ما أكثر الذين جاوروا بمكة خلال العصور الإسلامية، ولكن مجاورًا واحدًا هو الذي حمل اسم جار الله. إنه أبو القاسم محمود بن محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، المولود سنة 467هـ والمتوفَّى عام 538هـ(1). فقد كُتب له أن يجاور بمكة المكرّمة ويشتهر بهذا اللقب الذي غلب عليه، وهذه مزية عظيمة ومنقبة جليلة، وقد كان يحلم بحمل لقب (جار الله) وهو بعدُ مقيم ببلده خُوارزم، قبل أن يعقد العزم ويخرج منه غير مبالٍ بتلك التي حاولت أن تمنعه(2): قامتْ لِتَمْنَعَني المسيرَ تُماضِرُ سِيرِي تُماضِرُ حيث شئتِ وحدِّثِي حتى أنيخَ وبينَ أطماري فَتًى سأقيـمُ ثَمّ وثَمّ تُدفـنُ أعظُمي أَنَّى لها وغِرارُ عَزْمي باتِرُ أني إلى بطحاء مكة سائِرُ للكعبة البيت الحرام مجاورُ ولسوف يبعثُني هناكَ الحاشِرُ وعندما تحقق حلمه حمد الله على النعمة العظيمة التي أنعم بها عليه. قال في ديباجة أطواق الذهب: "ولما اقترحت عليك الأسباب المقصية عن الدار التي اقترفت فيها المعصية، عطفت عليّ في ذلك عطفَ حفيٍّ، وتداركتني بلطفٍ خفيٍّ، واصطنعتني بالنقل إلى أحب بلادك إليك، وأعزها وأكرمها عليك، وحلّيتني بدُمْلُج الفخر وسواره حين شرفتني بحج بيتك وجواره"(3). وقد افتخر بجوار مكة وبلقب جار الله في شعر له، فقال(4): أنا الجارُ جارُ الله مكة مَرْكَزي ومَضْرِبُ أوتادي ومَعْقِد أطنابي وزاد بعض أحبابه فقال: لقد حاز جارُ الله -دام جمالُه- تجدّدَ رسم الفضـل بعد اندراسِهِ فضائل فيها لا يشقّ غُبارُه بآثار جارِ اللهِ فاللهُ جـارُه(5)
ويبدو أنّ أسبابًا دعته –وهو مجاور- إلى زيارة بلده، فما أن قضى لُبانته حتى رجع مسرعًا إلى مكة؛ لأنه لم يكن يبغي بها بديلاً، وفي ذلك يقول: وما كان إلاّ زورةً نهضتي إلى فلما قضت نفسي ولله درّها كررت إلى بطحاء مكة راجعًا فمنْ يُلْقِ في بعض القُرَيّاتِ رحله ومن كان في بعض المحاريب راكعًا بلاد بها أوطان رهطي وأحبابي لُبانةَ دار زندُها غيرُ خيَّابي كأني أبو شبلين كرَّ إلى الغابِ فأمّ القرى ملقى لِرَحْلي ومنتابي فلَلْكعبةُ البيتُ المحرَّم مِحرابي(6) وكان خلال غيبته عن مكة لا ينفك عن ذِكرها والبكاء على أيامه بها. ولم يكن جار الله مجاورًا عاديًّا؛ إذ كان علمه وزهده وتفرُّده يدفع خاصة الناس وعامّتهم إلى السعي في خدمته، وقد كان في مقدمتهم أمير مكة أبو الحسن علي بن حمزة بن وهّاس(7) الذي اتخذ الزمخشريَّ أستاذًا مُربِّيًا، وهيّأ له مُقامًا طيِّبًا. يقول فيه جار الله: على بابِ أجيادٍ بنى لي منـزلاً وأنفـق في إتمامـه من تـلاده كركن شمام بالصفا متواصفا ثقيلاتِ وزن في البلاد خفائفا(8) وإذا كان أصحاب كتب الطبقات يذكرون مشيخة الزمخشري للأمير ويروون أشعارًا للأمير في مدح شيخه فإنّ الزمخشري لا يعدّ الأمير تلميذًا، وإنما يعدّه أخًا وحاميًا له كما يقول(9):
