البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : التاريخ

 موضوع النقاش : أحاديث الوطن والزمن المتحول    قيّم
التقييم :
( من قبل 39 أعضاء )

رأي الوراق :

 ضياء  
11 - يونيو - 2006
كان الأستاذ السعدي قد طرح ذات مرة تساؤلاً حول علاقة التاريخ بالسيرة الذاتية . حيرني بوقتها ذلك السؤال لأن المسألة تبدت لي بديهية ، ولما فكرت فيها ، استنتجت بأن التنظير لها صعب للغاية . فالسيرة الذاتية هي تاريخ شخصي تتقاطع أحداثة مع مجريات الحدث العام ، بالصدفة يحدث هذا التلاقي في الزمان والمكان ، هكذا يبدو ......  إنما مقاصد السؤال الذي طرحه كانت ربما : كيف تحكي السيرة الذاتية التاريخ العام ?

عندي مثال ساطع على هذا تعلمت منه أكثر مما تعلمت من كتب التاريخ . فجدتي ، رحمها الله ، كانت تقص على مسامعنا سيرة عمرها الطويل وتعيد تردادها بدون كلل أو ملل . منها تعلمت تاريخ طرابلس ، تقصه مشفوعاً بأخبار الذين كانوا من حولها ممن مات ، أو عاش ، أو ولد ،  قبل " الطوفة " مثلاً( طوفان نهر أبو علي ) أوبعدها ، ومن كسر يده في الزحام ، أيام ثورة القاووقجي ، أو عندما جاء ابراهيم هنانو إلى طرابلس ، وأين اختبأوا أيام " ثورة شمعون " . وتحكي أيام الأنكليز وكيف انتشروا بوقتها على شاطىء البحر ، وكيف جاء الفرنسيون بعسكر السنغال ، وعن أيام السفر برلك ورحلتهم مع الجوع والعذاب والجراد والمرض آنذاك ، وعن جيرانها اليهود وعاداتهم ، وكيف كانت طرابلس في ذلك الحين : الأحياء ، البيوت ، الطرقات ، النهر ، السوق ، القلعة ........ تاريخاً موثقاً بالأسماء والأرقام والوقائع من ذاكرة نبيهة صاحية ، ظلت طوال حياتها تنظم وتؤطر وتسلسل تلك المعلومات وتعيدها على مسامعنا على شكل حكايا ، تاريخاً متماسكاً كانت وحدها تعرف سره ، وتعرف كيف تمسك به بقبضتها الواثقة . كيف لا وهي من كان يعرف كيف يحصي ويحفظ كل شيء : الأرقام ، التواريخ ، الأعمار ، و عدد درجات السلالم التي تطلع عليها ، أو عدد حبات الزيتون التي تأكلها في كل وجبة ، ومواقيت الفصول والأعياد والزراعة في الحساب الشرقي وبحسب هلة القمر ، وحتى لو قامت بحشو الكوسى فإنها ستضع فيه " الحبة فوق الحبة ، والرزة فوق الرزة " تحسبها بالمثقال .

 ولطالما تساءلت عن سبب إصرارها على إعادة تلك القصص التي كنا نتذمر منها ونتأفف لها أحياناً . وفهمت بأن الزمن قد تحول وتبدل كثيراً من حولها ، وأنها تحاول ان تمسك بماضيها ، ان تستعيده على طريقتها . وبالرغم من أنها كانت تروي حياتها كأمتداد لحياة من سبقها أو تلاها من الأجيال ، بدون إسراف أو بطولة ، أو حتى خيال ، سرد مجرد سرد واقعي يسجل الوقائع ويثبتها في الذاكرة ، إلا ان تلك الذاكرة كانت تغربل وتنقح وتختار لحظتها وموضوعها ، وهي بالتالي إنتقائية . فالذاكرة هي إعادة إنتاج للواقع بحسب فهمنا للذات وللآخر .

هكذا خطرت لي فكرة هذا الموضوع ، إعادة إنتاج التاريخ من خلال السيرة الذاتية . وهذا ما سأحاول الكتابة فيه ، لكن ليس لوحدي : أدعو الجميع للمشاركة في هذا الملف من منطلق إعادة كتابة تواريخنا الشخصية : عبرها ، ستتبدى لنا أشياء كثيرة كانت مطوية في غياهب النسيان ، وستفتح لنا ربما شبابيك على الحاضر لو استطعنا أن نمسك بتلابيب الماضي ونستقرأ أبعاده .

