البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الفلسفة و علم النفس

 موضوع النقاش : لما ذا لايوجد لدينا فلاسفة وهل عقمت الأمة العربية ?أم أننا خارج التاريخ ?    قيّم
التقييم :
( من قبل 25 أعضاء )

رأي الوراق :

 عبدالرؤوف النويهى 
10 - ديسمبر - 2005

جمعتنى ندوة من الندوات الفكرية ، منذأكثر من عشر سنوات ويزيد ، مع الأستاذ الدكتورحسن حنفى  صاحب الدراسات الفلسفية العديدة ومنها الدراسة الرائدة والملحمية {من العقيدة إلى الثورة }  و سألته آنذاك  لماذا لايوجد عندنا فلاسفة ? أم نظل عالة  على أفكار وفلسفة أو روبا وأمريكا?????أم أن الغرب  يحتكر العلم والفلسفة ونحتكر  نحن الفضلات الساقطة    منهم??????أتذكر حقيقة وبدون شك أن الإجابة كانت تبريرية  أكثر منها ردا على تساؤلاتى ... نحن أساتذة فى دراسة الفلسفة والفلاسفة ، ,لكن هل يأتى الزمن الذى يجود علينا بفيلسوف  أمثال  جان بول سارتر،  أو نيتشة، أو را سل أوهيجل  أوسيبينوزا أو .. أو ....?????????عموما أنا فى إنتظار جودو  ،  تبا لك يا صمويل بيكت  ،  أقصد الفلاسفة....ومازال سؤالى فى إنتظار الإجابة .

 34  35  36  37  38 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
مفهوم المساواة    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
وضع الإنسان على ميزان القيمة له عدة منظورات, كل منها متميز عن الآخر, وينبغي مراعاة هذا التمييز حتى لا تختلط الأمور في أذهاننا.
المنظور الأعم الأول: هو الإنسان منسوبا إلى أصله, أي إلى التراب, من هذا المنظور تتساوى قيمة كل إنسان أمام الإنسان الآخر, ومع هذا التساوي تنحط قيمة الإنسانية في ذاتها, وتختفي كل دعاوى الحق الإنساني إذ لا حق ينشأ عن الانتساب إلى التراب, "كلكم لآدم وآدم من تراب".
المنظور الأعم الثاني: هو الإنسان من حيث هو موضع التكريم الإلهي باختياره خليفة وتكليفه بشهود الحقيقة, من هذا المنظور يظل التساوي بين أفراد النوع الإنساني قائما, إلا أن قيمة الإنسان ترتفع إزاء سائر المخلوقات بحكم التخصيص الإلهي له. وهنا يظهر الحق الإنساني منسوبا إلى المخلوقات, وهذا الحق يتمثل في شرعية النظر إليها كشيء مسخر للإنسان, "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا". رغم ظهور قيمة الإنسان من هذا المنظور إلا أنه يظل "منظورا أعم" إذ لم يتميز إنسان عن آخر بعد, كل ما حدث هو أن الإنسان كنوع أصبحت له قيمة مقارنة بغيره من المخلوقات.
المنظور الأقل عمومية: هو المنظور العرقي, وهنا ترتفع قيمة العرب على من سواهم, بحكم اختيار الله لهم لحمل رسالة الإسلام, وهو الدين الذي يشهد من خلاله الإنسان الحقيقة في الخلق, وهذا الشهود هو مناط التكريم الإلهي للإنسان في المنظور الأعم الثاني, وهذا المنظور هرمي يتضمن أفضلية العرب على العالمين, ثم أفضلية بني هاشم على العرب, ثم أفضلية محمد على بني هاشم. "إن الله اصطفى العرب على العالمين, واصطفى بني هاشم على العرب, واصطفاني من بني هاشم, فأنا خيار من خيار من خيار". وهذا المنظور أيضا يشبه المنظور الأعم الثاني, من حيث هو منسوبا, لا إلى فعل, بل إلى الاختيار الإلهي للفعل, والاستعداد له, لكن من هذا المنظور أيضا يبدأ التمايز بين أفراد النوع الإنساني, وتبدأ فكرة المساواة في التراجع, ومن هذا المنظور يجب أن يختفي لدينا أي معيار آخر, مثل التقدم التقني, أو التفوق العسكري, فكل هذا لا يخرج عن إطار "الأدوات" بالنسبة للإنسان, والإنسان لا يكتسب قيمته من أداته لأنه هو خالق أداته, في حين أن القيمة هي ارتفاع شأن, وهذا الارتفاع لا يكون إلا من مصدر أعلى شأنا من الإنسان, والأدوات (التقنية) ليست أعلى شأنا من الإنسان لأنه صانعها وهي أداته.
المنظور الخاص: وهو منظور الإنسان المتعين, أي الإنسان الفرد, وليس الإنسان النوع أو الإنسان العرق, وفي هذا المنظور تُعلق كل القيم المنسوبة إلى الاستعداد للفعل, وتظهر قيمة الإنسان منسوبا إلى فعله المتحقق, حيث يبرز معيار واحد لا ثاني له, هو "التقوى", ومن هذا المنظور فالمسلمون هم خير البشر باعتبار الفعل كما أن العرب هو خير الأجناس باعتبار الاستعداد للفعل و الوقوع تحت الاختيار له والتكليف به, فلا معنى للتقوى خارج إطار التبعية لصاحب العصمة محمد عليه الصلاة والسلام, فلا يطلق على أي اهتمام ديني غير إسلامي لفظ التقوى. "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" , "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".
والسؤال الأهم, والذي تنبثق إجابته من هذا العرض هو:
في هذا الصراع الدائر بين البشر.. على أي أساس نحكم نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الآخرين, هل على الأساس الإنساني العام, أم على الأساس العرقي, أم على الأساس الأخلاقي الذي يختلف فيه كل فرد عن الآخر أيا كان العرق الذي ينتمي إليه?
الإجابة بسيطة في ضوء العرض السابق, لكن المشكلة هي في الخلط بين الأمور, فعندما نقارن أنفسنا بغيرنا لا يجب أن نتحدث عن "الإنسانية" الواحدة, لأن تلك "الإنسانية" مجالها هو المقارنة بين الإنسان وسائر المخلوقات, وليس المقارنة بين إنسان وآخر. سبب آخر لاضطراب الرؤية, هو أننا بعد أن نتفق على أفضلية جنس على آخر, يغيب عنا تماما أساس الأفضلية, حيث نبدأ في وضع "التقنية" محل "التقوى", و هذا مع كونه خطأ لما ذكرناه من أن التقنية لا تمنح للإنسان قيمة, فهو خداع, فمعظم المتحدثين عن التقنية في الحقيقة ليسوا معجبين لها, ليسوا حريصين عليها, لم يفعوا شيئا لامتلاكها, كسالى محدودي الثقافة الخاصة بالتقنية, غير متفوقين في دراستهم, وما استبدالهم "التقنية" بـ"التقوى" إلا قناع يسترون به إعجابهم بالقوة الغربية, وهي حالة تحدث عنها "ابن خلدون" وأسماها "الإقتداء بالغالب" وأسماها المحدثون: "التوحد بالمعتدي".
غير مقبول إطلاقا وصف العرب بأنهم أدنى من أي جنس آخر, بل غير مقبول أطلاقا وصف العرب بأنهم متساوون مع غيرهم, ومن لا يعتقد أن العرب هم الجنس الأعلى, فقد منحته العروبة أكثر مما يستحق.
*يحيي رفاعي سرور
7 - مايو - 2007
المسلمون خير البشر 000    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم
 
(فالمسلمون هم خير البشر 0000000)
 
هل نرتكن على هذه الخيرية ، وتضيع الدنيا من بين أيدينا ??
هل نقف مقيدين بالأصفاد والأغلال ،وتُنتهب حياتنا أمام أعيننا???
 
أنظر حولك _سيدى الفاضل _ واشرح لنا 0
*عبدالرؤوف النويهى
7 - مايو - 2007
مفهوم الاستعلاء    كن أول من يقيّم
 
