وجليس، تلاوته أجر، وحروفه حسنات، ومطالعته بركات، وتدبّره رحمات، والعمل به نجاة، والتحاكم إليه فلاح، والرضا به سعادة، والاستغناء به ثروة، ومصاحبته غنيمة، شافع مشفَّع، وصاحب مقبول، وناصح أمين، ورفيق موافق، ومحدِّث ماتع، هدى لا ضلالة بَعده، ونور لا ظلمة فيه، وشفاء لا سقم عنده، يؤنسك في القبر، يحفظك في الحشر، ينجيك على الصراط، يوصلك إلى الجنة، يبعدك عن النار، يحميك من غضب الجبار، يُذهب همّك، يجلو غمّك، يزيل تعبك، يطرد نصبك، يشرح صدرك، يرفع ذكرك، يُعلي قَدرك، هو قُرّة العيون، وسلوة القلوب، وبهجة النفوس، وحلية الأولياء، ومأدبة العلماء، يعصم من الغيّ، يحمي من الضلالة، يحصِّن من الجهالة، يمنع من الغِواية. قلبٌ بلا قرآنٍ ملعونٌ، وعبدٌ بلا قرآنٍ مخذولٌ، وعينٌ بلا قرآنٍ خائنةٌ، ويدٌ بلا قرآنٍ جانيةٌ، وأذنٌ بلا قرآنٍ آثمةٌ، وقلمٌ بلا قرآنٍ ماردٌ، وصحيفةٌ بلا قرآنٍ لاغيةٌ، وحفلٌ بلا قرآنٍ زورٌ، ومجلسٌ بلا قرآنٍ لهوٌ، وحديثٌ بلا قرآنٍ لغوٌ، وكاتبٌ بلا قرآنٍ أفّاكٌ، وشاعرٌ بلا قرآنٍ كذابٌ، وتاجرٌ بلا قرآنٍ غشاشٌ، وحياةٌ بلا قرآنٍ موتٌ، وحضارةٌ بلا قرآنٍ لعنةٌ، وثقافةٌ بلا قرآنٍ مهزلةٌ.
القرآن كلام الله، وأمانة جبريل، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ودستور أمة، ومنهج حياة، ومشروع حضارة، ومنطلق دعوة، ووثيقة إصلاح، وحلّ لمشكلات البشرية، وشفاء لأسقام الإنسانية، طُهرٌ للضمائر، وعمارةٌ للسرائر، وهدى للناس، وبشرى للمؤمنين، ودعوةٌ للعالَم، وغيثٌ لأهل الأرض، فيه قصة الإنسان، ومسيرة الخلق، وتوحيد الخالق، وصفات الرسل، وخبر الملائكة، ونعيم الجنة، وعذاب النار، وهو رسالة السماء إلى الأرض، وخاتم الكتب، ومعجزة النبوّة، وأعجوبة الدهر، ونبأ الغيب، وحديث الآخرة، صِدقٌ في الخبر، عدلٌ في الحُكم، وسطٌ في الطريقة، صحةٌ في المثل، إعجازٌ في القول، حسنٌ في الحديث، جمالٌ في السبك، قوةٌ في الحجة، إشراقٌ في البيان، سدادٌ في النصح: «كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ»، وهو المعجزة الخالدة، والمجد الباقي، والشرف المنيف.
هو الشافي الكافي، الجامع الشافع، فيه خبر القرون، وقصة فرعون وهامان وقارون، وحديث ثمود وعاد، وإرم ذات العماد، وفيه ذكر الأنبياء، وصفات الأولياء، وخاتمة الشهداء، ونعيم السعداء، وعذاب الأشقياء، ومصير الأبرار، ونهاية الفُجّار، وعدٌ ووعيد، وبشارةٌ وتهديد، وجنّةٌ ونار، وفوزٌ وبَوار، تحدّى بالذُّباب، وضرب المثل بالبعوضة، وشبّه بالعنكبوت، وتحدّث عن النملة، وأعجز بالنحلة، وأهلك بالناقة، وشبّه بالحمار، وأفحم بالبقرة، وقصّ بالغراب، فيه الفاتحة الكافية الشافية الصافية الوافية، وفيه البقرة الحافلة بالأحكام، والحلال والحرام، في أبدع نظام وأروع كلام، وفيه المنجية من عذاب القبر وهول الحشر، وضيق الصدر، وفيه آية الكرسي الحافظة من كل شيطان، والمانعة من كل غيّ، الحارسة من كل مارد، الحامية من كل رجس.