اعتبروا هذا الملف كأنه صندوق تبرعات ، وليتبرع لنا كل واحد بحكاية من طفولته أو تاريخه الحاضر ، أو حتى تاريخ عائلته . كل المطلوب هو أن تكون هذه القصة واقعية ومختصرة ، وأن يجهد قليلاً في جعلها ممتعة لدى قراءتها .

أتمنى لنا حظاً سعيداً .

 

 22  23  24  25  26 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
شيخ الحارة    كن أول من يقيّم
 
قال المرحوم أحمد أمين: (وكانت حارتنا تشمل نحو ثلاثين بيتا، يغلق عليها في الليل باب ضخم كبير، في وسطه باب صغير، وراءه بواب.. وكان شيخ الحارة شيخا معمما، يدل مظهره على أنه من أصل تركي، وجهه أبيض مشرب بحمرة، طويل عريض، وقور ذو لحية بيضاء، مهيب الطلعة، له عربة بجوادين، يدقان بأرجلهما فتدق معها قلوب أهل الحارة، هو نائب المحكمة العليا الشرعية وسيد الحارة، إذا حضر من عمله تأدب أهلها، فلا يرفع نساء الطبقة الدنيا أصواتهن، وإذا جلس في فناء بيته تأدب الداخل والخارج، وإذا تجرأت امرأة على رفع صوتها أتى خادمه الأسود فأحضرها أمام الشيخ وزجرها زجرة لم تعد لمثلها. وعلى ألسنتنا نحن الأطفال: (جاء الشيخ، الشيخ خرج). وبيته الواسع الكبير لا يشمل إلا سيدة تركية، وخدما من الجواري السود اللاتي كن مملوكات، وعبيدا سودا، فقد كان في القاهرة أسواق وبيوت لبيع الجواري البيض والسود، يذهب من أراد الشراء فيقلب العبد أو الجارية، ويكشف عن جسدها ليرى إن كان هناك عيب، ثم يساوم في ثمن من أعجبه فيشتريه ويكون ملكا له، وظل هذا الحال إلى عهد إسماعيل، فتدخلت الدول الأوربية ووضعت معاهدة لإلغاء الرقيق، وأعتق كل مالك رقيقه، ومع ذلك بقي كثير من العبيد والجواري في بيوت أسيادهم للخدمة ونحوها. وكان يشيع بيننا أن الشيخ يملك ذهبا كثيرا وأنه يضعه في خزائن حديدية...إلخ) (أحمد أمين: "حياتي" نشرة مكتبة النهضة المصرية ط6 ص 25)
*زهير
5 - أكتوبر - 2006
البرنامج اليومي    كن أول من يقيّم
 
قال المرحوم أحمد أمين: (وقد وضع لي أبي يرنامجا مرهقا لا أدري كيف احتملته. كان يوقظني في الفجر فأصلي معه، ثم أقرأ جزءا من القرآن، وأحفظ متنا من المتون الأزهرية، كألفية ابن مالك في النحو، حتى إذا طلعت الشمس أفطرت ولبست ملابسي وذهبت إلى المدرسة أحضر دروسها إلى الظهر، وفي فسحة الظهر أتغدى في المدرسة على عجل وأذهب إلى كتاب بمسجد شيخون، قريب من المدرسة، وقد اتفق أبي مع فقيه الكتاب أن يسمع مني جزءا من القرآن، حتى إذا ما أتمتته سمعت جرس المدرسة فذهبت إلى الفصل، ثم أحضر حصص المدرسة بعد الظهر، فإذا دق الجرس النهائي خرجت إلى البيت، وخلعت ملابسي المدرسية ولبست جلبابا، وذهبت إلى المسجد الذي أبي إمامه، فمكثت معه من قبيل المغرب حتى يصلي العشاء، أستمع لدرسه الذي يلقيه في المسجد بين المغرب والعشاء، ثم أعود معه إلى البيت، وفي أثناء الطريق يحفظني بيتا من الشعر أو بيتين، ثم يسألني إعرابه فأعربه، ويصحح لي خطئي، وكل ذلك ونحن سائران في الطريق، ثم أتعشى وأنام. وإذا كان علي واجب من المدرسة اتممته على عجل قبل أن أذهب إلى أبي في المسجد، وليس لي من الراحة إلا عصر يوم الخميس ويوم الجمعة، على أنني كثيرا ما كنت أحرم من صبح يوم الجمعة لعمل واجبي المدرسي أو القراءة مع أبي .... وكنت في هذه السن متدينا شديد التدين، وكان في المدرسة مسجد صغير أعد إعدادا حسنا، فكنت أصلي فيه الصلوات لأوقاتها، وكنت أقوم الليل، وأتهجد، وأحب الله وأخشاه، وتنحدر الدموع من عيني أحيانا في ابتهالاتي، وأسجد فأطيل السجود والدعاء، ومن شدة فكري بالله رأيته في منافي مرة على شكل نور يغمر الغرفة ويخاطبني قائلا: اطلب ما أدلك به على قدرتي، فطلبت ان يعمل من قطعة حديد سكينا ومن قطعة خشب شباكا ففعل، فآمنت بقدرته، وحكيت المنام لأهلي ففرحوا به فرحا عظيما وزادوا في محبتي ) (أحمد أمين: "حياتي" نشرة مكتبة النهضة المصرية ط6 ص 52 ـ 57)
*زهير
5 - أكتوبر - 2006
من المدرسة إلى الأزهر    كن أول من يقيّم
 
