الهروب من مدرسة كن أول من يقيّم
كنت في الثالثة من عمري عندما أرسلتني أمي إلى المدرسة لأول مرة : كانت تجربة مريرة لن أفلح بالتعبير عنها ولا عن ذلك الإحساس الجائر بالظلم الذي انتابني منها في ذلك الزمن ، إلا أنني وصديقاتي الصغيرات مثلي كنا نردد يومياً نشيدنا الخاص الذي لا زلت أذكر مطلعه وهو يقول :
أنا زغيرة وظلموني
بالمدارس حطوني
لما يبكوا عليي
يبكوا عليي الجيران ...
وكنت كلما مررت ببيت الجيران وانا ذاهبة صباحاً إلى المدرسة ، أرى جارتنا تصحب أولادها إلى سفرة السلم ، تلاحقهم بالتوصيات وتذكرهم بما عليهم أن يفعلوه ، وهي تلعلع وراءهم بالصوت حتى بعد أن يغيبوا عن نظرها . كنت أتوقع منها في كل يوم ، أن تراني ، وأن تبكي علي ولو لمرة واحدة ، لكنها لم تكن تنتبه لوجودي ولا تنظر إلي حتى حين أمر من أمام باب شقتهم وأنا أحمل محفظتي الثقيلة ، أجرها بصعوبة ، وأحاول الجري وراء أختي الكبيرة التي كانت تسرع كثيراً وهي تنزل الدرج رغبة منها في ملاقاة صديقاتها اللواتي كن بانتظارها أمام باب البناية .
كانت النهارات طويلة ومضنية بعيداً عن البيت ، في تلك المدرسة القريبة منه في منطقة " التبانة " وهي تقع ملاصقة لمدرسة اللقمان الرسمية للبنات التي كانت ترتادها أختي الكبيرة . لم تكن المدارس الحكومية تقبل التلاميذ قبل سن السادسة ، لكن أمي كانت محبة " للعلم " لدرجة أنها كانت تستعجل علينا به بمجرد بلوغنا الثالثة من العمر فتضعنا في هذا النوع من المدارس الخاصة استباقاً منها للزمن . في الحائط الذي كان يفصل بين المدرستين ، كان هناك فجوة أتواصل من خلالها مع أختي أثناء الفرصة ، فتمرر لي أحياناً قطعة من سندويشتها عندما أكون جائعة ، أوتعطيني " فرنكاً " أشتري به كعكة لأن " خرجيتي " التي كنت آخذها في الصباح غالباً ما كانت تضيع مني ، أو أصرفها قبل الفرصة ، أو يسرقها مني أحد .
مدير هذه المدرسة كان يدعى الأستاذ : " أحمد أبو حلقة " . ومن علاماته المميزة أنه كان يلبس " برنيطة " على رأسه يخفي تحتها صلعته المدورة والملساء تماماً والتي كنت أطيل النظر إليها ، وأتمعن فيها في كل مرة كان ينزع فيها " البرنيطة " عن رأسه لسبب ما . كانت رأسه بوقتها من الأعاجيب التي صادفتني في حياتي وكنت أنظر إليها كما لو كانت " برج إيفل " . لحسن حظي ، كان الأستاذ أحمد أبو حلقة محباً لي ، مولعاً بكل ما أقوله وذلك منذ اليوم الأول الذي أتيت فيه مع أمي للتسجيل في مدرسته ، وكان كلما رآني في الملعب ، استدعاني من بين التلاميذ ليطرح علي أسئلة كثيرة ، بدون فائدة ، برأيي ، من نوع :
ــ كيف البابا ? ماذا يفعل هذه الأيام ?
أو يسألني :
ــ ما رأيك في المعلمة سهام ? وماذا علمتكم اليوم ?
a , o ,u ,e ,i ، بس ?
......... وكنت أجيب بهذا الكلام العادي الذي لو قلته لأي شخص آخر ، أو في البيت مثلاً ، فلن يهتم به أحد :
ــ البابا منيح ، بالأمس ذهب إلى الصيد ، أصطاد ست " سمنات " لكنه أضاع منها واحدة وقعت في النهر وما استطاع " رنغو " ( كلب أبي ) أن يلحقها .......
ــ كتبتهم لنا على اللوح ثم قرأناهم ، ثم نسخنا منهم صفحة كاملة ، والذي كان ينتهي من النسخ ، يتكتف ويضع إصبعه على فمه حتى يرن الجرس .
ــ وهي ماذا تفعل أثناء هذا ? يسألني
ــ هي تحيك كنزة الصوف !
لم أكن أعرف ما الذي كان يروقه في إجاباتي ، بل وأحياناً كنت أجده يقهقه لها قهقهة عالية ، ما كنت أعيه تماماً ، هو أنني صرت أمتلك لديه سلطة ما لا أدري كنهها وأنه بإمكاني استغلالها ! .......