فيه سورة الإخلاص التي فيها صفة الرحمن، ومدح الديّان، والثناء على ذي العزة والسلطان، وفيه المعوّذات والمحصِّنات من الشرور والسيئات، تلاوته تكفّر الخطيئات، وتطهّر من السيئات، وقراءته تستجلب رضا من أنزله، ومحبة من تكلّم به، فهو الكتاب الذي بزّ الكتب بيانا، وفاقها فصاحةً، يدفع الشكّ باليقين، والوهم بالحقيقة، والجهل بالعلم، والشبهة بالبرهان، فهو زاد العبد الصادق في سفر الحياة، وهو قوتُ القلب المؤمن في رحلة العمر، وهو متعة العقل الحصيف، ومَدَد الإنسان الضعيف، أحرفٌ من النور تكشف زيف الباطل، وكلماتٌ من الطهر تجتاح معاقل البهتان، وفيضٌ من القداسة يروي ظمأ الروح، يُقال لصاحبه في الجنة: «اقرأ وارتقِ ورتّل؛ فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها»، وفي الحديث: «اقرأوا القرآن؛ فإنه يأتي شفيعا لأصحابه»، و«خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»، والقرآن حجة لك أو عليك، فطوبى لمن صاحَب القرآن، ورافقه وأحبّه وتلاه وتدبّره وأنِس به، واسترشد بوعظه، واهتدى بهداه، وعكف عليه، وتغنّى به، وأحيا به ليله، وأجرى به دمعه، وأذهب به همّه، وأزال به غمّه، وطرد به حزنه، وكفّر به ذنبه، وأبرد به لهيب روحه، وسكّن به خوفه، فهذا هو السعيد الناجي، والفائز الظافر، والولي الصادق، فهذا القرآن هو مأدبة الله وضيافته ومائدته، فمن قبِل الضيافة نال التكريم وحظي بالزلفى، وحصل على الفوز وأدرك الفلاح.
قيل للقرآن: «نعم» عند السلف فنالوا به الشرف، وحصلوا به على التحف.
وقيل للقرآن: «لا» عند الخلف، فوقعوا في الترف، وأصيبوا بالتلف، وحصلوا على الخيبة والأسف.
قيل للقرآن: «نعم» في المآتم والأعياد والموالد والمهرجانات والاحتفالات.
وقيل للقرآن: «لا» في أمور الحياة، وقضايا الإنسان، ومعاهدات الدول، ومواثيق الشعوب، وهموم الأمة.
قال بعضهم للقرآن: «نعم» زمن ثورتهم العارمة، وجهادهم العظيم، وكفاحهم الحي، ونضالهم الدامي، واستبسالهم المشرق، فدفعوا على دوي القرآن نفوسهم، وقدّموا على صوت القرآن رؤوسهم، وسكبوا على تلاوة القرآن دماءهم، فلما حكمهم بعض بني جنسهم، وساسهم أناس من أنفسهم، قالوا للقرآن: «لا»، «فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ».
وقال آخرون: «نعم» للقرآن، فحكموا العالم وأقاموا خلافة، وبنوا مجدا وصنعوا حضارة، وأسّسوا كيانا.
وقالت طائفة للقرآن: «نعم»، فجاهدوا وضحّوا، وبذلوا وأعطوا، فلما وصل منهم من وصل إلى سدة الحكم عزل القرآن عن الحياة، ونفى القرآن عن مسرح الأحداث، وعطّل القرآن عن التحكيم، فخرج جيل في أعداد الرمل، وكثرة الحصى، لا يعرف أحدهم إلا طعامه وشرابه وذهابه وإيابه.
وقال أكثر العالم للقرآن: «نعم» في افتتاح المؤتمر وختام الجلسة وعلى القبر، وعند عقد النكاح، وعلى روح الميت.
وقالوا للقرآن: «لا» في أول مادة القانون، وفي بداية الدستور، وعند إصدار الحكم وزمن التنفيذ، فـ«نعم» للقرآن عندهم في المسجد والمقبرة والصلاة والمولد والمأتم، و«لا» للقرآن في القصر والميدان والمصنع والشركة والجيش والمحكمة والاقتصاد والسياسة والفكر والفن، فـ«نعم» للقرآن عند الموت، و«لا»للقرآن عند الحياة، «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ».