استمريت في دراستي في المدرسة فانتقلت من السنة الثانية إلى الثالثة، ومن الثالثة إلى الرابعة، وأبي لا يهدأ من التفكرير أيتركني أكمل دراستي أم يخرجني من المدرسة ويدخلني الأزهر، ويسألني فأجيبه: (أحب أن أبقى في المدرسة) ويسأل من يعرفه من موظفي الحكومة فيوصونه ببقائي في المدرسة، ويسأل من يعرفه من مشليخ الأزهر فيوصونه بإدخالي الأزهر، ويتردد ويتردد، ثم يستخير الله، ويخرجني من المدرسة إلى الأزهر. وها أنا ذا في سن الرابعة عشرة تقريبا يلبسني أبي القباء والجبة والعمة والمركوب، بدل البدلة والطربوش والجزمة، ويكون منظري غريبا على من رآني في الحارة أو الشارع. فقد عهدوا أن العمامة لا يلبسها إلا الشاب الكبير أو الشيخ الوقور. ولذلك كانوا كثيرا ما يتضاحكون علي إذا رأوني بالعمة، وكثير ا ما أرى الأولاد في الشارع يتغامزون علي فأحس ضيقا أو خجلا، او أتلمس الحارات الخالية من الناس لأمرّ بها. والمصيبة الكبرى كانت حين يراني من كان معي في المدرسة، فقد كان يظن أني مسخت مسخا وتبديت بعد حضارة، وكأن الذي يربط بيني وبينهم هو وحده لبسي ولبسهم لا طفولتي وطفولتهم ولا زمالتي وزمالتهم، فنفروا مني، مع حنيني إليهم وسرعان ما انقطعت الصلة بيني وبينهم. فانقبض صدري لأني فقدت اصدقائي القدامى ولم أستعض عنهم أصدقاء جدداً. وتضرعت لوالدي أن يرجعني إلى المدرسة فلم يسمع، أو يعفيني من العمة فلم يقبل. ومما آلمني اني أحسست العمامة تقيدني فلا أستطيع أن أجري كما يجري الأطفال، ولا أمرح كما يمرح الفتيان، فشخت قبل الأوان، والطفل إذا تشايخ كالشيخ إذا تصابى، كلا المنظرين ثقيل بغيض، كم يضحك في مأتم أو يبكي في عرس (ثم حكي أحمد أمين قصة دخوله إلى الأزهر لأول مرة، ورؤيته طلبة الأزهر وهو يبيعون خبزهم امام الجامع، وهي قصة طويلة، جديرة بالقراءة والمراجعة ? ) وختمها بقوله: (فعدت إلى بيتي والهم يملأ قلبي، ولكن الزمن بلسم الهموم)
 (أحمد أمين: "حياتي" نشرة مكتبة النهضة المصرية ط6 ص 57ـ 60)
*زهير
5 - أكتوبر - 2006
أحمد أمين والشيعة    كن أول من يقيّم
 