مفهوم "الواقعية" مرة أخرى.. هذه المرة يحول دون قبول مفهوم "التعالي" كما وقف دون قبول مفهوم "الحرية", ومرة أخرى يأتي إلينا ذلك المفهوم بمتناقضاته, فكما رأينا كيف أن القائلين بالواقعية هم القائلين بالحرية رغم تعارض المفهومين (الحقيقة أن هذا التعارض غير حقيقي ومحصور داخل إطار الفكر غير الإسلامي), ها نحن نرى كيف أن القائلين بالمساواة بين بني الإنسان هم من يلمحون بأن اللامساواة هي واقع البشر, نفس المقولة التي نعتقدها لكن في الاتجاه المعاكس:
"أنظر حولك وستجد أنك الأقل بحكم الواقع"
إذا كان مفهوم التعالي مرفوض باسم الواقع, فلم الحديث عن المساواة رغم تباينها مع الواقع?. "التعالي" أمر غير متحقق في الواقع, و"الإنسانية الواحدة" غير متحققة في الواقع أيضا, فلم نرفض الأولى باسم الواقع وننادي بالثانية متجاهلين "الواقع"?! لكن دعنا من منطق الارتكاز على متناقضات الخصوم, ولنتجه إلى منطق أكثر أصالة, لنتحدث وكأنه ليس هناك خصوم ولنحل المشكلة. (وهذا ما لم نفعله بعد بصدد الواقعية والحرية).
لقد ميزت بين عدة منظورات للإنسان على ميزان القيمة, وحذرت من الخلط بين أحدهما والآخر, ورغم ذلك حدث الخلط, لقد ميزت بين العرب كنوع, وبين العرب كأفراد متعينين بالفعل في أرض الواقع, كما ميزت بين الإنسان كنوع, وبين أفراد النوع الإنساني, ورغم ذلك تم الخلط بين العرب كنوع, وبين العرب في الواقع, فتم رفض فكرة علو الجنس العربي استنادا إلى واقع العرب المتحققين في الواقع, وذكرنا أن العلو العربي كجنس يستند لا إلى الواقع بل إلى المشيئة الإلهية السابقة على تحقق العرب في الواقع, وذكرنا أن هذا العلو هو "ما ينبغي أن يكون", لا "ما هو كائن" , وسنشرح ذلك الأمر من زاوية كل الأطراف متفقة عليها: الإنسان مكرم عند الله (هذا ما ينبغي أن يكون), لكن في الواقع بعض بني الإنسان يقومون مثلا بزنا المحارم (هذا ما هو كائن) , والسؤال الآن: هل هذا الواقع ينفي التكريم الأول الذي كان يفترض ويجب على الإنسان تحقيقه في الواقع? في الحقيقة هو لا ينفيه , بل يبقيه كما هو ويدين الإنسان بجريمة عدم تمثل هذا التكريم في الواقع.
سنشرح هذا الأمر بطريقة أخرى: "قال الأخ الأصغر لأخيه الطبيب: يا أخي: أنت طبيب, ولا يليق بك أن تتعاطى المخدرات" . والسؤال الآن: هل هذا الفعل المشين ينفي عن الأخ الأكبر الصفة الأولى والمبدئية له وأنه "طبيب" و"أخ أكبر", أم أن هذه الصفة الأولى قائمة تدين كل تصرفاته المشينة?
أفضلية العرب على العالمين هي واقعة أولى, لا ينفيها الواقع العربي, بل تظل قائمة تدينه. وهذا أمر مفهوم ولم أكن أنتظر تعليقا يتضمن خلطا قد حذرت منه القارئ الكريم, وكان الأولى, ليكون التعليق أكثر وجاهة, أن يكون كالآتي:
إذا كان الإنسان يتعامل بالفعل مع الواقع وليس مع النوع, مع ما هو كائن وليس مع ما ينبغي أن يكون, فلم الحديث عن تلك الواقعة الأولى التي مضى عهدها, والتي هي اختيار الله العرب لحمل رسالة الإسلام للعالمين, ذلك الاختيار الذي, وإن كان يتضمن تفضيلا للعرب, إلا أنه, ولسوء الحظ, ليس من الواقع في شيئ"
لو كان هذا هو التعليق, فربما كنت أرتبك, وأتنازل عن كل أفكاري المتعلقة بـ"الآخر", وأرتدي "تي-شيرت" مكتوبا عليه :
"I Love Al Aakhar"
*يحيي رفاعي سرور
8 - مايو - 2007
خاص بالأستاذ يحي الرفاعي    كن أول من يقيّم
 
 
 
آسفة كوني أفقدتك خصومتي ( مؤقتاً ) مع أنني سعيت دائماً ، بدون طائل على ما يبدو ، كي لا تكون هناك خصومة : ربما يكون " هروبي " سببه حاجتي لإعادة تنظيم أفكاري في مكان " آمن " ، رغم أن هذا الأمن نسبي جداً ....
 
أحرص على متابعة ما تكتبه وربما أكون قد حاولت التدخل فيه من بعيد لأن التدخل المباشر يعني التورط في نقاش سيشغلني عن مشروعي المتواضع هذا ،  الذي لمحت ، كما أرى ، جوانباً منه والذي اعتمدت فيه على كتاب سبق أن نوهت به هو كتاب المعالجة النفسية الدكتورة : Anne Anceline Schutzenberger 
وهو بعنوان :  
Aiie , mes Aiieux
 بما ترجمته بعبارة : " آخ من جدودي " والطبعة التي بين يدي تحمل الرقم 15 وهو صادر عن دار :
Desclee de brouwer / La meridienne
 
هذا الكتاب الذي يدرس العلاقة بين الأجيال من وجهة نظر علم النفس التحليلي . هدفه علاج الحالات المرضية الناجمة عن خلل في العلاقات الأسرية ، ويبين كيفية امتداد تأثير هذه العلاقات إلى عدة أجيال ( تطمح الدراسة إلى توسيع المعرفة بهذه العلاقات إلى خمسة أجيال متعاقبة ) ، ويبين أهمية ما هو مضمر وغير معترف به وما لا نرغب عادة بالكلام عنه ، وهذا ما يحصل عادة ، وكيفية أن هذا المسكوت عنه يشكل ، بالإضافة إلى القواعد الضمنية المسيرة والموجهة لعلاقة الأفراد في العائلة الواحدة ، يشكل سبباً " لأمراض نفسية " لها نتائج خطيرة على السلوك الفردي .
 
أحاول جاهدة فهم مضمون هذا الكتاب لأنه يساعدني في فهم آلية العلاقات التي تتشكل بين أفراد المجتمع الواحد وتتألف منها الذاكرة الجماعية . أحاول في الوقت نفسه تنظيم أفكاري وتوضيحها في هذا الإطار .
 
كل هذا لا يلغي إمكانية التدخل المباشر أحياناً للتعليق على بعض الأفكار المهمة : أظنني سأكتب مقالتي التالية حول مفهوم المساواة وكيفية فهمي له ، بما يرفع عني الحصانة ( مؤقتاً ) وإلى أجل مسمى .
 
*ضياء
8 - مايو - 2007
دائرة تتسع الخصوم    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
الأستاذ يحيى : أشكرك أولاً لإبقائي ضمن دائرة الخصوم , فهذه خصومة فكرية مشروعة , وعلاقة إنسانية متواصلة ... , وأتمنى أن أقرأ دائماً مساهماتك الفكرية المتميزة , , ,
..... كنتُ أتوقع منك مساهمة من نوع آخر حول الحاكمية , أو حول كتاب الأدب الجاهلي , وانتظرتُ ذلك طويلاً ومازلتُ أنتظر , وفكرتُ كثيراً في الأفكار التي تطرحها حول العروبة , وللآن لا تعليق لدي , والصورة غير واضحة  , , ,
الأستاذ عبد الرؤوف النويهي : لا يفوتني شيء من كتاباتك الجميلة , وإن كُنتَ عاتباً على عتبي , فإني أبحث مثلك عن هذه الحرية , , ,
 وكيف ستكتبُ ردودك الرصينة دون أن تكون قد تعرضت للإنتقادات ?
لم أقصد أبداً مهاجمتك , ولا حتى مهاجمة  أفكارك , ولكني كنتُ أتساءل دائماً عن المنهج الذي تتبعه في انتقاء المواضيع التي تعرضها , وقد أردتُ طرح وجهة النظر الأخرى ليس أكثر , فتقبلها مني , , ,  
 
