رأيه في موكل الربا وإنكاره الإجماع كن أول من يقيّم
أستاذنا وبهجة أيامنا زهيرا , يا سيدي: يحدث لي أحيانا أنني أضع الطعام أمامي وأنا مشته له, فتشغلني أبياتك عنه, وأحيانا أكون إلى النوم تواقا وأمر على قصيدة من عرائسك فلا يسعني إلا تمردا على سلطان النوم وخروجا على إمرته في سبيل الإلتذاذ بروائق نكتك في شعرك, وإني لأعلم متى تكون في قمة شاعريتك وغاية منتك... وأشكر للأستاذة الفاضلة ضياء إذنها الكريم وكلماتها الرقيقة.. رأيه في وقوع اللعن على موكل الربا وإنكاره حجية الإجماع: انتصب الشيخ قائماً كالسهم كعادته بعد صلاة الفجر يلقي كلمته الفجرية أو قل قذيفة من قذائفه في ساحة المصلين معتمداً على عُجرة من أعواد المنبر, فترى المبغضين له يتسللون سراعاً, ويكأن نقل الجبال حجراً حجراً أهون عليهم من سماع حديثه هنيهة, ولست ألومهم ولا ألومه فالأمر كما قال الأول: نحن بما عندنا وأنت بما عنـ = دك راض والرأي مختلف وجَمْعُ الناس على مذهب واحدٍ من المستحيلات عقلاً وشرعاً, ومن تَكليف ما لا يُطاق الذي تنزه الشريعة عنه, وانظر إن شئت إلى قوله تعالى:( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ.) قال بعض السلف:'' الإشارة للاختلاف أي للاختلاف خلقهم'', وقد أخطأ من حفظ باباً من العلم وأراد إدخال جميع الناس فيه. رجع الحديث إلى القذيفة: قال الشيخ -وكنت حاضراً- ما معناه: لم أجد في كتاب الله آيةً تدل على أن العقاب المترتب على ارتكاب كبيرة الربا يقع على غير آكله,بل إن إيذانَ الله بالحرب وسخطه إنما هو موجه لآكل الربا, ثم سكت وتركها معلقةً, مادةً للتأويل ومحلاً للحرز والتخمين, ولم يتجاسر أن يقول بعبارة قاطعة لألسنة الاحتمال, أنه لم يجد في كتاب الله دليلاً على دخول الموكل مع الآكل في الوعيد القرآني . حدثت وراء ذلك مشاحنات وملاسنات لا أدري كيف خرج منها, واجتمعت به بعد ذلك بيومين في مكتبه, وفاتحته فيها مكاشفة ومصارحة بعد أن أبديت له رغبة في معرفة مأخذه وإدراك كلامه على حقيقته على وجه الاستفسار لا الإنكار: فجمع الكلام في نفسه وصادفت وقتاً انشرحت فيه نفسه للكلام, وانبسطت للمفاوضة و الجدال فكان هذا الحوار بعد أن ذكر الكلام الذي نقلته آنفا -أرويه بالمعنى-: قلت: هذه لعمري معارضة صحيحة لو لم تأت السنة بالتسوية بين هذا وذاك بل وغيرهما في العقاب فإن السنة شارحة للكتاب مبينة لما أبهم فيه ذاكرة لما سكت عنه, وقد روى مسلم في صحيحه وغيره الحديث المرفوع المشتهر على الألسنة: لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه, وفي رواية عند مسلم قال وهم سواء. قال: أنا لا أسلم بصحة هذه العبارة -أي وهم سواء- قلت: لماذا? قال: في هذه الرواية أبو الزبير وهو مدلس (قلت أنا طه: سقط عني اسم الرواي ولعله أبو الزبير) قلت: مسلم لا يخرج في صحيحه إلا ما صح سنده والتدليس ليس مانعا من قبول الرواية إذا كان المدلس ثقة وصرح بالتحديث, قال : إلينا بكتاب من كتب الجرح والتعديل فجئنا بكتاب تقريب التقريب لسيد الحفاظ وهو مختصر مفيد يذكر فيه ابن حجر خلاصة الرأي في الراوي بلفظة أو اثنتين بعيدا عن التطويل وسرد الأقوال. قال: هذا الحافظ يقول فيه مدلس صدوق وقد عنعنه قلت: لا بأس, ومسلم قد أخرجه للمتابعة والتقوية, وبقي عليك الحديث الذي قبله عند مسلم وهو حديث الباب, فلو سلمنا تنزلا أن الحديث اكتنفه تدليس وأسقطنا عبارة وهم سواء فهذا لا ينفي بقاء الوعيد واستوجاب اللعن لكل الأصناف بالحديث الأول وغيره عند أصحاب السنن الخالي من هذه العبارة. قال: كل حديث فيه لعن الله فلان في كتب السنة أنا في مرية منه وكتب السنة تحتاج إلى فريق من العلماء يعيدوا نخلها. قلت: لا بأس, وهذا غير ما نحن فيه وسيكون له حظ من الكلام فيما بعد. ثم قلت: فالإجماع الواقع من القرن الأول إلى هلم جرا ?لم يخالف في ذلك فقيه مجتهد ولا إمام منتقد, مع توفر الدواعي وانتفاء الموانع, والعلماء لم يتركوا من الأحكام شيئا إلا خاضوا فيه وأجروا في مضماره خيول الفكر والاجتهاد, حتى ظهر فيهم حشوية الفروع.كيف يفوتهم هذا? قال: وفتح صحيح البخاري وكان في يده ثم جعل يقلب في بعض صحائفه, ثم قال: هذا الحافظ ينقل عن مالك قوله بعدم صحة صلاة العبد المملوك إماما للناس,-قلت فلتراجع هذه المسألة في مظانها فلست أضبطها كما هي لطول العهد بيني وبين الكلام- وخالفه الأئمة الثلاثة. ثم قال: هذا مالك لم يسبق لهذا الرأي الغريب وقد خالفه غيره كما ترى فلم ألام على رأي عن لي ولم أسبق إليه, وأرمى بالزندقة?? قلت: معاذ الله.. وقد أفتى الشافعي بجواز نكاح البنت من الزنا لأبيها وهي على شناعتها لم تحط من قدره وإمامته. قال: ثم إنني أنكر حجية الإجماع, وليس هو بمصدر من مصادر التشريع كما يزعمون, وليس ثمة إجماع, وذكر أقوالاً لبعض أهل العلم في استحالة وقوعه. قلت: قوله تعالى: ''ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين'' الآية وذكرت له حديث : ''لا تجتمع أمتي على ضلالة'' وأشياء أخرى, لكنه ردها ولم يحفل بها.. وانفض الجمع بعد ذلك على ذلك, وكل على مذهبه متمسك به, حتى كان يوم أتى فيه إلى المكتبة..وللحديث بقية... |