لم يكن المرحوم ليعلم أن ما كتبه في (فجر الإسلام) عن الشيعة سوف يجعله في رأس قائمة المغضوب عليهم بعد (محب الدين الخطيب) وقد تكلم بإسهاب في كتابه (حياتي) عن مغبة كلماته، وما وُجّه نحو كتابه من سهام النقد. ولا أدري أيضا كيف رضي بعد كل هذا أن يكون مشرفا على بعثة كلية الآداب التي زارت العراق في صيف 1931م قال (ص264): (وقد حدث وأنا في بغداد حادث خطير، فقد دعينا لنشاهد مجلسا من مجالس العزاء ... وخطب بعض الخطباء لتهنئتنا، ورد عليهم الأستاذ عبد الوهاب عزام التحية بمثلها، ثم قام خطيب الليلة الأستاذ كاظم الكاظمي، وهو خطيب طلق اللسان حسن التأثير، فرحب بالوفد وبأحمد أمين، ولكنه عرج من ذلك على كتاب (فجر الإسلام) وما فيه من تجن على الشيعة، وأكثر الحاضرين من عوام الشيعة الذين تؤلمهم هذه الأقوال أشد الألم، ولا يمنعهم مانع أن يفتكوا بكل من يعتدي على عقيدتهم، ولكن الخطيب ماهر، وإذ أحس هياج الجمهور وتحفزهم اقتبس جملة من (فجر الإسلام) فيها مدح للشيعة، وهكذا ظل الرجل يلعب بعواطف الناس بين مد وجزر، وتهييج علي وتهدئة، فلما طال هذا وخشي بعض الحاضرين سوء العاقبة نصحنا ناصح أن ننسل من باب خلفي ففعلنا ونجونا بأنفسنا. وقد علمنا أن الأمر بلغ الملك فيصل فغضب على الخطيب وشاء أن يعاقبه، ولكنا طلبنا من ناقل الخبر إلينا أن يرجوه ألا يفعل فقد انتهى الأمر بسلام)
*زهير
5 - أكتوبر - 2006
أحمد أمين ومصابه في نظره    كن أول من يقيّم
 
نشرت في ملف (كلمات اعجبتني) قطعة من الكتاب يقارن فيها أحمد أمين بينه وبين طه حسين، ولكنه نسي فيما يبدو ان يذكر في المقارنة ما ابتلي به من ضعف النظر، وكيف كان ضعف الرؤية في عينيه سببا لحرمانه من كثير من الوظائف التي كان يستحقها بجدارة، وتكلم عن ذلك في صفحات كثيرة في كتابه (حياتي) وكيف كان يذهب إلى الموعد مع اصدقائه في المقهى فلا يراهم إذا هم لم يروه، وأنه لم يكن يذهب إلى السينما ولا إلى المسرح بسبب أنه لو حدث فحضر عرضا فإنه لن يرى شيئا، وانتهى به قصور نظره إلى أن فقدت إحدى عينيه نعمة البصر، وصار يرى بعين واحدة، فصارت أصدقاؤه تقرأ له وتكتب ما يريد ان يكتب، إلى أن توفي يوم  الأحد 27/ رمضان/ 1373هـ الموافق 30/ 5/ 1954م  ومولده كما سبق وذكرنا يوم 1/ 10/ 1886م
*زهير
5 - أكتوبر - 2006
الهروب من مدرسة    كن أول من يقيّم
 
 
 
 
  كنت في الثالثة من عمري عندما أرسلتني أمي إلى المدرسة لأول مرة : كانت تجربة مريرة لن أفلح  بالتعبير عنها ولا عن  ذلك الإحساس الجائر بالظلم الذي انتابني منها في ذلك الزمن ، إلا أنني وصديقاتي الصغيرات مثلي كنا نردد يومياً  نشيدنا الخاص الذي لا زلت أذكر مطلعه وهو يقول :
 
  أنا زغيرة وظلموني
  بالمدارس حطوني
  لما يبكوا عليي
  يبكوا عليي الجيران ...
 
  وكنت كلما مررت ببيت الجيران وانا ذاهبة صباحاً إلى المدرسة ، أرى جارتنا تصحب أولادها إلى سفرة السلم ، تلاحقهم بالتوصيات وتذكرهم بما عليهم أن يفعلوه ، وهي تلعلع وراءهم بالصوت حتى بعد أن يغيبوا عن نظرها . كنت أتوقع منها في كل يوم ، أن تراني ، وأن تبكي علي ولو لمرة واحدة ، لكنها لم تكن تنتبه لوجودي ولا تنظر إلي حتى حين أمر من أمام باب شقتهم وأنا أحمل محفظتي الثقيلة ، أجرها بصعوبة ، وأحاول الجري وراء أختي الكبيرة التي كانت تسرع كثيراً وهي تنزل الدرج رغبة منها في ملاقاة صديقاتها اللواتي كن بانتظارها أمام باب البناية .
 
   كانت النهارات طويلة ومضنية بعيداً عن البيت ، في تلك المدرسة القريبة منه في منطقة " التبانة " وهي تقع ملاصقة لمدرسة اللقمان الرسمية للبنات التي كانت ترتادها أختي الكبيرة . لم تكن المدارس الحكومية تقبل التلاميذ قبل سن السادسة ، لكن أمي كانت محبة " للعلم " لدرجة أنها كانت تستعجل علينا به بمجرد بلوغنا الثالثة من العمر فتضعنا في هذا النوع من المدارس الخاصة استباقاً منها للزمن . في الحائط الذي كان يفصل بين المدرستين ، كان هناك فجوة أتواصل من خلالها مع أختي أثناء الفرصة ، فتمرر لي أحياناً قطعة من سندويشتها عندما أكون جائعة ، أوتعطيني " فرنكاً " أشتري به كعكة لأن " خرجيتي " التي كنت آخذها في الصباح غالباً ما كانت تضيع مني ، أو أصرفها قبل الفرصة ، أو يسرقها مني أحد .
 