 
*محمد هشام
8 - مايو - 2007
أطروحة..    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
 أو دعوى كلدتسيهر
بناصر البعزاتي
للمستشرق الهنغاري اِ�ناتْسْ �ُلدْتْسيهِر ((1850-1921 تصوّرٌ عن وضع العلوم العقلية القديمة (أو علوم الأوائل أو علوم القدماء) في أحضان الثقافة الإسلامية مشهورٌ، مؤداه أنّ هذه العلوم بِقدر ما أقبل عليها بعضُ المسلمين منذ منتصف القرن الثاني للهجرة، عارضها بعضُ المسلمين الآخرين، من منطلق فقهي متزمّت أو ديني منغلق• فيسمّي �ُلدْتْسيهِر هذه الجموع من الفقهاء المناوئين للعلوم العقلية بالأرتودكسية أو فقهاء السنّة المتشددين• سافر �لدتسيهر في بعض مناطق الشرق الأوسط، وزار بعض المراكز الإسلامية والعلمية بالشام ومصر، مثل الأزهر، وحضر دروساً دينية وعاشر مسلمين عن قرب، ملاحظاً تنوّع الرؤى• ثم ألّف في صُلب الإسلاميات (الحديث والفقه والتفسير) ومكوّنات الفضاء الثقافي الإسلامي عامّة، مبرزاً اختلاف التيارات والتأويلات، سواء في التفسير أو الحديث أو الفقه• لكن تصوّره بخصوص مكانة العلوم العقلية التي تَعرّف عليها المسلمون، وهي ذات جذور في الحضارات غير العربية السابقة عن الإسلام، وموقف المتزمّتين منها، ضمّنه محاضرة ألقاها يوم 11 نونبر 1915 في نطاق جلسة من جلسات القسم الفلسفي التاريخي للأكاديمية الملكية البروسية للعلوم؛ وقدّمت المحاضرة للطبع في نفس اليوم، وصدرت منشورة يوم 21 فبراير 1916 ببرلين• والمقالة بعنوان: موقف الأرتودكسية الإسلامية القديمة [أو الأولى أو السابقة] من العلوم القديمة•1 والعالِم الدارس �ُلدتسيهر يحظى بمكانة محترمة في الأوساط الأكاديمية كافّة، لِما يتمتع به من حسّ تحليلي مدقِّق للمعاني• إذ كتب عنه المرحوم بدوي مثلاً: وكان سيّدَ الباحثين فيه الإسلام من الناحية الدينية خاصة، والروحية عامة، اجنتس جولدتسيهر 2. ثم كتب: ومِن مكتبه في مدينة بودابست ظل جولدتسيهر أكثر من ربع قرن شمساً ساطعة استمرّت تُرسل في عالَم البحوث الإسلامية ضوءاً يبدّد قليلاً قليلاً ما يحيط بنواحي الحياة الدينية الإسلامية مِن ظلام، ويُنير السبيلَ أمام الباحثين في الوثائق التي سجّلت فيها تلك الحياة [...] 3. ويشيد بدوي بنظرة هذا المستشرق التحليلية النقدية الكاشفة عن التيارات المتنوعة المتفاعلة في نسيج الثقافة الإسلامية، دون أن تبتعد عن النصوص الأصيلة؛ فيقول: وهذه النظرة إلى النصوص والوثائق [...] جعلتْه ينظر إلى المذاهب والنظريات والآراء نظرة زمانية لا نظرة مكانية، نظرة حركية لا نظرة سكونية، نظرة تاريخية لا نظرة مذهبية4. ثم كتب بدوي في سياق آخر: ولا عجب فإن جولدتسيهر أعظم مَن بحَث في المذاهب الإسلامية في الكلام والتفسير والحديث، من بين المستشرقين جميعاً؛ ولعله أن يكون أقدرَ باحث استطاع أن ينفُذ إلى طبيعة الحياة الدينية في الإسلام، وأن يحلل تياراتها ويكشف عن جوهرها، والعوامل المؤثرة فيها والتأثرات التي خضعت لها 5. وفي حديثه عن مؤلفات �ُلدتسيهر، يصفها بدوي بالروعة والعظمة والشمولية والتصوير الرائع؛ ويقول عنه أنه كان في كل خطوة يخطوها يتّكئ على النصوص ويعتمد عليها كل الاعتماد، وكان يسُوق الشواهد العديدة تأييداً لأقواله وتأكيداته 6. فقد ظل العالِم المجري بعيداً - نسبياً - عن مجرى الأحداث اليومية في زمانه، وانكبّ على النصوص الأصلية بلغاتها المختلفة• وبالطبع، ففي الإنسانيات والاجتماعيات والتاريخيات لا توجد أحكام نهائية؛ بل حتى في العلوم الصلبة، لا حكم نهائي• إذ لا مفرّ من أن تكون تفاصيل التصورات موضوع أخذ وردّ؛ لكن سيرورة التنقيب والتدليل والاعتراض في العلم تؤدي إلى التدقيق والفهم الأفضل على الدوام• ما معنى الأرتودكسية ? لا تشكّل المذاهب الفقهية الإسلامية كيانات منسجمة تمام الانسجام• فالمالكية أساليب متنوعة، بحسب المزاج ومستوى التكوين والولاء والموقع الاجتماعي لكل فقيه• والشافعية أساليب أيضاً، وكذا الشأن بالنسبة للحنبلية وللحنفية، إذ تتخللهما اجتهادات شخصية؛ حيث تتنوع النوازل والحالات، وتؤثّر الطموحات في توجيه الأحكام• ولكن، قد يظهر فقيه في فترة تاريخية ما، فيحاول إحياء المذهب الفقهي الطبري أو المذهب الأوزاعي أو المذهب الظاهري، استجابة لمتطلبات معيّنة؛ وقد يحاول آخر الدمج بين المذهبين الشافعي والظاهري ••• وهذا في نطاق ما نسميه بالمذاهب السنيّة، دون إغفال وجود تيارات فقهية شيعية، متشعبة هي أيضاً• والمذهب الفقهي الحنفي قد يمتزج مع جوانب من الفقه الشيعي (غير المُغالي) والكلام الاعتزالي• والمتكلم الأشعري قد يكون مالكياً أو شافعياً ••• لذا عادة ما يكون تبادل الفائدة بين الحنابلة والمالكية، وبين المالكية والشافعية، وأحياناً بين الشافعية والحنفية• لكن، يقف المذهبان الحنبلي والحنفي متباعدين، بدون تفاعل مثمر، بل يصطدمان، وأحياناً يتبادلان العنف المادي والرمزي• وهذا القول الموجز في حاجة إلى توسيع وتدقيق• فالمذهب المالكي، الذي قوي عودُه في بغداد من خلال مناظرات الباقلاني (توفي 403/1012) مع المعتزلة، وبعدها، أصبح يتناول مسائل تدليلية متطورة مثل الترجيح القائم على تصنيف الأدلة والحجج، عند منتصف القرن الخامس الهجري• والمالكية الذين انخرطوا في هذا الأسلوب وجدوا أنفسهم يمارسون علم الكلام (الأشعري)، وفي حوار تلقائي مع المذهب الفقهي الشافعي الذي بدأ بدوره ينظر في سبل الاستدلال العقلي في نفس الفترة التاريخية مع إمام الحرمين الجويني (توفي 478/1085)؛ في حين رفض جلّ المالكية بالغرب الإسلامي هذا الأسلوب البغدادي المنفتح من المالكية• وفي هذه السيرورة التناظرية الغنيّة، قد ينتقل المالكي إلى الشافعية أو العكس، أو ينتقل الحنبلي إلى الشافعية، أو يتخذ شافعيٌّ من أمرٍ ما موقفاً أقرب إلى مواقف الحنبلية• فالتّشدّد والتّزمّت والانفتاح منازل ومستويات، حسب مدى استيعاب المسائل النظرية والأمزجة والظرفيات المحلية والخارجية، وحسب موقع الفقهاء في المجتمع وعلاقتهم برجال الحكم، ومدى اعتبارهم للمصلحة الشخصية أو التزامهم المذهبي؛ ويرتبط كل هذا بمدى الرخاء المادي أو انتشار الفقر في المجتمع أو تعرّض لتهديد خارجي• إذن، الأرتودكسية موقف متشدد متزمّت، نسبة إلى مذهب أو علم أو تصوّر• فالحنبلي متشدد مقارنة مع الحنفي؛ والحنفي متزمّت مقارنة مع فيلسوف عالِم؛ وبعض الفلاسفة متحجّرون بالنظر إلى موقفهم من التجديد العلمي• والأرتودكسية إذن مفهوم مطّاط وتقريبي ونسبي، قد تتّسع سعتُه الدلالية أو تضيق حسب خصوصية المجال موضوع النظر وحسب حدّة التشدد في الموقف• ما العلوم العقلية ? لا تشكّل علوم الأوائل أو العلوم القديمة وحدة عضوية منسجمة تمام الانسجام، لأن المذاهب الفلسفية متعددة ومتنوعة ومتدافعة، بل متصارعة أحياناً• والعلوم مرتبطة بهذه المذاهب الفلسفية برباط تاريخي، لكن الرباط ليس لزومياً بين علمٍ ما ومذهب فلسفي محدد: إذ يمكن أن ينخرط عالِمان في نفس التقليد العلمي ويختلفان في جزئيات فلسفية• وإجمالاً، فإن الأفكار تتفاعل وتتدافع وتتحوّل عبر تنقّلها من نسيج ثقافي إلى آخر، تاريخياً وجغرافياً• فلا يمكن أن يكون عالِمُ الرياضيات عند بداية الحكم العباسي إلا تلميذاً لإنجازات اقليدس و/أو اَرخميدس وشرّاحهما، أو عليه أن يبدأ من أبجدية العلم؛ لكن قد يكون الرياضيُ أفلاطنياً أو أرسطياً أو رواقياً أو فيثاغورياً أو زرادشتياًً أو مسلماً أو مانوياً أو مسيحياً أو صابئياً •••، أو يمزج بين معتقد ديني ومذهب فلسفي• وعالِم المنطق في نفس الفترة قد يكون أرسطياً أو رواقياً أو جالينياً (نسبة إلى جالينُس)، أو يجمع ويؤلف بين هذا وذاك؛ ويمكن أن ينخرط في التقليد الهندي للمنطق الممتزج بفلسفة الصيرورة الأنطولجية؛ وقد يتمسك شخصٌ ما بفهم لغوي للمنطق كما لدى ابن السكيت• فالبيروني مثلاً تعمّق في الرياضيات، وأدار ظهره إلى المنطق والفلسفة المشائية؛ في حين أن الغزالي تحمّس للمنطق، وتحفّظ من التعمّق في الرياضيات، وتهجّم على الفلسفة• وهناك من أشار إلى الانفصال الممكن بين المنطق الصوري ووسيلته اللغوية وخلفيته الفلسفية• والانخراط في الفزياء (الفلسفة الطبيعية) يقتضي اطلاعاً على تصورات دمقريتس واَرسطو ويوحنا النحوي في باب العناصر والحركة• وقد عرف الفكر تنافساً بين تصوّري اَرسطو وفِلوبوُس، حيث موقف الفارابي قريب من موقف اَرسطو بينما موقف ابن سينا قريب من فِلوبونُس• هكذا تتطور التصورات في تفاعل وتنافس؛ ولا تساهم كل التصورات بنفس القدر في التجديد والنقد والبناء المعرفي• صلب دعوى �لدتسيهر• يرى الدارس المجري أن الفقهاء المتشددين اتخذوا مواقف مناوئة بإزاء العلوم العقلية، وعبّروا عن ذلك بأشكال متنوعة• فأحياناً يدعون إلى إحراق كتب العلوم والفلسفة والمنطق، وأحياناً يتّهمون المقبلين على قراءة تلك الكتب بالكفر أو الزندقة أو المروق، وأحياناً يصدرون أحكاماً وفتاوى بالسجن أو التعذيب أو النفي أو المنع من التدريس• وأغلب الأمثلة على تلك المواقف، يأتي بها �لدتسيهر من مواقف الفقهاء الحنابلة، وبعض المالكية والشافعية• ويتتبّع أحياناً تغيّر الموقف لدى بعضهم، مثل إسماعيل الأزجي (توفي 610/1213) الذي كان حنبلياً، ثم أقبل على قراءة علوم الأوائل، حيث برع فيها ودرّسها، فاتّهم في دينه• وأتى بمثال سيف الدين الآمدي (توفي 631/1233) الذي كان حنبلياً، ثم تحوّل إلى الشافعية، وأقبل على العلوم العقلية، فأدانه الحنابلة واضطهدوه وأباحوا دمه وهرب ••• ويأتي بأمثلة من مفكرين ضحايا التهم، مثل الكندي والسرخسي ••• ويأتي بنصوص من عند ابن الجوزي وابن الصلاح وابن تيمية والشاطبي والسيوطي تمنع النظر في العلوم العقلية، أو حتى قراءة كتبها• بل يمنع التشدّد أحياناً حتى من التعمّق في الدراسة اللغوية• ويأتي �ُلدتسيهر بأقوال معبّرة، مثل ما يروي أبو طالب المكي عن القاسم بن المخيمرة القائل: العربية أوّلها كبر وآخرها بغي• وقال بعض السلف: النحوُ يُذهِب الخشوعَ من القلب؛ وقال آخر: من أحبّ أن يزدري الناسَ كلّهم فليتعلم العربية• ومعنى هذا أن بعض الفقهاء كانوا ينهون عن التحليل النحوي والصوتي للغة، لأن التحليل قد يؤدي إلى بحث فيلولُجي وتاريخي ودراسة تفاعلية مقارنة للغات ••• كما كانت تنتشر تُهم ضد النحو بذريعة أن النحو يؤدي إلى الزيغ أو الحمق• وكان يقال إن أغلب النحاة يميلون إلى التشيّع لعلي بن أبي طالب ••• وعلّق �ُلدتسيهر: ويرتبط أو ينسجم هذا جيّداً بكوْن الرواية المألوفة في أمر بداية النحو العربي كانت تميل إلى شيعة علي 7. وبالطبع، ليس تشدّدُ الفقهاء بالضرورة على وتيرة ثابتة؛ إنما يخِفّ التشدّد أو يحتدّ حسب الملابسات المجتمعية والسياسية• وفي ذلك كتب �لدتسيهر: ومع تزايد سيطرة الأرتودكسية القاتمة أو المظلمة، يبلُغ عدمُ الثقة مِن لدن الدوائر الدينية بالإسلام المَشرقي بإزاء الاشتغال بعلوم الأوائل تعبيراً أكثر فأكثر حدّة• وإزعاج الفيلسوف الكِندي خلال البعث الأرتودكسي تحت حُكم المتوكل هو أقدم مثال بكيفية جيّدة• ولكن، لحسن الحظ، لم تُفلح تلك المضايقات في أن تجعل العنايةَ الدؤوبة بهذه العلوم عديمةَ الجدوى• ولم يتوجّه عدمُ الثقة ضد الأبحاث الفلسفية بالمعنى الضيّق فحسب 8. خلال سنوات لم ينظر الدارسون في دعوى �لدتسيهر هذه نظراً ذا بال، ربما لأنها اعتبرت وصفية عادية ومن باب أوائل المعرفة• والدارس فرانتس روزنتال لا يناقش تصور �لدتسيهر، لكنه يعبّر بنفس الألفاظ: شعرَت الأرتودكسية الإسلامية بأنها مرغَمة على محاربة العلم والمعرفة اليونانيين لأسباب دينية، ولذلك كانت تميل بالطبع إلى تصوير الإرث اليوناني بمثابة العدوّ الأصلي المخلوق من طرف الشيطان 9. نظرة جورج مقدسي• يناقش مقدسي أفكار �لدتسيهر حول مدارس التعليم ومحتوى التدريس ومكانة الفقه والصراع بين المذاهب الفقهية• ففي نظر مقدسي، يخطئ �لدتسيهر إذ يعتبر المدرسة النِظامية مؤسسة لعلم الكلام (الأشعري)؛ بينما يرى هو أن المدرسة مؤسسة فقهية؛ حيث كان كل مذهب فقهي يؤسس ما استطاع من مدارس، في سياق تنافسي•10 ولكنه يذكّر بكون الفقه كان يُقصي الإلهيات الفلسفية باعتبارها أجنبية عن الإسلام 11. كما أنه يلاحظ في مكان آخر: لقد كان في مدرسة الفقه الحنبلية حيث كان العنصر المحافظ أقوى [...] 12. ويشير إلى أن الخلاف كان يتخذ أحياناً شكل عنف دموي بين الحنابلة والمتكلمين الأشاعرة• وتطور البحث يسمح بتهذيب بعض المواقف، لكن ليس هناك تراجع عن الأساسي• انتقاد عبد الحميد صبره• يناقش الأستاذ صبره دعوى �لدتسيهر في نطاق ما يسميه دعوى الهامشية، أي الدعوى التي تعتبر أن العلوم العقلية لم تندمج اندماجاً عضوياً في نسيج الثقافة الإسلامية، بل بقيت على الهامش؛ أي ظلت أجنبية عن البيئة الإسلامية، لأن المقبلين عليها في الغالب كانوا غير عرب وغير مسلمين سنّة• وعنده أن هذه الدعوى (هامشية العلوم العقلية) متهافتة وباطلة• ولكن صبره لا ينسب الدعوى إلى �لدتسيهر؛ بل ينبّه على أن المرء قد يقع في فهم سيئ لمقالة المجري؛ ثم إن �لدتسيهر غيرُ مسؤول، وأنه لم يكن يقصد تقديم موقف الإسلام عموماً؛ فهذا التعميم غير مقترَح [وغير موحى به] في مقالته 13. في حين يرى صبره أن وجود العلوم العقلية في أحضان المجتمع الإسلامي من قبيل امتلاك طبيعي أمْلتْه شروطٌ تاريخية جعلت المجتمع الإسلامي يحتاج إلى هذه العلوم• لكن صبره، وهو يحاول التخفيف من حدّة مقاومة المتشددين السنّة للعلوم العقلية ومن مدى تأثيرهم، يأتي بمثالين: الأول عن المأمون العبّاسي الذي شجع العلوم العقلية ضداً على المناوئين أعداء المعتزلة (أي الحنابلة)، والثاني عن الخليفة الموحدي (أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وأبو يوسف يعقوب بن يوسف المنصور) الذي رعى وحمى ابنَ رشد، غير مبال بتهديدات المالكيين المتشددين• وهذان المثالان لا يسيران ضد دعوى �لدتسيهر، ولا حتى ضد دعوى الهامشية، بل يؤكدانها، لأن الحماية والرعاية أتتا من الحكّام، ضد تشدّد الفقهاء المحافظين• ويعود صبره إلى تأكيد فكرته مع تغيير بسيط، حيث يخطّئ تصور �لدتسيهر هذه المرّة باعتباره تقييماً إجمالياً، لكنه يقرّ بالقيمة التوثيقية الشاملة لمقالته الرائدة؛ وذلك في سياق هامشي بدون تفصيل•14 ولكنه لا يناقش عمق فكرة �لدتسيهر، بينما يقرّ بوجود وبقيمة النصوص المنددة بالعلوم العقلية• ثم يعود صبره إلى التأكيد على الاستمرارية بين الإرث العلمي القديم والعلوم العقلية التي نمت لدى المسلمين•15 إذن، مناقشة صبره لا تفنّد دعوى �لدتسيهر؛ وكيف يمكن إنكار نصوص بيّنة? ثم إن صبره يشير أحياناً إلى وجود هذه الأرتودكسية• انتقاد دِمتري غوتاس• يبدأ الأستاذ غوتاس بالحديث عن الترجمة الإنجليزية وما يرى أنها أدّت إليه من سوء فهم• ثم ينتقد �لدتسيهر في عدم تحديده للمقصود من الأرتودكسية وبأساس التفريق بين القديمة والحديثة•16 ويلاحظ غوتاس أن �لدتسيهر، تحت تأثير تشبّعه بالعقلانية في دراسته، ارتمى في موقف مناوئ للحنبلية باعتبارها لاعقلانية، وهو موقف إديولُجي من لدن �لدتسيهر• ويرى غوتاس أنه لا يوجد تشريع مركزي، كما هو الشأن لدى الكنيسة الأرتودكسية والكاتولكية، يسمح بإصدار فتوى نافذة كلياً• ثم يأتي بمثال الفاطميين في مصر، الذين كانوا أقلية وشجّعوا على العلوم العقلية• ويلاحظ غياب تحليل الشروط التاريخية والمجتمعية المحيطة بالتصريحات التي يأتي بها �لدتسيهر على لسان المتشددين الموجهة ضد علوم الأوائل• ولدينا بعض الملاحظات على انتقاد غوتاس: أوّلا: لا شك أن الحديث عن العقلانية التي كانت تحرك �لدتسيهر قد يجعلنا نفهم أفضل دقائق الاختيار عنده؛ لكنها لن يُلزمنا الكشفُ عن عقلانية �لدتسيهر على رفض الدعوى• فلا تطغى لدى الدارس المجري الأحكامُ المعيارية بالشكل الذي يجعلنا نستنتج أنه يؤوّل النصوص المختارة تأويلا بعيداً على ضوء قيم معيّنة• ثانيا: لو سُئل �لدتسيهر عن غياب التحليل التاريخي والسسيولجي في مقالته، لكان الجواب لا محالة بأن ذلك يجب القيام به من أجل فهم أفضل للعلاقة المتشعبة بين العلوم النقلية والعلوم العقلية، ومدى تنافسها وتدافعها، والمصالح وراء ذلك، وإرادة التحكّم والسيادة والاستمرار لدى الفاعلين في الحياة الثقافية والفكرية• وتلك مهمّة الدارسين اليوم• ثالثاً: هل يسير التحليلُ التاريخي والسسيولجي ضد تصوّر �لدتسيهر لمكانة العلوم العقلية في نطاق الثقافة الإسلامية ? لا• بل سيتكوّن عندنا فهمٌ أفضل للملابسات السياسية والمجتمعية بدون شك؛ وسنفهم أيضاً مدى قبضة رؤيةٍ معيّنة للمعتقد الديني على الأذهان، ومدى حرص المتشددين على منع البحث والتفكير النقدي، لاعتبارات مصلحية وسياسية• رابعاً: مثال الفاطميين لا يدحض تصوّر �لدتسيهر ولا يدعمه؛ فهو خارج مجال القول، لأنهم شيعة• ثم إن �لدتسيهر لا يقرر صراحة بأن التشدد آت من السنّة وحدهم، ولا يقول إن كل الفقهاء متشددون• والمعروف أن هناك من الحكام من رفض مواقف أشخاص (حالة السرخسي)، لا العلوم العقلية ذاتها• خامساً: لنفرض أننا اكتشفنا مئات من نماذج من الإبداع الفني الرائع والابتكار التقني الفعّال والتجديد العلمي المضبوط أنجزت في أركان المجتمعات الإسلامية، هل تَدحض (تفنّد وتبطل) هذه النماذجُ فكرةَ وجود نصوص لفقهاء متشددين مندّدة بالعلوم العقلية والفنون? لقد وجد علماء ساهموا في البناء الحضاري؛ ولكن تمسّك المتشدّدون بموقفهم المناوئ للإبداع والابتكار والتجديد• مدى التهذيب• لا شك أن البحث سيكشف عن الملابسات الثقافية والسياسية، وحتى الشخصية، التي كانت وراء اتّخاذ هذا الفقيه أو ذاك لهذا الموقف المتشدّد المتزمّت أو وراء عدم الاكتراث الذي يميّز موقفاً آخر• فتظهر نصوص وقرائن، تكشف عن ترابط بين الوقائع، وتفسّر الشروط المحددة للمواقف تفسيراً أفضل من السائد الآن• لكن، هل ذلك التفسير سيكذّب دعوى �ُلدتسيهر ? كيف يمكن تكذيب (إبطال أو دحض أو تزييف أو تكذيب) أنّ الفقهاء المتشدّدين وقفوا ضدّ اندماج العلوم العقلية ضمن الثقافة الإسلامية والعلوم النقلية? هل كل هذه النصوص المحرّضة على إتلاف الكتب الفلسفية والمنطقية والعلمية وإحراقها منحولة ? بل هناك أسماء لفقهاء آخرين ساروا في نفس التشدد، لم يوردها �ُلدتسيهر، مثل ابن أصبغ وابن العربي والسكوني وآخرين كثر• إن كتاب البخلاء من تأليف الجاحظ؛ وغداً قد يكتشف البحث أن جل محتوى الكتاب مسروق من مؤلَف لكاتب سابق، أو أن الجاحظ كتبه في ظروف نفسية وسياسية معيّنة• ولكن، لن يغيّر ذلك الاكتشاف كون الكتاب موجوداً• إذن، تظل دعوى �ُلدتسيهر متمتّعة بنصيب مهمّ من الصواب؛ وقد يتزايد الصواب في نفس القارئ على إثر اكتشاف نصوص أخرى للمتشددين؛ وربما يتراجع الصواب على إثر تقديم تبرير ما لبعض النصوص؛ بل لا نقول يتراجع إلا من قبيل المرونة الفكرية، لأنّ عدد النصوص المتوفرة المعروفة منذ زمن، التي تحرّض على تجنّب العلوم العقلية ومنعها، كاف لدعم دعوى �ُلدتسيهر• وقد كوّن العالِم الهنغاري فكرتَه نتيجة تحليل نصوص واضحة لا غبار عليها• ولن يتناقص عدد النصوص، بل قد يتزايد• ليس في تصوّر �ُلدتسيهر تحامل أو إجحاف بيّن، إنما النسبية العلمية تقتضي أن لا يبالغ أحد لا في الإطراء ولا في الطعن• ويمكن الاستئناس بقول بدوي: وهكذا كان منهج جولدتسيهر منهجاً وسطاً استطاع به أن يتجنب خطرين: خطر الضيق والسطحية في المنهج العلمي بالمعنى الدقيق، وخطر الإفراط في السعة والتأويلات البعيدة الخيالية في المنهج الوجداني الاستدلالي 17. أما ما يقول غوتاس عن وقوع �ُلدتسيهر ضحية الأفكار السائدة فمحدود المرمى• وغوتاس نفسه لا يقول شيئاً عن تلك النصوص ولا ينكرها؛ فقوله لا ينفذ إلى صلب المسألة• وليست معارضة العلوم الوضعية خاصّة بالفقهاء المتشددين المسلمين، بل إن المعارضة تصدر أيضاً عن فقهاء متشددين مسيحيين أو يهودٍ أو صابئة أو غيرهم؛ وتأتي أحياناً من فلاسفة• وكم من