بمكة آخيتُ الشريفَ وفِتيةً وكان ابنُ وهّاسٍ لجنبيَّ فارشًا يُتابعُ إن نوظِرْتُ دَرْءًا لشاغِبٍ تُواليه من آل النبي غطارِفَا كما تفعلُ الأمُّ الحَفِيَّة لاحِفَا وينهضُ إن ذوكرتُ رِدْءًا مُكاتِفَا ويقول(10): ولولا ابنُ وهَّاسٍ وسابقُ فضلهِ رعيتُ هشيمًا وانتقيتُ مصرَّدَا وقد ألّف الزمخشري أعظم تآليفه، وهو "الكشاف" برسم هذا الأمير العالم، وفي مقدمته يقول: "فلما حططت الرّحل بمكة إذا أنا بالشعبة السّنِية من الدوحة الحسنية الأمير الشريف الإمام شرف آل رسول الله أبي الحسن عليِّ بن حمزة بن وهَّاس، أدام الله مجدَهُ، وهو النكتة والشَّامَة في بني الحسن، مع كَثرةِ محاسِنِهِم وجُمُوم مناقبهم، أعطشُ الناس كَبِدًا وأَلْهَبَهُم حَشًى، وأوفاهم رَغْبة، حَتّى ذكر أنه كان يُحدِّث نفسَه في مُدّة غَيْبَتي عَن الحجاز -مع تزاحُم ما هو فيه من المشادة- بقَطْعِ الفيافي وطَيِّ المهامهِ، والوفادة علينا بخُوارزم ليتوصَّل إلى إصابة هذا الغَرَض"(11). وبعد، فلقد كان لمقام جار الله في مكة أثر كبير في حياته وتراثه، فأهمّ مؤلفاته وُجِدت في الحرم المطهّر، ووُلِدت في حجر البيت المسَتَّر(12)، ومنها -فيما يبدو- "أساس البلاغة"، فالإشارات التي فيها ذِكر الحجاز ومكة والمدينة والطائف وغيرها تدلّ على أنه أُلِّف خلال المجاورة بمكة؛ ذلك أننا نجد أحيانًا في "الأساس" شيئًا من الاستطراد اللطيف الذي يشعر بوجود المؤلف الذي جَاوَرَ بمكة مدّة من الزمان ودُعِي "جار الله" كما ذكرنا، وهو يذكر عرضًا بعض ما كان يسمعه أو يراه في سكك مكة، وهذا هو الذي أريد أن أعالجه في هذه المقالة. يتوضأrفمن ذلك قوله عند ذِكره مادة (ت و ر): "وكان رسول اللهبالتَّوْر، وهو إناء صغير، وهو مذكَّر عند أهل اللغة. ومررتُ بباب العُمْرة(13) على امرأة تقول لجارتها: أعيريني تُوَيْرَتَكِ". وفي هذا المثال إشارة إلى استعارة المواعين التي كانت من الأمور المعروفة بين الجيران، وفيه الاستشهاد بمؤنث "تَوْر" مصغَّرًا. ويقول في مادة (ش ق ق): "وسمعتُ بمكة مَن يقول لحامل الْجُوالق: استَشِقَّ به، أي حرّفه على أحد شقَّيه حتى ينفذ الباب". ويبدو أنّ بعض الأبواب في مكة كانت ضيّقة. و يقول في مادة (ر ن ج): "سمعتُ صبيان مكة ينادون على المُقل: ولد الرانِج، وهو الجوز الهندي". والمقل هو ثمر الدوم، شبّهوه بثمر جوز الهند، ترغيبًا فيه وإعلاء من شأنه. وقد كان المقل كثيرًا بالحجاز وفي هذا يقول الزمخشري أيضًا مادة (ب هـ ش): "وفلان من أهل البهش، أي من أهل الحجاز؛ لأنّ البهش وهو المقل الرطب ينبت به".
بمكة آخيتُ الشريفَ وفِتيةً وكان ابنُ وهّاسٍ لجنبيَّ فارشًا يُتابعُ إن نوظِرْتُ دَرْءًا لشاغِبٍ تُواليه من آل النبي غطارِفَا كما تفعلُ الأمُّ الحَفِيَّة لاحِفَا وينهضُ إن ذوكرتُ رِدْءًا مُكاتِفَا ويقول(10): ولولا ابنُ وهَّاسٍ وسابقُ فضلهِ رعيتُ هشيمًا وانتقيتُ مصرَّدَا وقد ألّف الزمخشري أعظم تآليفه، وهو "الكشاف" برسم هذا الأمير العالم، وفي مقدمته يقول: "فلما حططت الرّحل بمكة إذا أنا بالشعبة السّنِية من الدوحة الحسنية الأمير الشريف الإمام شرف آل رسول الله أبي الحسن عليِّ بن حمزة بن وهَّاس، أدام الله مجدَهُ، وهو النكتة والشَّامَة في بني الحسن، مع كَثرةِ محاسِنِهِم وجُمُوم مناقبهم، أعطشُ الناس كَبِدًا وأَلْهَبَهُم حَشًى، وأوفاهم رَغْبة، حَتّى ذكر أنه كان يُحدِّث نفسَه في مُدّة غَيْبَتي عَن الحجاز -مع تزاحُم ما هو فيه من المشادة- بقَطْعِ الفيافي وطَيِّ المهامهِ، والوفادة علينا بخُوارزم ليتوصَّل إلى إصابة هذا الغَرَض"(11). وبعد، فلقد كان لمقام جار الله في مكة أثر كبير في حياته وتراثه، فأهمّ مؤلفاته وُجِدت في الحرم المطهّر، ووُلِدت في حجر البيت المسَتَّر(12)، ومنها -فيما يبدو- "أساس البلاغة"، فالإشارات التي فيها ذِكر الحجاز ومكة والمدينة والطائف وغيرها تدلّ على أنه أُلِّف خلال المجاورة بمكة؛ ذلك أننا نجد أحيانًا في "الأساس" شيئًا من الاستطراد اللطيف الذي يشعر بوجود المؤلف الذي جَاوَرَ بمكة مدّة من الزمان ودُعِي "جار الله" كما ذكرنا، وهو يذكر عرضًا بعض ما كان يسمعه أو يراه في سكك مكة، وهذا هو الذي أريد أن أعالجه في هذه المقالة. يتوضأrفمن ذلك قوله عند ذِكره مادة (ت و ر): "وكان رسول اللهبالتَّوْر، وهو إناء صغير، وهو مذكَّر عند أهل اللغة. ومررتُ بباب العُمْرة(13) على امرأة تقول لجارتها: أعيريني تُوَيْرَتَكِ". وفي هذا المثال إشارة إلى استعارة المواعين التي كانت من الأمور المعروفة بين الجيران، وفيه الاستشهاد بمؤنث "تَوْر" مصغَّرًا. ويقول في مادة (ش ق ق): "وسمعتُ بمكة مَن يقول لحامل الْجُوالق: استَشِقَّ به، أي حرّفه على أحد شقَّيه حتى ينفذ الباب". ويبدو أنّ بعض الأبواب في مكة كانت ضيّقة. و يقول في مادة (ر ن ج): "سمعتُ صبيان مكة ينادون على المُقل: ولد الرانِج، وهو الجوز الهندي". والمقل هو ثمر الدوم، شبّهوه بثمر جوز الهند، ترغيبًا فيه وإعلاء من شأنه. وقد كان المقل كثيرًا بالحجاز وفي هذا يقول الزمخشري أيضًا مادة (ب هـ ش): "وفلان من أهل البهش، أي من أهل الحجاز؛ لأنّ البهش وهو المقل الرطب ينبت به".