  مدير هذه المدرسة كان يدعى الأستاذ : " أحمد أبو حلقة " . ومن علاماته المميزة أنه كان يلبس " برنيطة " على رأسه يخفي تحتها صلعته المدورة والملساء تماماً  والتي كنت أطيل النظر إليها ، وأتمعن فيها في كل مرة كان ينزع فيها " البرنيطة " عن رأسه لسبب ما . كانت رأسه بوقتها من الأعاجيب التي صادفتني في حياتي وكنت أنظر إليها كما لو كانت " برج إيفل " . لحسن حظي ، كان الأستاذ أحمد أبو حلقة محباً لي ،  مولعاً بكل ما أقوله وذلك منذ اليوم الأول الذي أتيت فيه مع أمي للتسجيل في مدرسته ، وكان كلما رآني في الملعب ، استدعاني من بين التلاميذ ليطرح علي أسئلة كثيرة ، بدون فائدة ، برأيي ، من نوع :
 
 ــ  كيف البابا ? ماذا يفعل هذه الأيام ?
 
 أو يسألني :
 
ــ  ما رأيك في المعلمة سهام ? وماذا علمتكم اليوم ? 
 a , o ,u ,e ,i ، بس ?
 
.........  وكنت أجيب بهذا الكلام العادي الذي لو قلته لأي شخص آخر ، أو في البيت مثلاً ، فلن يهتم به أحد :
 
  ــ  البابا منيح ، بالأمس ذهب إلى الصيد ، أصطاد ست " سمنات " لكنه أضاع منها واحدة وقعت في النهر وما استطاع " رنغو " ( كلب أبي ) أن يلحقها .......
 
  ــ  كتبتهم لنا على اللوح ثم قرأناهم ، ثم نسخنا منهم صفحة كاملة ، والذي كان ينتهي من النسخ ، يتكتف ويضع إصبعه على فمه حتى يرن الجرس .
 
  ــ  وهي ماذا تفعل أثناء هذا ? يسألني
 
  ــ  هي تحيك كنزة الصوف !
 
   لم أكن أعرف ما الذي كان يروقه في إجاباتي ، بل وأحياناً كنت أجده  يقهقه لها قهقهة عالية ، ما كنت أعيه تماماً ، هو أنني صرت أمتلك لديه سلطة ما لا أدري كنهها وأنه بإمكاني استغلالها ! .......
 
    والموضوع الذي كان يشغل تفكيري في تلك الأيام هو معاناتي الشديدة في أيام المدرسة .  
 
  وفي أحد الأيام ، صممت على الهرب ،  ووضعت له برأسي خطة  بدأت بتنفيذها منذ ساعات الصباح الأولى وذلك بأنني صرت أرفع إصبعي بإلحاح لطلب الأذن بالخروج من الصف حتى ظنت " الست سهام " بأن بي ضرراً ما وخافت من العواقب ، فأذعنت وأذنت لي أخيراً بالذهاب إلى المرحاض .
 
   كان الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به غرفة الإدارة ، وكما لاحظت في أول مرة ذهبت فيها مع والدتي للتسجيل ، هو هدفي ، لأن لها باباً يؤدي إلى الشارع مباشرة ، يدخل ويخرج منه المعلمات والمدير فلا يضطرون لعبور البوابة الرئيسية التي كان يحرسها " أبو حسن " بواب المدرسة الرهيب . لذلك صرت أروح مرة إلى قرب المراحيض ، ومرة إلى حنفيات المياه التي في الملعب ، ثم أعود لأتلكأ وأنا أمر من أمام باب النظارة لعل الأستاذ احمد يراني ويناديني كعادته .
 
  بالفعل ، لم يمض وقت طويل حتى رأيته خارجاً من هناك ينادي على " أبو حسن " البواب ليعطيه بعض التعليمات ..... ما إن رآني حتى أشار لي بأن آتي  وسألني عما أفعله خارج الصف ?  لأول مرة احترت  كيف أجيب ، ولأول مرة أيضاً تبلبلت إجابتي وأنا أدعي أمامه بأن المعلمة سهام هي التي طلبت مني الخروج من الصف ....  وفي ذلك الوقت ، وقبل أن أتوغل كثيراً في كذبتي ، رأيت " أبو حسن " يعود إليه لأمر هام ، طالباً منه مرافقته إلى أحد الصفوف .
 