واحسرتاه يوم نُحِّي القرآنُ عن العالم كيف عُذِّبوا وسُحقوا ومُحقوا ومُزِّقوا، ولو كان القرآن معهم لما قامت الحرب الأولى ولا الثانية؛ لأن القرآن ينادي: «أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً»، ولو كان القرآن في قلوب الأميركان لما دمروا البشر وأزهقوا الأرواح في نغازاكي وهيروشيما؛ لأن القرآن ينادي: «وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا».
ولو شعّ نور القرآن في قلوب بعض الناس لما أبادوا الحرث والنسل؛ لأن القرآن يحرّم هذا الصنيع والفعل الشنيع والعمل الفظيع: «وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ».
يا مجلس الأمن حفّظ أعضاءك آية: «الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ»؛ لينقلوها إلى شعوبهم التي عطّلت القرآن وصدّت عنه وهجرته، فذاقت لباس الجوع والخوف والبأساء والموت: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً».
واحسرتاه يوم عُزل العلم عن القرآن فصار علما طاعنا باغيا كافرا فاجرا: «يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ».
واأسفاه يوم أُبعد الفن عن القرآن فصار فنا ممسوخا مسلوخا تافها: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ»، ويوم فُصل الأدب عن القرآن خرج أدبا مشوها متخلفا مقيتا فاحشا: «وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ». ويوم فُصلت السياسة عن القرآن بزغ ساسة طغاة عتاة قساة جبارون سفاكون سفاحون: «وَإِذَا أردنا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا». ويوم قُطع الاقتصاد عن القرآن نتجت أموال ملوثة وتجارة محرمة ومعاملات ربوية: «وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا». ويوم فَقدت التربية روح القرآن وبركته ونوره شبّ جيلٌ عاقٌّ مارد متهتّك: «فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً».
يا حملة الأقلام، يا رجال الإعلام، عُبّوا من مورد القرآن العذب الزلال: «عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً»؛ لتعدّوا الأمة بحديثكم وتصلحوا الناس بكلامكم: «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى».
اكتب على مستشفيات العالم نصيبها من القرآن: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ»، اكتب على العيادات النفسية: «أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»، وسطِّرْ على المحاكم: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى»، وانقش على القلوب: «إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِي أَقْوَمُ»، وانحت على الذاكرة: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ».
عميت عيون لم تكتحل بالقرآن، وصمّت آذان لم تُشنف بالقرآن، ومُزقت أفئدة لا تحبّ القرآن، وهُدمت بيوت لا تدوّي بالقرآن، ومُحقت شعوب لا تتحاكم إلى القرآن، وهانت أمة لا تعمل بالقرآن.
*د يحيى
24 - سبتمبر - 2010
...... أو ما ملكت أيمانكم    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
المرأة بين الإسلام والنصرانية.
 مثنى وثلاث ورباع وما ملكت أيمانكم