مثال لمقاومة التجديد العلمي من لدن علماء مرموقين من نفس الميدان العلمي! ولا يقول �لدتسيهر إن مقاومة المتشددين أوقفت الفاعلية الفكرية والعلمية في أحضان الحضارة الإسلامية• فقد أكد مرات عكس ذلك؛ حيث يقول: ولكن، لحسن الحظ، لم تَفلح تلك المضايقاتُ في أن تجعل العنايةَ الدؤوبة بهذه العلوم عديمةَ الجدوى 18. ثم يقول في باب أثر التحريم على تداول المنطق: وعليه، فالأدبيات تُرينا أن هذا التحريم للمنطق من لدن المتعصبين، في نطاق نظام الدراسة للإلهيات الإسلامية، لم يفرِض نفسَه• فالمكانة المعلَنة التي احتلتْها الشروحُ والشروح الموسّعة والحواشي- ولن نشير إلا إلى تلك التي كانت ذات تأثير أكبر- من قبيل أعمال الأبهري (الشرح لإيساغوجي لفرفوريُس)، والكاتبي (الشمسية)، والأخضري، ومؤلفين آخرين لمُتون منطقية، في الدرس الإسلامي، تقدّم لنا الدليلَ على أنّ أصوات المعارضة المعادية للمنطق بقيت بدون نجاح• وعلم الكلام العقدي بالذات استخدم، في تأسيسه وتطويره، الفلسفةَ الأرسطية كمرشد منهجي، خصوصاً منذ فخر الدين الرازي (توفي 606) 19. ثم يؤكد �لدتسيهر على الاستمرار في تدريس المنطق، عند قرب نهاية المقالة: وحتى زمنٍ أقرب، ظل المنطق يُعتبر عِلماً مساعداً في الدراسة الدينية• ولم يكن هناك نقص في المتون لخدمة الشبان المتعلمين وإفادتهم في هذا الميدان؛ إنّما، كما جرت به المهارة الديدكتية في الشرق، وُضعت في ذلك منظوماتٌ باعتبارها شعراً تذكّرياً• وقد ألّف أحدُ المشهورين في زمانه في القاهرة، الكاتب المنتج كثيراً في الإلهيات، شمس الدين الشُجاعي (توفي 1197 ه)، قبل ما يزيد عن قرن بقليل، الأشكال القياسية في شكلٍ منظوم للتذكّر، ووضع عليه شرحاً 20. وختم �لدتسيهر مقالته بالإشارة إلى فشل التشدد المذهبي في تجميد الفاعلية الفكرية، وإلى أن الأرتودكسية المعاصرة لا تعارض العلوم العقلية• (?) كلية الآداب ، الرباط 1- Ignaz Goldziher, ?Stellung der alten islamischen Orthodoxie zu den antiken Wissenschaften?, Abhandlungen der Koniglich Preussischen Akademie der Wissenschaften, Berlin, 1916 (1-46). وقد ترجم المرحوم عبد الرحمن بدوي المقالة بعنوان موقف أهل السنّة القدماء بإزاء علوم الأوائل• نشرها مع مقالات أخرى، في كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ((1940 ، ص• 123-172. وترجمت المقالة إلى الأنجليزية سنة 1981، بعنوان: ?The Attitude of Orthodox Islam Toward the ?Ancient Sciences??, in Studies on Islam, tr. Merlin L. Swartz, Oxford U. P., 1981 (185-215). وهناك تصرّف في العنوان، وفي مواضع أخرى؛ مثلاً، في النص الألماني (ص• 9): أبو الفتح بن المَنّي (توفي 583)، وفي الانجليزي (ص• 188): أبو الفنح بن المُنَى• كما أن النصوص العربية غير واردة في الترجمة• والأرجح أنه لا توجد ترجمة فرنسية ولا إسبانية للمقالة• 2- عبد الرحمن بدوي، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، ط• 4، الكويت: وكالة المطبوعات، بيروت: دار القلم، 1980، ص• 307. 3- عبد الرحمن بدوي، نفس المرجع، ص• 309. 4- عبد الرحمن بدوي، نفس المرجع، ص• 310. 5- عبد الرحمن بدوي، نفس المرجع، ص• 302-303. 6- عبد الرحمن بدوي، نفس المرجع، ص• 311. 7- Ignaz Goldziher, ?Stellung der alten …?, s. 9: ?Dies hangt wohl damit zusammen, da? die gewohnliche Uberlieferung ?ber die Anfange der arabischen Grammatik eine ?alifreundliche Tendenz befolgt?. يترجم المرحوم بدوي الجملة مع تغيير بسيط، حيث يضع مقابل كلمة wohl كلمة لعلّ، هكذا: ولعل هذا راجع إلى أنّ ما يُروى عن نشأة النحو العربي فيه ميلٌ إلى علي• التراث اليوناني، ص• 131. الفرق بسيط، لكن جيداً أنسب، بحكم أن لعل ضعيفة الإقرار شيئا ما• ثم إن راجع تحمل معنى السببية، في حين أن الفكرة هي عن الترابط والانسجام• والترجمة الإنجليزية أقرب إلى ترجمة بدوي• 8- I. Goldziher, ?Stellung …?, s. 4-5: ?Mit dem Uberhandnehmen der Vorherrschaft einer finsteren Orthodoxie ist dies Mi?trauen der religiosen Kreise des ostlichen Islams gegen den Betrieb der ?ul?m al-aw??il zu immer scharferem Ausdruck gelangt. Die Beunruhigung des Philosophen al-Kind? wahrend der orthodoxen Restauration unter Mutawakkil ist wohl das fr?heste Beispiel. Solche Hemmungen haben jedoch gl?cklicherweise die rastlose Pflege dieser Wissenschaften nicht vereitelt. Das Mi?trauen richtet sich nicht nur im engeren Sinne gegen die philosophischen Forschungen?. وهذه ترجمة بدوي: وكلما ازدادت شوكةُ أهل السنّة المتشددين، كان عدمُ الثقة لدى البيئات الدينية في شرقي الإسلام بإزاء الاشتغال بعلوم الأوائل أشدّ وأعنف• وأقدم مثل لذلك ما شعر به الكندي الفيلسوف من قلق وخوف بعد عودة سلطان أهل السنّة في عهد المتوكل• ولكن هذه المضايقات لم تفلح لحسن الحظ في أن تجعل العناية المستمرة بهذه العلوم تضيع سدى• ولم يكن هذا النحو من عدم الثقة خاصاً بالأبحاث الفلسفية بمعناها الدقيق وحدها• (نفسه، ص• 125)• الترجمة الإنجليزية أقرب إلى ترجمتنا• 9- Franz Rosenthal, The Classic Heritage in Islam (1965), tr. from German by E. and J. Marmorstein, London & New York: Routledge, 1994, p. 26. 10- George Makdisi, The Rise of Colleges, Edinburgh U. P., 1981, pp. 303-4 11- G. Makdisi, ?The Guilds of Law in Medieval Legal History : …?, ZGAIW, 1, 1984 (233-252), p. 238. 12- G. Makdisi, ?Muslim Institutions of Learning in Eleventh-Century Baghdad?, BSOAS, xxiv, 1961 (1-56), p. 52. 13- A. I. Sabra, ?Appropriation and Subsequent Naturalization of Greek Science in Medieval Islam: A Preliminary Statement?, History of Science, xxv, 1987 (223-243), p. 231; repr. in Tradition, Transmission, Transformation, F. J. Ragep & S. P. Ragep (eds.), Brill, 1996 (3-27), p. 12. 14- A. I. Sabra, ?Science and Philosophy in Medieval Islamic Theology: …?, ZGAIW, 9, 1994 (1-42), p. 3. 15- A. I. Sabra, ?Situating Arabic Science: …?, ISIS, 87, 1996 (654-670), pp. 658, 661. 16- Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture, Routledge, 1998, pp. 166-175. هذا ويجب أن نشير في هذا السياق إلى أن الترجمة العربية لكتاب غوتاس، بعنوان الفكر اليوناني والثقافة العربية، مصيبة كبيرة أخرى من مصائب الترجمة العربية• 17- عبد الرحمن بدوي، نفس المرجع، ص• 312. 18- أنظر قبله، ص• 6. 19- Ignaz Goldziher, ?Stellung der alten …?, s. 41-42: ?Jedoch die Literatur zeigt uns, da? sich diese die Logik verdammende Gesinnung der Fanatiker im Studiensystem der islamischen Theologie nicht durchgesetzt hat. Die in Kommentaren, Superkommentaren und Glossen sich bekundende Stellung, welche ? um nur die einflu?reichsten zu nennen - die logischen Werke der Abhar? (Bearbeitung der Isagoge des Porphyrius), K?tib? (?emsijja), Achdar? und anderer Verfasser logischer Kompendien im islamischen Unterricht einnehmen, bietet uns den Beweis daf?r, da? die Stimmen der logikfeindlichen Opposition erfolglos verhallt sind. Selbst die Kal?mdogmatik hat sich zu ihrer Grundlegung und Entfaltung, besonders seit Fachr al-d?n al-R?z? (st. 606), der aristotelischen Philosophie als methodischen leitfaden bedient?. وفي ترجمة بدوي: وعلى الرغم من هذا كله، فإن الكتب المؤلفة تدلنا على أن هذا الرأي القاضي بتحريم المنطق، وهو الرأي الذي قال به المتعصبون، لم يكن نصيبه النجاح في السيطرة على نظام الدراسة الدينية الإسلامية• فالمكانة التي احتلتها الكتب المنطقية أمثال مؤلفات الأبهري (شرح إيساغوجي) والكاتبي (الشمسية) والأخضري وغيرهم ممن ألفوا متوناً في المنطق، نقول إن المكانة التي احتلتها هذه الكتب - ونحن لا نذكر هنا إلا أعظمها تأثيراً - في التدريس بجانب العلوم الإسلامية، تقدم لنا الدليل على أن أصوات المعارضة المعادية للمنطق ذهبت هباء، ولم يكن لها في واقع الأمر نجاح• بل إن علم الكلام نفسه قد استخدم، في تأسيس قواعده ومقدماته وفي تطوره وارتقائه، الفلسفة الأرسططالية كمرشد يسير على منهج قويم، وكان ذلك خصوصاً منذ الفخر الرازي (المتوفى سنة 606) ؛ ص• 166. الترجمة الإنجليزية أقرب إلى ترجمتنا• 20- Ignaz Goldziher, ?Stellung der alten …?, s. 42: ?Bis zur neuesten Zeit wird die Logik im Studium der Theologie als Hilfswissenschaft behandelt. Zu Nutz und Frommen der studierenden Jugend fehlt es nicht an Kompendien (mut?n, text-books) f?r diese Disziplin, ja sogar, nach einem im Orient noch immer gangbaren didaktischen Kunstgriff, an Versus memoriales (manz?m?t) f?r dieselbe. Ein seinerzeit angesehener, sehr fruchtbarer theologischer Schriftsteller in Kairo, ?ams al-din al-Su???? (st. 1197 h) hat vor etwas mehr als einem Jahrhundert die syllogistischen Figuren in Denkverse gebracht und dazu einen Kommentar verfa?t?. وفي ترجمة بدوي: وظل المنطق حتى أحدث العصور يدرس مع العلوم الشرعية بوصفه علماً مساعداً• ووضعت لفائدة الطلاب متونٌ في هذا العلم، بل وضعت فيه منظومات أيضاً، جرياً على تلك الطريقة التعليمية التي لا تزال شائعة في الشرق• ومنذ قرن أو يزيد نظم أحد الكتّاب من رجال الدين في القاهرة، وكان كثير التآليف مشهوراً في زمانه، أشكال القياس، وأضاف إلى ذلك شرحاً عليه؛ ص• 167. سقط اسم شمس الدين الشجاعي في ترجمة بدوي•
 