   ووجدتني بقرب باب النظارة كما كنت أرغب ، وكانت خالية ، ووجدت الفرصة سانحة لأتسلل منها  إلى غرفة المدير حيث يوجد الباب المؤدي إلى الشارع . كان الباب مفتوحاً وكانت الحرية في ذلك اليوم بإنتطاري .
 
  ما إن وجدتني وحدي في الشارع ، حتى شعرت بالخوف ، وكان بيت جدتي هو الأقرب إلى المدرسة فهو لا يبعد عنها سوى أمتار لا تزيد على العشرين ، فتوجهت إليه . على زاوية الشارع ، وقبل أن أصل إلى البيت ، رأيت جدي واقفاً بصحبة أحد رجال الحارة يتحادثان ،  ففرح بي لما رآني كعادته ثم عاد واستغرب كيف أكون هنا لوحدي وفي هذا الوقت من النهار وسألني :
 
  ــ  كيف خرجت من المدرسة يا جدو ? ألم يرك الأستاذ أحمد ?
 
  ــ  آخ يا جدي ، كيف أحكي لك القصة ? القصة وما فيها هي أن هذا الأستاذ أحمد ترك الله وعبدني . ( وهي عبارة شائعة جداً عندنا في طرابلس ) أجبت . 
 
  ضحك جدي وصديقه  ثم قال :
 
  ــ  كيف ذلك ? إحكي لي
 
  ــ   أنا لا أحب مدرسته ولا أريدها ، لذلك تركتها ! أمي هي التي تجبرني على الذهاب إليها وانا لا أريد! قلت .
 
  ــ  ما بيصير يا جدي ، لازم تروحي على المدرسة حتى تصيري " فهيمة " وتأخذي الشهادة ، قال .
 
  ــ  " أنا أعرف كل شيء ! " ، قلت بتصميم وانفعال كبير ، أنا أعرف كل شيء وعندي الشهادة في البيت لكن أمي خبأتها في الخزانة لكي ترسلني إلى المدرسة ، اسألها يا جدي ، هي خبأتها وتقفل عليها بالمفتاح ......
 
  هكذا كان شعوري في ذلك الوقت وكان شعوراً مضنياً ، كل أيامي في تلك المدرسة بعيدة عن البيت كانت أياماً مضنية ،  ولولا أختي التي كانت تحنو علي على طريقتها ، فهي كانت تعنفني في كل مرة تعطيني فيها شيئاً ، أو تشتري لي سندويشة فلافل عند الظهر ، وتهددني في كل مرة بأنها آخر مرة تشتري لي فيها شيئاً ، لعانيت منها أضعافاً وأنا لا أزال أحتفظ بذاكرتي بذلك الشعور الجائر وأحفظ لأختي هذا الجميل
 
 
 
 
*ضياء
14 - أكتوبر - 2006
أذهب إلى المدرسة .    كن أول من يقيّم
 
نشأت يتيما ، فقد مات أبي قبل ولادتي بثلاثة أشهر ،لكنه ترك ما يستر الحال .
لم يكن لي إخوة ، فلم تكن الحياة عسيرة علي وعلى أمي .لم يكن لنا أهل ، كنا أنا و هي أهلا ،بعضنا لبعض .
كنت أستيقظ وأنام ، أخرج وأدخل ،ألعب مع أترابي خارج البيت . كنت أحس منذ صغري بأنني لست كبقية الأطفال
في سني، لا أتأثر بشيء ، لا أبكي إدا ضربت ، ولا أفرح إذا أثنى علي أحد ، ولا أتألم لما يتألم له الباقون..
كان ذلك الوقت أول عهدنا بالمدارس ، والناس لا يرغبون فيها . فكانت الحكومة تبعث أعوانها ، يجوبون البلاد
والأحياء ، بحثا عن أطفال في سن التمدرس ، إلا أن الناس كانوا يخفون أبناءهم...
وذات يوم ، كنت ألعب مع الصبية خارج دارنا ، فجاءرجل على ظهر فرس . جرى الصبية  ، وبقيت أنظر إلى الفرس
وإلى الرجل فوقه . سألني عن اسمي ، فأخبرته ، وعن عمري ، فقلت له : لا أدري . فقال لي هل تحب أن تتعلم
في المدرسة ? فقلت له : ما المدرسة ?? فقال لي : بناء جميل من الحجر ، وسط حديقة كبيرة ، يدق الجرس ،
وتدخل الفصل مع التلاميذ ، تتعلم القراءة والكتابة والحساب . فقلت للرجل : أذهب إلى المدرســة .
...........
 