{{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ }}

الحق سبحانه وتعالى حينما يشرع الحكم يشرعه مرة إيجاباً ومرة يشرعه إباحة ، فلم يوجب ذلك الأمر على الرجل ، ولكنه أباح للرجل ذلك ، وفيه فرق واضح بين الإيجاب وبين الإباحة . والزواج نفسه حتى من واحدة مباح . إذن ففيه فرق بين أن يلزمك الله أن تفعل وان يبيح لك أن تفعل . وحين يبيح الله لك أن تفعل ، ما المرجح في فعلك ؟ إنه مجرد رغبتك .

ولكن إذا أخذت الحكم ، فخذ الحكم من كل جوانبه ، فلا تأخذ الحكم ، وبإباحة التعدد ثم تكف عن الحكم بالعدالة ، وإلا سينشأ الفساد في الأرض ، وأول هذا الفساد أن يتشكك الناس في حكم الله . لماذا ؟ لأنك إن أخذت التعدد ، وامتنعت عن العدالة فأنت تكون قد أخذت شقاً من الحكم ، ولم تأخذ الشق الآخر وهو العدل ، فالناس تجنح أمام التعدد وتبتعد وتميل عنه لماذا ؟ لأن الناس شقوا كثيراً بالتعدد أخذاً لحكم الله في التعدد وتركاً لحكم الله في العدالة .

والمنهج الإلهي يجب أن يؤخذ كله ، فلماذا تكره الزوجة التعدد ؟ لأنها وجدت أن الزوج إذا ما تزوج واحدة عليها ألتفت بكليته وبخيره وببسمته وحنانه إلى الزوجة الجديدة ، لذلك فلابد مرأة أن تكره زواج الرجل عليها بامرأة أخرى .

إن الذين يأخذون حكم الله في إباحة التعدد يجب أن يلزموا أنفسهم بحكم الله أيضاً في العدالة ، فإن لم يفعلوا فهم يسيعون التمرد على حكم الله ، وسيجد الناس حيثيات لهذا الترد ، وسيقال : انظر ، إن فلان تزوج بأخرى وأهمل الأولى ، أو ترك أولاده دون رعاية واتجه إلى الزوجة الجديدة .

فكيف تأخذ إباحة الله في شيء ولا تأخذ إلزامه في شيء آخر ، إن من يفعل ذلك يشكك الناس في حكم الله ، ويجعل الناس تتمرد على حكم الله ـ والسطحيون في الفهم يقولون : إنهم معذورون وهذا منطق لا يتأتى .

إن آفة الأحكام أن تؤخذ حكم جزئي دون مراعاة الظروف كلها ، والذي يأخذ حكماً عن الله لابد أن يأخذ كل منهج الله ز

هات إنساناً عدل في العِشْرة وفي النفقة وفي البيتوتة وفي مكان الزمان ولم يرجح واحدة على أخرى ، فالزوجة الأولى إن فعلت شيئاً فهي لن تجد حيثية لها أمام الناس . أما عندما يكون الأمر غير ذلك فإنها سوف تجد الحيثية للأعتراض ، والصراخ الذي نسمعه هذه الأيام إنما نشأ من أن بعضاً قد أخذ حكم الله في إباحة التعدد ولم يأخذ حكم الله في عدالة التعدد . والعدالة تكون في المور التي للرجل فيها خيار . أما الأمور التي لا خيار للرجل فيها فلم يطالبه الله بها .

ومن السطحيين من يقول : إن الله قال : اعدلوا ، ثم حكم أننا لا نستطيع أن نعدل .

نقول لهم : بالله أهذا تشريع ؟ ، أيعطي الله باليمين ويسحب بالشمال ؟ ألم يشرع الحق على عدم الاستطاعة فقال :
{{وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}}

ومادام قد شرع على عدم الاستطاعة في العدل المطلق فهو قد أبقى الحكم ولم يلغه ، وعلى المؤمن ألا يجعل منهج الله له في حركة حياته عضين بمعنى أنه يأخذ حكماً في صالحه ويترك حكماً إن كان عليه .

فالمنهج من الله يؤخذ جملة واحدة من كل الناس ، لأن أي انحراف في فرد من أفراد الأمة الإسلامية يصيب المجموع بضرر . فكل حق لك هو واجب عند غيرك ، فإن أردت أن تأخذ حقك فأدّ واجبك .