*abdelhafid
10 - مايو - 2007
جولد تسيهر    كن أول من يقيّم
 
شيئ يدعو للتقزز أن يُعرِّفنا جولد تسيهر بأنفسنا, من وصفهم بالتشدد والتزمت هم (فقط) من سبقوا الغرب في الاعتراض على أرسطو, أما من وصفهم بالعقلانيين فهم "مطاريد" الحضارة الإسلامية و"حرافيشها", المعروفين بـ"الفلاسفة المشائين", السائرين على نهج أرسطو, ذلك الرجل الذي كان الهجوم عليه هو "موضة" عصر النهضة.
كتبت قبل ذلك عن الغاية الخبيثة للمستشرقين في ترجيح كفة المتأرسطين العرب على أهل السنة أثناء تدوينهم للتاريخ الإسلامي.
 
 
 
*يحيي رفاعي سرور
11 - مايو - 2007
حول مفهوم المساواة    كن أول من يقيّم
 
 
المساواة من سوي ، جذرها : سوا . سواء الشيء مثله . استوى الشيئان وتساويا : تماثلا. وإذا لحق الرجل قِرنَه في علم أو شجاعة قيل : ساواه ( لسان العرب ) وهي بمعنى عادله قيماً وقدراً ( المنجد ) .
 
مفهوم المساواة مفهوم مثالي لا وجود له في الطبيعة ، إلا ما حاول فكر الإنسان إنتاجه من صور وأفكار أوأشياء متساوية ، كالرسوم الهندسية مثلاً ، أو الأدوات والمنتجات الصناعية المتشابهة والمتساوية فيما بينها . في الطبيعة ، لا تتساوى الأشياء ولا تتشابه تماماً أبداً !
 
 
المساواة كفكرة مجردة ، عندما ترتبط بحياة البشر ، تضاف إلى العدل كصفة لصيقة بها ولا تنفصل عنها ، مع أن البشر مختلفون عن بعضهم البعض ، منذ الأزل ، مختلفون في كل شيء ولا يتساوون أبداً ، لا في الطبع ، ولا في الشكل ، ولا في القوة ، ولا في الشروط الإجتماعية .... في الحديث الشريف ، جاء على لسان النبي ( صلعم ) : " لا يزال الناس بخير ما تباينوا ( وفي رواية ما تفاضلوا ) فإذا تساووا هلكوا " . فمن أين أتت هذه الفكرة التي تقضي بأن الخير والعدل هو في المساواة ?
 
تغيرت فكرة المساواة بين البشر وتبدلت عبر العصور تدفعنا إليها رغبتان لا نستطيع دائماً تميزهما ، الأولى تأتي من الشعور بالظلم والرغبة في العدالة ، والثانية تنبع من الحسد والتنافس والرغبة في مماثلة الأقوى والأفضل ، وهي رغبات متأصلة في طبائع البشر .
 