ويقول في مادة (خ ض د): "ومنه قول صبيان مكة في ندائهم على القِثاء: العَثَرِي العَثَرِي عثَر فتكسَّر"، أي أنهم يمدحون طراوته، وما يزال للقثاء هذا الشأن في المشرق، وأمّا في المغرب فإنها لا تؤكل إلاّ نادرًا. والنداء على الفواكه عادة قديمة، فالشاعر الدمشقي الملقّب بالوأواء كان -فيما قيل- مناديًا على الفواكه(14)، وما تزال هذه العادة معروفة إلى الآن. ويقول في مادة (ع ر د): "وسمعتُ في طريق مكة صبيًّا من العرب وقد انتحى عليه بعير يقول: ضربتُه فَعَرَّد عني"، ومعنى عَرَّد: انحرَفَ. وما يزال الأطفال في الجزيرة يقودون الإبل فتنقاد إليهم، ويركبونها فتسرع بهم(15). ويجعلنا الزمخشري نتصوّر هيئته جالسًا في الحرم المكي برجله الخشبية التي كانت تثير فضول بعض الغرباء البسطاء، وذلك إذ يقول في مادة (ع ض ب): "ورجلٌ معضوب (بالضاد): زَمِنٌ. ووقَفَ عليَّ شيخٌ من أهل السَّراة(16) في المسجد الحرام فقال لي: ما عَضَبَك؟". ومعنى السؤال: ما سبب زمانتك. وسؤال هذا الشيخ البدوي القادم من نواحي مكة سأله للزمخشري عالم معروف هو أبو الحسن الدامغاني، فأجاب: "إنني في صباي أمسكتُ عصفورًا وربطتُه بخيط في رجله، وانفلت من يدي فأدركْتُه وقد دخَل في خَرْقٍ فجَذَبْتُه فانقطعتْ رجلُه في الخيط، فتألّمتْ أمّي لذلك وقالت: قطع الله رِجْلَ مَن قَطَع رِجْلَه. فلمّا وصلتُ إلى سِنّ الطّلب رحلتُ إلى بُخارَى لطلب العلم فسقَطْتُ عن الدابّة فانكسرتْ الرِّجل وعمِلْتُ عملاً أوجبَ قَطْعَها"(17). ونجد الزمخشريَّ في سياق شرحه لبعض الألفاظ يذكر بعض عوائد أهل مكة وكلماتهم. يقول في مادة (ص ق ر): "ورُطَبٌ مُصَقَّر: مَصْبُوبٌ عليه دِبْس الرُّطَب، وأهل مكة يصبُّون عليه العسل في البَراني". والبراني جمع برنية، وهي إناء معروف يحفظ فيه العسل وغيره، ولست أدري هل ما يزال أهل مكة يفعلون هذا أم لا.
ويقول في مادة (د ق ق): "ورأيت العرب يسمّون الكُزُبرة الدقّة، وسمعتُ باعة مكة ينادون عليها بهذا الاسم". وقد كان النداء على البضاعة من لوازم أسواق مكة وغيرها كما تقدم. ومثل هذا قوله في مادة (ش ر ق): "شَرقت الثمرة إذا قطفتها، ويقولون في النداء على الباقلَّى: شرق الغداة طري أي قطف الغداة". وثمة في "الأساس" ما يشير إلى لقاء جار الله بعض الحجاج والمعتمرين، ومنهم وافدون من بلاد بعيدة. يقول في مادة (ل ث م): "ولَثَم فاهُ ولَثََّمه، وناسٌ من المغاربة يقال لهم: الْمُلَثِّمة"(18). والملثِّمة أو الملَثّمون هم الذين أسسوا دولة المرابطين، وقد نبتت فكرة تأسيسها في رأس أحد زعماء الملثّمين عندما كان راجعًا من الحج إلى بلده(19). وثمة حكاياتٌ تُروى في المصادر عن سبب اتخاذهم اللثام(20)، ومما جاء في مدح بعض الشعراء: لَمّا حَوَوْا إحرازَ كلِّ فضيلـة غَلَب الحياءُ عليهمُ فتَلَثَّمُوا وقد كان الزمخشري معاصرًا لهذه الدولة، وإدخاله كلمة "الملثِّمة" في معجمه قد يدل على أنه رأى بعضهم في موسم الحج(21)، ولا وجود للكلمة في المعاجم القديمة، وقد استدركها الشيخ مرتضى على صاحب "القاموس" أخذًا من "الأساس" فيما يبدو. قال: "والملثّمون قوم من المغرب مَلكوا الأندلس"(22). وفي مادة (ك ت ب): "وسَأَلني بعض المغاربة ونحن في الطواف عن القَدَر؟ فقُلْتُ: هو في السماء مَكْتوب، وفي الأرض مَكْسوب". ويبدو أنّ هذا البعض من المغاربة كان يسمع عن الزمخشريِّ المعتزليِّ فأراد أن يتأكد من مذهبه الذي كان يجاهر به وينتصر له، وقد عرّض بل صرّح في "الكشاف" مرارًا بأهل السنّة وسمّاهم المجبرة، أي الذين يقولون بالجبر. ويذكرنا قول الزمخشري "وفي الأرض مسكوب" بنظرية الكسب التي تنسب إلى أبي الحسن الأشعري والتي قيل فيها: أدقُّ من كَسْب الأشعري.