والذين يأخذون حكم الله في إباحة التعدد يجب أن يأخذوا حكم الله أيضاً في العدل ، وإلا أعطوا خصوم دين الله حججا قوية في إبطال شرع الله ، وتغيير ما شرع الله بحجة ما يرونه من آثار أخذ حكم وإهمال حكم آخر .

والعدل المراد في التعدد هو القسمة بالسوية في المكان ، أي أن لكل واحدة من تالمتعددات مكاناً يساوي مكان الأخرين ، وفي الزمان ، وفي متاع المكان ، وفيما يخص الرجل من متاع نفسه ، فليس له أن يجعل شيئاً له قيمة عند واحدة ، وشيئاً لا قيمة له عند واحدة أخرى ، يأتي مثلا بيجامة ((منامه)) صُوف ويضعها عند واحدة ، ويأتي بأخرى من قماش أقل جودة ويضعها عن واحدة ، لا

لابد من المساواة ، لا في متاعها فقط ، بل متاعك أنت الذي تتمتع به عندها ، حتى أن بعض المسلمين الأوائل كان يساوي بينهن في النعال التي يلبسها في بيته ، فيأتي بها من لون واحد وشسكل واحد وصنف واحد ، وذلك حتى لا تَدِلُّ واحدة منهن على الأخرى قائلة : إن زوجي يكون عندي أحسن هنداماً منه عندك .

والعدالة المطلوبة ـ أيضاً ـ هي العدالة فيما يدخل في اختيارك ، لأن العدالة التي تدخل في اختيارك لا يكلف الله بها ، فأنت عدلت في المكان ، وفي الزمان ، وفي المتاع لكل واحدة ، وفي المتاع لك عند كل واحدة ، ولكن لا يطلب الله منك أن تعدل بميل قلبك وحب نفسك ؛ لأن ذلك ليس في مكنتك .

والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا هنا القول : عن عائشة رضى الله عنها قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ويعد ويقول : ( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) يعني القلب } رواه الإمام احمد وأبو داود والدارمي .

إذن فهذا معنى قول الحق :
{ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ... النساء129}

لأن هناك أشياء لا تدخل في قدرتك ، ولا تدخل في اختيارك ، كأن ترتاح نفسياً عند واحدة ولا ترتاح نفسياً عند أخرى ، أو ترتاح جنسيا عند واحدة ولا ترتاح عند أخرى ، ولكن الأمر الظاهر للكل يجب أن يكون فيه القسمة بالسوية حتى لا تَدِلُّ واحد على واحدة .

وإذا كان هذا في النساء المتعددات ـ وهن عوارض ـ حيث من الممكن أن يخرج الرجل عن أي امرأة ـ بطلاق أو فراق فما بالك بأولادها منه ؟ لابد أيضاً من العدالة .

والذي يفسد جو الحكم المنهجي لله أن أناساً يجدون رجلا عدّد ، فأخذ بإباحة الله في التعدد ، ثم لم يعدل ، فوجدوا أبناءه من واحدة مهملين مشردين ، فيأخذون من ذلك حجة على الإسلام . والذين يحاولوا أن يفعلوا ما فعلوا في قوانين الأحوال الشخصية إنما نظروا إلى ذلك التباين الشديد الذي يحدثه بعض الأباء الحمقى نتيجة تفضيل أبناء واحدة على الأخرى في المأكل والملبس والتعليم !

إذن فالمسلم هو الذي يهجر دينه ويعرضه للنقد والنيل من أعدائه له . فكل إنسان مسلم على ثغرة من ثغرات دين الله تعالى فعليه أن يصون أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته من أي انحراف أو شطط ؛ لأن كل مسلم بحركته وبتصرفه يقف على ثغرة من منهج الله ، ولا تظنوا أن الثغرات فقط هي الشيء الذي يدخل منه أعداء الله على الأرض كالثغور ، لا ..... الثغرة هي الفجوة حتى في القيم يدخل منها خصم الإسلام لينال من الإسلام .