والموضوع الذي كان يشغل تفكيري في تلك الأيام هو معاناتي الشديدة في أيام المدرسة .
وفي أحد الأيام ، صممت على الهرب ، ووضعت له برأسي خطة بدأت بتنفيذها منذ ساعات الصباح الأولى وذلك بأنني صرت أرفع إصبعي بإلحاح لطلب الأذن بالخروج من الصف حتى ظنت " الست سهام " بأن بي ضرراً ما وخافت من العواقب ، فأذعنت وأذنت لي أخيراً بالذهاب إلى المرحاض .
كان الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به غرفة الإدارة ، وكما لاحظت في أول مرة ذهبت فيها مع والدتي للتسجيل ، هو هدفي ، لأن لها باباً يؤدي إلى الشارع مباشرة ، يدخل ويخرج منه المعلمات والمدير فلا يضطرون لعبور البوابة الرئيسية التي كان يحرسها " أبو حسن " بواب المدرسة الرهيب . لذلك صرت أروح مرة إلى قرب المراحيض ، ومرة إلى حنفيات المياه التي في الملعب ، ثم أعود لأتلكأ وأنا أمر من أمام باب النظارة لعل الأستاذ احمد يراني ويناديني كعادته .
بالفعل ، لم يمض وقت طويل حتى رأيته خارجاً من هناك ينادي على " أبو حسن " البواب ليعطيه بعض التعليمات ..... ما إن رآني حتى أشار لي بأن آتي وسألني عما أفعله خارج الصف ? لأول مرة احترت كيف أجيب ، ولأول مرة أيضاً تبلبلت إجابتي وأنا أدعي أمامه بأن المعلمة سهام هي التي طلبت مني الخروج من الصف .... وفي ذلك الوقت ، وقبل أن أتوغل كثيراً في كذبتي ، رأيت " أبو حسن " يعود إليه لأمر هام ، طالباً منه مرافقته إلى أحد الصفوف .
ووجدتني بقرب باب النظارة كما كنت أرغب ، وكانت خالية ، ووجدت الفرصة سانحة لأتسلل منها إلى غرفة المدير حيث يوجد الباب المؤدي إلى الشارع . كان الباب مفتوحاً وكانت الحرية في ذلك اليوم بإنتطاري .
ما إن وجدتني وحدي في الشارع ، حتى شعرت بالخوف ، وكان بيت جدتي هو الأقرب إلى المدرسة فهو لا يبعد عنها سوى أمتار لا تزيد على العشرين ، فتوجهت إليه . على زاوية الشارع ، وقبل أن أصل إلى البيت ، رأيت جدي واقفاً بصحبة أحد رجال الحارة يتحادثان ، ففرح بي لما رآني كعادته ثم عاد واستغرب كيف أكون هنا لوحدي وفي هذا الوقت من النهار وسألني :
ــ كيف خرجت من المدرسة يا جدو ? ألم يرك الأستاذ أحمد ?
ــ آخ يا جدي ، كيف أحكي لك القصة ? القصة وما فيها هي أن هذا الأستاذ أحمد ترك الله وعبدني . ( وهي عبارة شائعة جداً عندنا في طرابلس ) أجبت .
ضحك جدي وصديقه ثم قال :
ــ كيف ذلك ? إحكي لي
ــ أنا لا أحب مدرسته ولا أريدها ، لذلك تركتها ! أمي هي التي تجبرني على الذهاب إليها وانا لا أريد! قلت .
ــ ما بيصير يا جدي ، لازم تروحي على المدرسة حتى تصيري " فهيمة " وتأخذي الشهادة ، قال .
ــ " أنا أعرف كل شيء ! " ، قلت بتصميم وانفعال كبير ، أنا أعرف كل شيء وعندي الشهادة في البيت لكن أمي خبأتها في الخزانة لكي ترسلني إلى المدرسة ، اسألها يا جدي ، هي خبأتها وتقفل عليها بالمفتاح ......
هكذا كان شعوري في ذلك الوقت وكان شعوراً مضنياً ، كل أيامي في تلك المدرسة بعيدة عن البيت كانت أياماً مضنية ، ولولا أختي التي كانت تحنو علي على طريقتها ، فهي كانت تعنفني في كل مرة تعطيني فيها شيئاً ، أو تشتري لي سندويشة فلافل عند الظهر ، وتهددني في كل مرة بأنها آخر مرة تشتري لي فيها شيئاً ، لعانيت منها أضعافاً وأنا لا أزال أحتفظ بذاكرتي بذلك الشعور الجائر وأحفظ لأختي هذا الجميل .
|