ونجد انتصاره لمذهبه حتى في "أساس البلاغة" جاء في مادة (ص ح ح) ما يلي: "وتقول: مذهب أهل العدل هو المذهب الصحيح، وهو الحق الصريح، وسائر المذاهب تُرّهاتٌ صَحاصِح، لا سدائد ولا صَحائح". ونشير بمناسبة ما ورد في "الأساس" من ذِكر المغاربة إلى ما تذكره بعض المصادر من أنّ الزمخشري رحل أول مرة من خوارزم إلى مكة لقراءة كتاب سيبويه على ابن طلحة اليابري(23)، وهو عالم مغربي أندلسي كان مجاورًا بمكة، وكان يدرّس النحو والكلام والتفسير، ويبدو من عقيدة له وصلت إلينا أنه كان كسائر المغاربة من أهل السنّة والجماعة، وكان له تلاميذ يبدو أنهم هم (أو تلاميذ أبي عبد الله المكناسي، إمام المالكية بالحرم الشريف)(24) الذين وقع بينهم وبين الزمخشري جدال فحماه الأمير الذي كان على مذهبه، وفي هذا يقول(25):
زأرتَ وراءَ دين الحق زأرًا= وقد نَبَحتْ كلابُ المغربِيّ ومَنْ يغضَبْ لدين الله يَجْمَعْ=مَراضِيَهُ إلى الأجر السَّنِيّ وليس الجبْرُ والتشبيهُ إلاّ =بقيّة إرثِ دِينٍ جاهِلِيّ فَقُمْ بالعـدل والتوحيدِ فيـه = تُقِمْ يا ابن النبيّ هدى النبيّ كما أشير إلى أنّ القاضي عياض السبتي استجاز الزمخشري فلم يجزه(26)، وكان هذا سببًا في حملة على الزمخشري نجدها مفصلة في "أزهار الرياض في أخبار عياض"(27).
أعود بعد هذا إلى استعراض بعض ما يوجد في "الأساس" من سماعات الزمخشري اللغوية خلال مجاورته بمكة وخروجه منها أحيانًا إلى بعض جهاتها، ومنها الطائف التي ذكرها أكثر من مرة، قال في مادة (ح م ط): "الطائف بلد النَّبِق والحَماط، وهو تينٌ صَغار مُسْتدير، ورأيتُ شجرَهُ هناك أدواحًا عِظامًا وكأيّن من حماطَةٍ قد استظلَلْتُ بها وقِلْتُ تحتها وأكلتُ من ثِمارِها". وقال في مادة (ب خ ن ق): "وتَبَخْنَقَت المرأةُ: تَبَرْقَعَتْ. وأمْلَتْ عليّ أمُّ هِبة أمّ مثوايَ بالطائف في كتاب استَكْتَبَتْنِيه إلى ابنتها بمكة: خَفِرة تقول لكم يا عمّتي: أشكو إليكِ حرّ العُرْي في وجهي فأرسلي إليّ مِن مخاضِب حِنّائِكُمْ ما أتبخْنَقُ به". ويستفاد من هذه الرسالة الطريفة ومن المادة قبلها أنَّ الزمخشري كان يقضي أيّامًا في الطائف. وقوله: "أمّ مثواي": يعني صاحبة المنـزل. وقوله: "فأرسلي إليّ من مخاضب حنائكم" يفسّره قوله في مادة (خ ض ب): "وأعطني من مخاضب حنائك، وهي خِرَق الخضاب". وقد تحدّث عن وجوده بالطائف مرة أخرى في مادة (ر خ د) فقال: "وحضرنا مِنْضَحة عَرَفَة بالطائف فأردنا أن نأخذَ شَيْئًا من قَضِّها، فقال عرَفَة: خُذوا من رَخَدِه، أراد من ضَعيفِهِ وناعمِهِ الذي هُو قريبُ عهد بالنجوم". والمنضحة: من نضح الرمان أو الزيتون، أي تفطّر. "وقريب عهد بالنجوم": أي بالطلوع والخروج والظهور. وتدل هذه الأخبار على معايشة الزمخشري ومخالطته أهل الطائف، ولعله كان يخرج إليهم في الصيف في صحبة الأمير أو تحت رعايته، وقد سجّل بعض عباراتهم، قال في مادة (أ ص ل): "وسمعتُ أهل الطائف يقولون: لفلان أصيلة، أي أرض تليدة يعيش بها".