إنك إذا ما تصرفت تصرفاً لا يليق فأنت فتحت ثغرة لخصوم الله . فسد كل ثغرة من هذه الثغات ، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توسع في العدل بين الزوجات توسعاً لم يقف به عند قدرته ، وإن وقف به عند اختياره ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين مرض كان من الممكن أن يعذره المرض فيستقر في بيت واحدة من نسائه ، ولكنه كان يأمر بأن يحمله بعض الصحابه ليطوف على بقية نسائه في أيامهن فأخذ قدرة الغير . وكان إذا سافر يقرع بينهن ، هذه هي العدالة .

وحين توجد مثل هذه العدالة يشيع في الناس أن الله لا يشرع إلا الحق ، ولا يشرع إلا صدقاً ، ولا يشرع إلا خيراً ، ويسد الباب على كل خصم من خصوم دين الله ، حتى لا يجد ثغرة ينفذ منها إلى ما حرم دين الله ، وإن لم يستطع المسلم هذه الاستطاعة فليلزم نفسه بواحدة . ومع ذلك حين يلزم المسلم نفسه بزوجة واحدة ، هل انتفت العدالة مع النفس الواحدة ؟ لا
فلا يصح ولا يستقم ولا يحل أن يهمل الرجل زوجته . ولذلك حينما شكت امرأة عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن زوجها لا يأتي إليها وهي واحدة وليس لها ضرائر ، فكان عنده احد الصحابة ، فقال له : أفتها ( أي أعطها الفتوى )
قال الصحابي : لك أن يبيت عندك الليلة الرابعة بعد كل ثلاث ليال .

ذلك أن الصحابي فرض أن لها شريكات ثلاثا ، فهي تستحق الليلة الرابعة .

وسُر عمر بن الخطاب رضى الله عنه من الصحابي ؛ لأنه عرف كيف يفتي حتى في أمر المرأة الواحدة .

إذن قوله الحق سبحانه وتعالى : {{وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ }} النساء129
أي لا تظنوا أن المطلوب منكم تكليفاً هو العدالة حتى في ميل القلب وحبه ، لا .

إنما العدالة في الأمر الاختياري ، ومادام الأمر قد خرج عن طاقة النفس وقدرتها فقد قال ـ سبحانه ـ (( فلا تميلوا كل الميل )) . ويأخذ السطحيون الذين يريدون أن يبرروا الخروج عن منهج الله فيقولوا : إن المطلوب هو العدل وقد حكم الله أننا لا نستطيع العدل .

ولهؤلاء نقول : هل يعطي ربنا باليمين ويأخذ بالشمال ؟ فكأنه يقول : أعدلوا وأنا أعلم أنكم لن تعدلوا ؟ فكيف يأتي لكم مثل هذا الفهم ؟ إن الحق حين قال : { وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ .. النساء129} أى لا يتعدى العدل ما لا تملكون من الهوى والميل ؛ لأن ذلك ليس في إمكانكم ، ولذلك قال : { فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ }} النساء129
نقول ذلك للذين يريدون أن يطلقوا الحكم غير واعين ولا فاهمين عن الله ، ونقوله كذلك للفاهمين الذين يريدون أن يدلسوا على منهج الله ، وهذه المسألة من المسائل التي تتعرض للأسرة ، وربها الرجل .فهب أن رجلا ليس له ميل إلى زوجته ، فماذا يكون الموقف ؟ أمن الأحسن أن يطلقها ويسرحها ، أم تظل عنده ويأتي بامرأة تستطيع نفسه أن ترتاح معها ؟ أو يطلق غرائزه في أعراض الناس ؟

إن الحق حينما شرع ، إنما يشرع ديناً متكاملاً ، لا تأخذ حكماً منه لتترك حكماً آخر .