لم تبشر اليهودية بالعدالة والمساواة لجميع أبناء البشر ، بل هي تدين بتماسكها واستمرارها إلى فكرة " شعب الله المختار " الذي اصطفاه لحمل رسالته ، لكنها وعدت بالمساواة بين بني إسرائيل وعداً تضمنته شريعة موسى عليه السلام ، وعداً يتحقق في الزمن على شكل نبؤة ، ولقد جاءت التوراة في سفر أشعيا ، الفصل الحادي عشر ، بما يلي :
 
( 1 ) ويخرج قضيب من جذر يسّى وينمي فرع من أصوله ( 2 ) ويستقر عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح العلم وتقوى الرب ( 3 ) ويتنعم بمخافة الرب ولا يقضي بحسب رؤية عينيه ولا يحكم بحسب سماع أذنيه ( 4 )  بل يقضي للمساكين بعدل ويحكم لبائسي الأرض بإنصاف ويضرب بقضيب فيه ويهلك المنافق بنفس شفتيه ( 5 ) ويكون العدل منطقه حقويه والحق حزام كشحيه ( 6 ) فيسكن الذئب مع الحمل ويربض النمر مع الجدي ويكون العجل والشبل والمعلوف معاً وصبي صغير يسوقها ............ ( 12 ) وينصب راية للأمم ويجمع المنفيين من إسرائيل ويضم المشتتين من يهوذا من أربعة أطراف الأرض ( 13 ) فيزول حسد أفرائيم وتضمحل عداوة يهوذا فلا أفرائيم يحسد يهوذا ولا يهوذا يعادي أفرائيم ....
 
لكن رسالة عيسى المسيح ، عليه السلام ، توجهت بذات الوعد إلى جميع أبناء البشر ، وجدد الله ميثاقه في " العهد الجديد " بمجيء المسيح " المخلص " الذي سيعود إلى الأرض ليملآها عدلاً ، وهي نفس الفكرة التي تبناها الإسلام عن عودة المهدي بما روى الإمام أحمد عن الإمام علي كرم الله وجهه قوله : " لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً منا يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً " .
 
جذر فكرة المساواة هو مفهوم ديني تجلى بأشكال مختلفة وارتبط بمفهوم العدل الإلهي ( الذي أثار الكثير من النقاش بين الفرق الكلامية وكان المعتزلة يسمون أنفسهم بأهل العدل ) . وظل الفكر الديني يشوبه الشك حيال قدرة الإنسان على إقامة مجتمع عادل حتى ضمن أبناء الدين الواحد فربطها بالنبوة .
 
في العصور الحديثة ، استعادت الفلسفات المادية فكرة المساواة بعد أن حملت وزرها الإنسان ، فبشرت الماركسية بإقامة العدل بين أبناء البشر ، بعد القضاء على أسباب الشرور والطمع الناتجة عن النظام التنافسي الرأسمالي ، في مجتمع شيوعي ، تسود فيه المساواة التامة ، معتمدة على افتراضها الضمني بأن الإنسان يسعى بحسن نية إلى المساواة بأخيه الإنسان ، وتراجعت الفلسفات الليبرالية المعاصرة إلى حدود الوعد بتأمين توزيع أكثر عدلاً للثروات ، والسعي إلى مبدأ تكافؤ الفرص ، بما يعني المساواة في التعليم والطبابة والضمان الإجتماعي وتوفير فرص العمل ..... وكان مبدأ المساواة شعار الثورات الأكثر تأثيراً في حياتنا المعاصرة : الثورة الفرنسية ( 1789 ) ، إعلان وثيقة إستقلال الولايات المتحدة الأميركية ( 1776 ) ، وتبني الأمم المتحدة لإعلان حقوق الإنسان ( 1948 ) .
 
 في القضاء والقانون ،العدالة وحدها بقي ميزانها مرفوعاً ، متكافىء الكفتين ، وفي توازن تام .
 
تعهد القانون بإقامة العدل ، سواء كان هذا القانون وضعياً ، أم مستوحى من الشرع الإلهي . لو راقبنا ما يجري على الأرض لاستنتجنا بأن ميزان العدالة ليس متوازناً تماماً ، وأننا لسنا فعلاً متساوين أمام القانون ، سواء كان شرعياً أم مدنياً . مع هذا ، نصر على فكرة المساواة ونتمسك بها فما الذي يدفعنا إليها بهذه القوة وهذا الإصرار ?
 
أما إذا قارنا وضعنا الراهن بوضع البلدان الغربية المتقدمة صناعياً  فسنجد بأن هذه البلدان هي الأقرب حالياً إلى فكرة العدالة والمساواة من بلداننا التي تعاني من أبسط الإحترام لحقوق البشر . فما هي العدالة التي نطمح إليها وكيف نفهم المساواة ? وهل يكفي بأن نتغنى بالأخلاق نظرياً ونحن نبتعد عنها كل يوم مئات الأميال ? وهل من الممكن لنا أن نطمع يوماً بتجاوز هذا التناقض الحاصل بين الفهم المادي للمساواة وأصله الديني ودون الرجوع إلى إعادة النظر جذرياً لكيفية فهمنا وإدراكنا لمعطيات الوحي وبعدها الأخلاقي ?
 
المساواة معيار مثالي غير متحقق على الأرض لكنه كبقية المعايير الأخلاقية يشكل سقفاً لعجرفة وتسلط بني البشر واستغلالهم بعضهم لبعض .
 كلما اقتربنا من هذا المعيار الأخلاقي كلما ازددنا اقترابا من جوهر الناموس الديني والأخلاقي المسير لحياة البشر عبر التاريخ .لا يمكن للإنسان   تحقيق المساواة إلا بقدر ما يقترب من المفهوم الأصل . الله تعالى وحده يعد بالعدل ونتساوى أمامه يوم الحساب :
  
إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 44  سورة يونس .
 
أو كقوله تعالى : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ 47  سورة الأنبياء .
 
إن إدراكنا الإنساني للمساوة على أنها تشابه وتماثل هو إدراك خاطىء ، فالمساواة تتضمن معنى التوازن ، والإعتدال يتضمن معنى التوازن ، الذي هو التوسط بين حالين ، المادي والروحي ، وهو يبدأ في الذات الواحدة ، فيكون الإنسان مساوياً لنفسه إي على توازن ووفاق معها ، أو لا يكون .
 
 
 
 
*ضياء
11 - مايو - 2007
الحاكمية فى ذمة التاريخ (7) عودة بعد انقطاع0    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
الدولة الدينية وحاكمية الله
عبد الرحمن الحاج
كاتب سوري
info@almultaka.net