* الطيب صالح : موسم الهجرة إلى الشمال .
*في رحاب اللغة العربية - السنة 6 من التعليم الابتدائي .
 
*مشاركة  من بنت الأكوح - ندى - هدية لأريــان .
ما دام جــواد مرتبط !!!
*abdelhafid
15 - أكتوبر - 2006
فاطمة بنت ابن المثنى    كن أول من يقيّم
 
(عجبت لمن يقول إنه يحب الله ولا يفرح به وهو مشهوده، عينه إليه ناظرة في كل عين، لا يغيب عنه طرفة عين، فهؤلاء البكاؤون: كيف يدّعون محبته ويبكون ? أما يستحيون ?  إذا كان قربه مضاعفا من قرب المتقربين إليه، والمحب أعظم الناس قربه إليه: فهو مشهوده، فعلى من يبكي? إن هذه لأعجوبة) هذه الكلمة النادرة سمعها ابن عربي من شيخته فاطمة بنت ابن المثنى القرطبي، وكانت في الخامسة والتسعين من العمر: قال ابن عربي بعدما ذكر كلمتها: (ثم تقول لي: يا ولدي ما تقول فيما أقول? فأقول لها : يا أمي القول قولك)
وقال في ترجمتها: (امرأة من المخبآت العارفات بأشبيلية، يقال لها فاطمة بنت ابن المثنى القرطبي، خدمتها سنين، وهي تزيد في وقت خدمتي إياها على خمس وتسعين سنة،  وكنت أستحي أن أنظر إلى وجهها وهي في هذا السن من حمرة خديها وحسن نعتها وجمالها، تحسبها بنت أربع عشرة سنة من نعمتها ولطافتها، وكان لها حال مع الله، وكانت تؤثرني على كل من كان يخدمها وتقول: (ما رأيت مثل فلان: إذا دخل عليّ دخل بكله، لا يترك منه خارجا عني شيئا، وإذا خرج من عندي خرج بكله لا يترك عندي منه شيئا)
 انظر كلام ابن عربي عن شيخته هذه في الوراق (الفتوحات ص 1497) وهو يذكر من عجائبها أن الله أكرمها بسر الفاتحة، فكانت الناس تقصدها لذلك، ووصف طريقة استعانتها بالفاتحة فقال: (وذلك أنها تنشئها بقراءتها صورة مجسدة هوائية فتتبعها عند ذلك) ومثل لذلك بامرأة سألتها أن يرد الله لها زوجها من (شريش شذونة) قال: (فلما أنشأتها "أي الفاتحة" صورة سمعتها تقول لها: يا فاتحة الكتاب تروحي إلى شريش شذونة وتجيئي بزوج هذه المرأة، ولا تتركيه حتى تجيئي به) قال: (فلم يلبث إلا قدر مسافة الطريق) قال: (وكانت تضرب بالدف وتفرح، فكنت أقول لها في ذلك ? فتقول لي: (والله إني أفرح حيث اعتنى بي وجعلني من أوليائه، واصطنعني لنفسه: ومن أنا حتى يختارني هذا السيد على أبناء جنسي. وعزة ربي لقد يغار علي غيرة ما أصفها: ما ألتفتُ إلى شيء باعتمادي عليه من غفلة إلا أصابني ببلاء في ذلك الذي التفتُ إليه)
قال: (ثم أرتني عجائب من ذلك: فما زلت أخدمها بنفسي، وبنيت لها بيتا من قصب بيدي على قدر قامتها، فما زالت فيه حتى درجت "أي حتى توفيت" وكانت تقول لي: (أنا أمك الإلهية و"نور" أمك الترابية) وإذا جاءت والدتي لزيارتها تقول لها: (يا نور: هذا ولدي وهو أبوك فبرّيه ولا تعقيه)
*زهير
15 - أكتوبر - 2006
إلى بنت الأكوح    كن أول من يقيّم
 
 
شكراً يا ندى ، عن نفسي وعن آريان أيضاً ، وأنا أهنئك لأنك اخترت " كونداليسا رايس " كمنافسة لك بدلاً من " حنان " ، صدقيني أنت الأذكى .
*ضياء
16 - أكتوبر - 2006
قصيدة لسعدي يوسف    كن أول من يقيّم
 
 
 
سيمفونيات ناقصة حقاً .......
 