والأحداث التي أرهقت المجتمعات غير المسلمة ألجأتهم إلى كثير من قضايا الإسلام ، ولعدم الإطالة هناك بعض الدول تكلمت عن إباحة التعدد لا لأن الإسلام قال به ، ولكن لأن ظروفهم الاجتماعية حكمت عليهم أن لا يحل مشاكلهم إلا هذا ، حتى ينهوا مسألة الخليلات . والخليلات هن اللائي يذهب إليهن الرجال ليهتكوا أعراضهن ويأتوا منهن بلقطاء ليس لهم أب .

إن من الخير أن تكون المرأة الثانية ، امرأة واضحة في المجتمع . ومسألة زواج الرجل منها معروفة للجميع ، ويتحمل هو عبء الأسرة كلها . ويمكن لمن يريد أن يستوضح كثيراً من أمر هؤلاء الناس أن يرجع إلى كتاب تفسير في هذا الموضوع للدكتور محمد خفاجة حيث أورد قائمة بالدول وقرارتها في إباحة التعدد عند هذه الآية .

وهنا يجب أن ننتبه إلى حقيقفى وهي : أن التعدد لم يأمر الله به ، وإنما أباحه ، فالذيتلرهقه هذه الحكاية لا يعدد ، فالله لم يأمر بالتعدد ولكنه أباح للمؤمن أن يعدد . والمباح أمر يكونالمؤمن حراً فيه يستخدم رخصة الإباحة أو لا يستعملها ، ثم لنبحث بحثاً آخر . إذا كان هناك تعدد في طرف من طرفين فإن كان الطرفان متساويين في العدد ، فإن التعدد في واحدة لا يتأتى ، والمثل هو الآتي :

إذا دخل عشرة أشخاص حجرة وكان بالحجرة عشرة كراسي فكل واحد يجلس على كرسي ، ولا يمكن بطبيعة الحال أن يأخذ واحد كرسياً للجلوس وكرسياً آخر لمد عليه ساقه ، ولكن إذا كان هناك أحد عشر كرسياً ، فواحد من الناس ياخذ كرسياً للجلوس وآخر لستند عليه ، إذن فتعدد طرف في طرف لا ينشأ إلا من فائض . فإذا لم يكن هناك فائض ، فالتعدد ـ واقعاً ـ يمتنع ، لأن كل رجل سيتزوج امرأة واحدة وتنتهي المسألة ، ولو أراد أن يعدد الزواج فلن يجد .
إذن فإباحة التعدد تعطينا أن الله قد أباحه وهو يعلم أنه ممكن لأن هناك فائضاً . والفائض كما قلنا معلوم ، لأن عدد ذكور كل نوع من الأنواع أقل من عدد الإناث .

وضربنا المثل من قبل في البيض عندما يتم تفريخه ؛ فإننا نجد عدداً قليلاً من الدجيوك والبقية إناث . إذن فالإناث في النبات وفي الحيوان وفي كل شيء أكثر من الذكور .

وإذا كانت الإناث أكثر من الذكور ، ثم أخذ كل ذكر مقابله فما مصير الأعداد التي تفيض وتزيد من الإناث ؟
إما أن تعف الزائدة فتكبت غرائزها وتحبط ، وتنفس في كثير من تصرفتها بالنسبة للرجل وللمحيط بالرجل ، وإما أن تنطلق ، تنطلق مع من ؟ إنها تنطلق مع متزوج . وإن حدث ذلك فالعلاقات الاجتماعية تفسد .

ولكن الله حين أباح التعدد أراد أن يجعل منه مندوحة لامتصاص الفائض من النساء ؛ ولكن بشرط العدالة . وحين يقول الحق : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً } النساء 3 .. أي إن لم تستطع العدل الاختياري فليلزم الإنسان واحدة .