لا يمكن النظر إلى التاريخ السياسي الإسلامي على أنه تاريخ حكم ثيوقراطي (دولة دينية)، ذلك أن لا أحد كان يحكم باسم الإله، بل يحكم بوصفه نائباً عن الأمة، أو مفوضاً عنها، وباستثناء أبو الأعلى المودودي - وربما أيضاً حزب التحرير- فإن ثمة إجماعا بين الإسلاميين على أن الدولة الإسلامية لم تكن قط دولة ثيوقراطية، لكن مرجعية النظام هي مرجعية نصوص دينية مثبَّتة، ومؤسسة فقهية مفارقة (على الغالب) لولاة الأمر، تشكل هذه النصوص عموماً مرجعية متوافقا عليها، يخضع لها الجميع، وبالرغم من أنه جرت محاولات عديدة في التاريخ للتحايل عليها، غير أنها في صميم فكرة "الخلافة" مرجع مفارق يخضع له أولو الأمر ورعاياهم على السواء، وكان ذلك سبباً جوهرياً في انفصال المؤسسة الدينية عن أولي الأمر بشكل مبكر.
ليس لنا أن نُبسِّط نظام الخلافة إلى الشكل الإمبراطوري الذي سبق عصر الإسلام، كما ليس لنا أن نقول:
إن نظام الخلافة مطابق تماماً للدولة الحديثة وإن كان مع فروق تاريخية قابلة للتعديل، ليس لنا ذلك أبداً، والواقع أن الباحثين وقعوا ضحية هاتين الرؤيتين المختزلتين، ففيما ذهب إلى الأولى الحداثيون ذهب إلى الأخرى الإسلاميون! ويبدو لنا أن "الخلافة الإسلامية" مفهوم وسيط، بين المفهومين؛ الإمبراطورية، والدولة الحديثة، وهو يمثل حالة انتقالية باتجاه الدولة الحديثة، ولا أستبعد أبداً أن تكون تصورات الخلافة الإسلامية في الأندلس كانت ملهمة للأوربيين ومساعدة لهم للانتقال نحو الدولة الحديثة، على كل هذه مسألة تحتاج إلى بحوث خاصة، لكن المؤكد بالنسبة لنا أن نظام الخلافة يحمل أشياء بني عليها مفهوم الدولة الحديثة، وأخرى تشكل جزءاً من الإرث الإمبراطوري الفارسي واليوناني، ولم يكن بالإمكان حصول هذه النقلة لولا مفهوم الشريعة المكتملة والملزمة المفارق للوضع الإنساني، وذلك ما يضع علاقة الدين بالدولة والدولة بالدين في حيز الالتباس خصوصاً مع ملاحظة تأثيرات الجزء المتعلق بالمنطق الإمبراطوري على نظام الخلافة.
لا يوجد في النصوص الإسلامية (القرآن الكريم والسنة الشريفة) ما يمكن أن يكون أساساً لفكرة أن الكيان السياسي للجماعة وظيفته "حراسة الدين وسياسة الدنيا به"، فهذه المقولة التي تعرَّف بها الإمامة في مؤلفات "السياسة الشرعية" والأحكام السلطانية وآدابها - وكما تشير مراجعتنا لمصادر التراث السياسي- تعود بشكل قاطع إلى أصول فارسية كسروية، وإذا أضفنا إلى ذلك التطابق الذي حصل في الوعي الإسلامي بين استعادة الدين والخلافة الذي تجلى في مفهوم "الدولة الإسلامية"، فإننا سنكون أمام مجموعة جديدة من التحويرات لمفاهيم من ملازمات "الدولة الحديثة" التي أجراها الفكر الإسلامي السياسي الحديث، على رأسها مفهوم "الحاكمية".
إن دور الدولة الوظيفي باعتبارها "حارسة للدين" جعل مسألة "حاكمية الله" باعتبارها سيادة الشريعة الإسلامية مساوية لـ"سيادة الأمة" باعتبار الأمة مسلمة، فسيادتها يجب أو "يفترض" أن تساوي "سيادة الإسلام"، ويصبح من السهل بعد ذلك تشكيل تقابل تناقضي بين "حاكمية الشعب" و"حاكمية الله"، الذي وصل أحياناً إلى تعبير "حاكمية الطاغوت" مقابل "حاكمية الله"!
ظهور مصطلح "الحاكمية" -الذي صكه أبو الأعلى المودودي وتلقفه سيد قطب- بحد ذاته كان وليد مفهوم "الدولة الإسلامية" وتصوراتها -التي تمتح من نظرية الخلافة- وصراعها مع الدولة العلمانية -بالمعنى العقدي لا السياسي وحسب للعلمانية-، لهذا السبب ظهر شعار "تطبيق الشريعة" باعتباره تحقيقاً للحاكمية، ومن هنا فإن حساسية النخب العلمانية من الإسلاميين وتشككهم المستدام من صدقهم في ممارسة يبدو كما لو أنه يمتلك بعض المسوغات، غير أن الإسلاميين أيضاً رغم إيمانهم جميعاً بضرورة تطبيق أحكام الشريعة يختلفون بالوسائل للوصول إليها، بين تمسُّك بالديمقراطية، والقبول بنهاياتها وأن تكون خياراً شعبياً لا خياراً سلطوياً نازلاًَ من أعلى مواقع الحكم، وبين من لا يقبل بأن تكون مكان مساومة وخيار أمة لا تعرف مصالحها، والمنطق الأخير عموماً تنزع إليه معظم الحركات الجهادية، وكثير من حركات الإسلام السياسي.
ولا شك أن النخب العلمانية المستفيدة من السلطة كانت دوماً تستثمر هذه الفكرة للانقلاب على الديمقراطية، أو حرمان الإسلاميين من الاستفادة منها، وقد أثبت التاريخ السياسي لكثير من حركات الإسلام السياسي والإسلاميين المستقلين أنهم - وعلى الرغم من إيمانهم بحاكمية الشريعة - إلا أنهم كانوا في أحايين كثيرة ملتزمين بالعمل الديمقراطي حتى نهايته، وربما الآن نشهد التزاماً واضحاً بالديمقراطية لدى معظم حركات الإسلام السياسي البرلمانية، لا بل إنه في بعض الأحيان كان الإسلاميون يمارسون السياسة تحت مظلة أحزاب علمانية كما هو الحال في سورية في فترة الخمسينيات.
لقد كان لتصور دور الحراسة الدينية للدولة الإسلامية أن تخلق شعاراً تعبوياً صاغه الإمام البنا، أعني تعبير "دستورنا القرآن"، وهو تعبير تحشيدي، لكنه أيضاً يوحي باستخفاف بالعمل الدستوري التوافقي، أدى هذا الشعار - الذي سهل لشعار الحاكمية ليسود خطاب الإسلام السياسي - إلى نوع من غياب النظرة الاحتفالية بالدستور، بوصفه وثيقة توافق، فقد أدى التحشيد الأيديولجي لمفهوم الحاكمية إلى سيادة نظرة وصائية للحركات الإسلامية وهي نظرة مقابلة تماماً للنظرة الوصائية الثورية في العالمين العربي والإسلامي، الذي كانت ضحيته دوماً الأمة ذاتها؛ لهذا قلما يتحدث الإسلاميون عن الدستور، وفي المقابل هم دوماً يتحدثون عن الشريعة.

*عبدالرؤوف النويهى
18 - مايو - 2007
تعليق على مقالة عبد الرحمن الحاج    كن أول من يقيّم
 
يقع البعض تحب إغراء الحديث من منطلق محايد بين الإسلاميين والعلمانيين, هذا يظهرهم في شكل (للأسف) موضوعيين, لكن من حيث هم موضوعيون, فهم مرفوضون, لأنهم بذلك يعيقون تقدم العرب نحو (ذاتهم), ومن حيث هم موضوعيون أيضا فهم لا شيء, إذ أن الموضوعية ذات الطابع الثلجي تأبى عليه دائما أن يكون شيئا ما.
هذا المنطلق المحايد الظريف أفرز ظاهرة منتشرة الآن في الحياة الفكرية, هي ظاهرة "تقديم النصح للإسلاميين", (ويا للدهشة.. هذه النصائح لا تفتقر إلى الصدق!), لكن بصراحة فنحن لا نتقبل تلك النصائح بشيء من الترحيب, شكليا.. قبول النصيحة أمر أخلاقي جميل أيا كان مصدرها, عمليا.. فتقديم النصح لنا ( من بعيد) له دلالة أن الشخص المتطوع الناصح ليس كفئا لإسداء تلك الخدمة, إذ لو كان له من العقل ما يجعله جديرا بتلك المهمة لكان (هو) (نحن) ولم يكن "مجرد ناصح مشفق", لتكفوا أيها الناصحون عن تقديم النصائح للإسلاميين ولتكونوا إسلاميين.
لكن موضة "تقديم النصائح" تلك, أسفرت عن أشياء مستفزة, مثل النصح بالتمييز بين "الدولة الدينية" وبين "الثيوقراطية", إنه لأمر يدعو للاستياء أن يتوجه إلينا بنصائح كنا نحن أول من أكد عليها, كثيرا ما أكدنا على أننا لسنا "ثيوقراطيين" أيها الناصح الأمين.
مثال آخر لـ"بيع الماء في حارة السقائين": "أبو يعرب المرزوقي", الرجل له كتابات جميلة خاصة بابن تيمية كفيلسوف, لكنه يفسد جمال ما يكتب حين يتقدم بالنصح إلى الإسلاميين قائلا: "يجب عليهم محاولة فهم ابن تيمية" , ممن عرف الناس "ابن تيمية" يا سيد "مرزوقي"?
القول بوجود إرهاصات حداثوية في الدولة الإسلامية هو قول يعني أمرا واحدا: هو أن مفهوم الزمان, أي القديم والحديث, ما زال يسيطر على تفكير أولئك الموضوعيين, بديلا غير شرعيا عن مفهوم الحق والباطل, وعلى ذلك فهم ليسوا أهلا للتقييم, فلا زالوا يعتقدون أن هناك أشياء هي, من حيث جوهرها, "حديثة".
القول بوجود تأثيرات يونانية أو فارسية في الحضارة الإسلامية, لا يعني إلا أمرا واحدا: هو أننا, بلغة الصيادلة, لم نضع أيدينا على المادة الفعالة في الحضارة الإسلامية, قد يكون عمر ابن الخطاب اقتبس النظام الفارسي في التدوين, لكن ليست المادة الفعالة في الحضارة الإسلامية هي "نظام التدوين", ذكرني هذا باعتراض "فرج فودة" على القول بوجود نظام سياسي إسلامي, اعتمادا منه على أن منصب الخلافة كان إلهيا( محمد عليه الصلاة والسلام), ثم إجماعيا( أبو بكر الصديق), ثم بالإختيار من متعدد (عثمان ابن عفان),ثم آل الأمر إلى الوراثة ( معاوية فما بعده), والحقيقة أن هذا الرجل "عبيط", لأنه شكل الوصول لمنصب الخلافة ليس جوهريا في النظرية السياسية في الإسلام.
"الحاكمية" ليست شعارا, ولا يصح أن يقال: "صكه أبو الأعلى المودودي, وتلقفه سيد قطب" حكم الله هو أخص خصائص الألوهية, وعمر مفهوم الحاكمية هو من عمر عقيدة التوحيد على هذه الأرض. الله سبحانه يقول: )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(المائدة: من الآية44) , وأعتقد أن هذه الآية نزلت قبل مولد الأستاذ: "أبو الأعلى المودودي" والأستاذ: "سيد قطب"
تأبى الحياة الفكرية إلا أن تبرهن لنا على أن "الموضوعية" لا وجود لها في الحقيقة, فغالبا ما ينظر الموضوعيون إلى معالم الفكر الإسلامي على أنه ذو طابع "حشدي" إعلامي, وفي هذا خروج عن "موضوعيتهم" التي تفرض عليهم معالجة الأفكار دون حديث عن النوايا, النظر إلى الفكر الإسلامي كشيء "مستغل سياسيا", يعكس نوعا من اسقاط صورة الآخر على الذات, ذلك الآخر الذي جعل من دينه وسيلة للحفاظ على دولته وليس غاية في ذاته (الكنيسة والدولة), وهذا الاسقاط يبطل دعوى الموضوعية, فالاسقاط نوع من التشوه في صورة الذات, ولو كان في الأمر "موضوعية" , أي استبعاد للذات, لما كان لهذا التشوه أثرا في الفكر, موضوعيتكم تسخر منكم.
هناك فصيل إسلامي يسبب لنا المشاكل دائما, هو "الإخوان المسلمين", لهم علينا حق الاعتراف بفضل السبق, وحق النصح أيضا, لا يجوز استخدام الديمقراطية لتحقيق غايات إسلامية, هذا نوع من التضليل, ومن جهة أخرى فهو سلوك عديم الجدوى, (الجزائر.. تركيا.. وأخيرا: حماس ومأزق السلطة), طريقنا أوضح من الشمس, لا حاكم إلا الله.
*يحيي رفاعي سرور
18 - مايو - 2007
 34  35  36  37  38