لِـحصاها فضلٌ على الشُّهُبِ وثـراهـا خـيرٌ من iiالذهبِ
لستُ أرضي السماءَ لي وطناً بـدلاً مـن جـزيرةِ iiالعربِ
إنْ  بـدا الآلُ فـي iiمفاوزها قُـلْ  لـنهر المجرّةِ iiاحتجبِ

أو (بدا?) البرقُ....
تتمني العروسُ لو لبِسَتْ حُـلّةً  من طرازِها iiالعجبِ

نشيدٌ في المدرسة الابتدائية
???
يـا  أوروبّـا، لا iiتغالي لا تقولي (الوقتُ?) طابْ
سـوف  تـأتيكِ iiالليالي نـورُهـا لَمْع ُ iiالحِرابْ

نشيدٌ في المدرسة الابتدائية
???
الروحُ بعدَ فراقِها الوطنا لا ساكناً ألِفَت ْ ولا iiسكَنا
خير الدين الزركلي
شاعرٌ سوريّ في حاشية فيصل الأول

مديح جزيرة العرب، الذي تلقّيتُهُ في المدرسة الابتدائية، بالعراق الجنوبي، نشيداً، آنَ تحية العَلم الصباحية، كلّ
خميسٍ، هذا المديحُ تحوّل مع مَرِّ الأحداث والسنين، من نشيدٍ، إلي أغنيةٍ. هذه الأغنيةُ، بدَورِها، تحوّلتْ، في

الحُلمِ، والكابوسِ، في تفكُّراتِْ الليالي الطوالِ (ما أطولَها حقاً!)، إلي سيمفونية، سيمفونية ناقصة...

الطفولة ُ تُختَرَمُ

جزيرة العرب، البهية في الأغنية ـ النشيدِ، تُختَرَمُ
الذاكرةُ، ذاكرة الطفل والنخل، والرملِ المتلأليْ ماءً سحرياً مثل نهر المجرّة...
هذه الذاكرةُ تُخترَم...
الآنَ:
من يأتيني بالقصيدة?
مَن يأتيني بالنصّ الأول لمديح جزيرة العرب?
سأكونُ ممتنّاً.

أرجوك، أيها الصديق....

هنا أيضاً، أعودُ إلي ساحة المدرسة الابتدائية، في تحية العَـلَـم.
كنتُ ـ في ما أستعيده الآن ـ أتصوّرُ أوروبا امرأةً بدينةً، ذات شَعرٍ كثيفٍ منفوشٍ. أتصوّرُها جالسةً علي كرسي ضخمٍ، وحولها حرّاسُــها. إنها تلَـوِّحُ، من عصبيةٍ، بيدَيها. ثم تصيح صيحةَ فرحٍ.
صورةُ الحِراب إذْ أضاءت الليل لا تزال تبهرني.
ومن جديدٍ، أرجو ممّـن لديه نصُّ النشيد أن يتكرّم بإرساله إليّ.
سيساعدُني في أن أعود إلي فتوّةٍ مبتغاةٍ.
???
الصورة بالأبيض والأسود، طبعاً.
الملك فيصل الأول، في أيامه البغدادية الأولي، تحفُّ به حاشيته، من ضبّاطٍ شــريفيين، ووزراء، وموظفين.
اثنانِ كانا الرهيفَينِ حقاً (نحافةً) بين مَن في الصورة:
الشاعرُ والملك.
أمّا الشاعرُ فهو خير الدين الزركلي، من أهل الشام.
كان في سيمــــاه، و في ملبسه الأنيق جداً، وفي قامته، شبيه فرناندو بيسوا، شاعر البرتـغال، ذي الأسماء الأربعة.
حين كنــــــــتُ في باريس، ابتعتُ، ذاتَ يومٍ، من سوق براغيــــــث شهيـر
Marche' aux puces، في ضاحية مونتروي Montreuil، الأعمالَ الكاملةَ، لبيسوا، باللغة البرتغالية!
أيّامَها كان العمال البرتغاليون المهاجرون كثاراً في فرنسا، يعملون في الإنشاءات، وشَـقّ الطرق.
هل جاء ببيسوا، إلي سوق البراغيث، أحدُ هؤلاء العمال بعد أن أرهقته الحاجة إلي بضعة فرنكات?
أنا لا أعرف اللغة البرتغالية، لكني أعرف فرناندو بيسوا.
والبرتغالية لغة لاتينيةٌ، علي أي حال.
إنها ليست عسيرة الــمَغالِق.
خير الدين الزركلي، شبيه فرناندو بيسوا، في الصورة...
مَن يأتيني بالنصّ الكامل لقصيدته التي مطلعُها:
الروحُ بعد فراقها الوطنا لا ساكناً ألِفَتْ ولا iiسَكََنا!
لندن
11/09/2006
 
 
 
 
*ضياء
17 - أكتوبر - 2006
 22  23  24  25  26