وبعد ذلك يقول الحق : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } النساء 3

وهناك من يقف عند ((مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) ويتجادل ، ونطمئن هؤلاء الذين يقفون عند هذا القول ونقول : لم يعد هناك مصدر الآن لملك اليمين ؛ لأن المسلمين الآن في خنوع ، وقد اجترأ عليهم الكفار ، وصاروا يقتطعون دولاً من دولهم . وما هبّ المسلمون ليقفوا لحماية أرض إسلامية . ولم تعد هناك حرب بين المسلمين وكفار ، بحيث يكون فيه أسرى و (( ملك اليمين)) .

ولكنا ندافع عنه أيام كان هناك ملك يمين . ولنر المعنى الناضج حين يبيح الله متعة السيد بما ملكت يمينه ، انظر إلى المعنى ، فالإسلام قد جاء ومن بين أهدافه أن يصفي الرق ، ولم يأت ليجئ بالرق .

وبعد أن كان لتصفية الرق سبب واحد هو إدارة السيد . عدَّدَ الإسلام مصاريف تصفية الرق ؛ فارتكاب ذنب ما يقال للمذنب : اعتق رقبة كفارة اليمين . وكفارة ظهار فيؤمر رجل ظاهر من زوجته بأن يعتق رقبة وكفارة فطر في صيام ، وكفارة قتل ... إلخ .... إذن الإسلام يوسع مصارف العتق .

ومن يوسع مصاريف العتق أيريد أن يبقى على الرق ، أم يريد أن يصفيه ويمحوه ؟
لنفترض أن مؤمناً لم يذنب ، ولم يفعل ما يستحق أن يعتق من أجله رقبة ، وعنده جوار ، هنا يضع الإسلام القواعد لمعاملة الجواري :

ـ إن لم يكن عندك ما يستحق التكفير ، فعليك أن تطعم الجارية مما تأكا وتلبسها ما يلبس أهل بيتك ، لا تكلفها ما لا تطيق ، فإن كلفتها فأعنها ، أي فضل هذا ، يدها بيد سيدها وسيدتها ، فما الذي ينقصها ؟ إن الذي ينقصها إرواء إلحاح الغريزة ، وخاصة أنها تكون في بيت رجل فيه امرأة ، وتراها حين تتزين لزوجها ، وتراها حين تخرج في الصباح لتستحم ، والنساء عندهن حساسية لهذا الأمر ، فتصوروا أن واحدة مما ملكت يمين السيد بهذه المواقف ؟ ألا تهاج في الغرائز؟

حين يبيح الله للسيد أن يستمتع بها وأن تستمتع به ، فإنه يرحمها من هذه الناحية ويعلمها أنها لا تقل عن سيدتها امرأة الرجل فتتمتع مثلها . ويريد الحق أيضاً أن يعمق تصفية الرق ، لأنه إن زوجها من رجل رقيق فإنها تظل جارية أمة ، والذي تلده يكون رقيقاً ، لكن عندما تتمتع مع سيدها وتأتي منه بولد ، فإنها تكون قد حررت نفسها وحررت ولدها ، وفي ذلك زيادة في تصفية الرق ، وفي ذلك إكرام لغريزتها . ولكن الحمقى يريدون أن يؤاخذوا الإسلام على هذا !!
يقول الحق : ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ )) فالعدل أو الأكتفاء بواحدة أو ما ملكت اليمين ، ذلك أقرب ألا تجوروا .

وبعض الناس يقول : ((أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ )) أي ألا تكثر ذريتهم وعيالهم . ونقول لهم : إن كان كذلك فالحق أباح ما ملكت اليمين ، وبذلك يكون السبب في وجود العيال قد اتسع أكثر ، وقوه : ((ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ )) أي أقرب ألا تظلموا وتجوروا ، لأن العول فيه معنى الميل ، والعول في الميراثأن تزيد أسهم الأنصاب على الأصل ، وهذا معنى عالت المسألة ، وإذا ما زاد العدد فإن النصيب في التوزيع ينقص .
وبعد ذلك قال الحق : النساء 4

وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا

اللهم تقبل منا صالح الأعمال
من خواطر الإمام / محمد متولي الشعراوي
*د يحيى
24 - سبتمبر - 2010
 20  21  22  23  24