ويقول في مادة ش ب ب: "وتقول: كان عصرُ شَبابي أحْلى من العَسَل الشبابي، منسوبٌ إلى بني شبابة من أهل الطائف"(28). ومن الطائف خرج -فيما يبدو- إلى بلدة تُرَبَة التي ذكرها في مادة (ت ر ب). قال: "ووطِئْتُ كل تُرْبة في أرض العرب فوجدت تُرَبَة(29) أطيب التُّرَب وهي واد على مسيرة أربع ليال من الطائف، ورأيت أناسًا من أهلها، وكان عندنا بمكة التُّرَبِيُّ الْمُؤْتَى بعض مزامير آل داود". ويستفاد من هذا النص أنّ الزمخشري لطول مجاورته أصبح يعدّ نفسه من أهل مكة، ويدل على ذلك قوله: "وكان عندنا بمكة"(30). ويبدو أنّ التُّرَبي صاحب الصوت الحسن كان يقرأ القرآن أو يؤذّن في الحرم. وقول الزمخشري: "وطئت كل تُرْبة في أرض العرب" يتجلّى في بعض ما دوّنه من لغة عرب زمانه. فمما سمعه من أهل الحجاز قوله في مادة (ج ر م): "ويقول .rأهل الحجاز: أعطيتُه كذا جَريمًا من التمر، وهو مُدُّ النبي وقوله في مادة (ح ر س): "ومن المجاز: فُلانٌ حارِسٌ من الْحُرّاس، أي سارِقٌ.. وقد رأيته سائرًا على ألسِنَةِ العرب من الحجازيين وغيرهم، يتكلّم به كُلُّ واحدٍ منهم، يقول الرَّجل لصاحبه: يا حارس، ما أنت إلاّ حارِسٌ، وحَسِبناه أمينًا فإذا هو حارس".
وقوله في مادة (ع هـ د): "ويقول أهل الحجاز: أبيعك الْمَلَسَى لا عُهْدة". والملَسَى أن يبيعَ الرجلُ الشيءَ ولا يَضْمَن عُهْدَتَه. وقوله واصفًا سمن أهل الحجاز في مادة (س ل أ): "وما دام السَّمْن خالصًا طَرِيًّا فهو سِلاء. وهو عند أهل الحجاز سَمْنُ الغَنَم الصّافي الرّقيقُ الطيِّبُ الرِّيحِ الذي يُشْبِه ماءَ الورْد في القَوارِير لا يغيِّرُهُ مرور الْمُدَدِ الطِّوال". والزمخشريُّ يسجّل هنا سمة حضارية عند أهل مكة تتمثل في العناية الشديدة بحفظ مادة أساسية تستعمل في عدد من الأطعمة. ولقد رأينا الزمخشري -فيما سبق- يدوّن بعض ما سمعه من كلام صبيان مكة وغيرها، وها هو في مادة (ن هـ ر) يدوّن كلمة سمعها من بعض الشحاذين، قال: "وسمعت من بعض شحاحذة الحجاز يقول لأصحابه: ليس الرَّجُلُ مَن يَكْتَرِثُ لأول نَهْرَة ولا الثانية ولا الثالثة". وهو هنا يحذو حذو الجاحظ الذي هو من مصادره ويروي عنه في "الأساس" أحيانًا كقوله في مادة (ق و ر): "وحَكى الجاحظ في كلام بعض الشُّطّار: لا يكون الفتى مُقوِّرًا، وهو الذي يقوِّر الجُرادِق فَيَأْكل أوساطها ويَدَع حُروفَها". ومن سماعاته من أهل الحجاز قوله في مادة (أ هـ ل): "وقد اسْتَأْهَلَ لذلك، وهو مُسْتَأْهِلٌ له. سمعت أهل الحجاز يستعملونه استعمالاً". وذكر في مادة (ك ر م) أنه طلب مرة خدمة من مدني، فقال: "نَعَمْ وكُرْمتَيْن. وقال في مادة (ج ر ح): "وكان يقول حاكم المدينة للخصم إذا أراد أن يوجّه عليه القضاء: قد أقصصتُك الجُرْحَة، فإن كان عندك ما تجرح به الْحُجّة التي توجَّهَتْ عليك فَهَلُمَّها، أي أمكنْتُك من أن تقصّ ما تَجْرح به البَيّنة"