مقال فى العبودية المختارة 00إتين دى لابويسيه (15)     ( من قبل 3 أعضاء ) قيّم
لكنهم يريدون العبودية ليجنوا من ورائها الأملاك : كما لو كان فى مستطاعهم أن يغنوا شيئا بينا هم لايستطيعون أن يقولوا أنهم يملكون أنفسهم 0 يريدون لو حازوا الأشياء كأن للحيازة متسعا فى ظل الطاغية ويتناسون أنهم هم الذين أعطوه القوة على أن يسلب الجميع كل شىء دون أن يترك لأحد شيئا يمكن القول أنه له0 إنهم يرون أنه ما من شىء يعرض الناس لقسوته مثل الخير وأنه لا جريمة نحوه تستحق الموت فى نظره كحيازة ما يستقل به المرء عنه 0 إنهم يرون أنه لا يجب إلا الثروات ولا يكسر إلا الأثرياء –وهم مع هذا يسعون إليه سعيهم إلى الجزار كى يمثلوا بين يديه ملأى مكتنزتين ولكى يستثيروا جشعه 0 هؤلاء المقربون قد كان أولى بهم ألا يتذكروا من غنموا من الطغاة والحياة جميعا 0 كان أولى بهم أن يعظوا لا بالكثرة التى أثرت بل بالقلة التى استطاعت الاحتفاظ بما كسبت 0 لنستعرض كل القصص القديمة ولنسعد تلك التى تعيها ذاكرتنا : لسوف نرى ملء عيوننا إلى أى مدى كثر الذين اجتذبوا آذان الطاغية بطرق بخسة محركين سوء جبلتهم أو مستغلين غفلتهم ثم إذا هم بعد ذلك يسحقون فى النهاية سحقا بأيدى الأمراء أنفسهم ، لايعدل مقدار السهولة التى علوهم بها إلا بمقدار ما خبروه من انقلابهم إلى ضربهم 0 هذا العدد الغفير من الناس الذين عاشوا فى حمى هذه الكثرة من الملوك الأرذال لم يسلم منهم يقينا إلا القليل ، إن لم نقل لم يسلم منهم أحد ، من قسوة الطاغية التى بدأوا بتأليبها ضد الآخرين : ففى معظم الأحيان يثرى الغير بما يسلبون بعد أن أثروابما سلبوا فى ظل ما تمتعوا به من الحظوة 0 أما القوم الأفاضل ، لو وجد بينهم رجل يحبه الطاغية ، فهم مهما نالوا من حظوته ومهما أشرقت فيهم الفضيلة والنزاهة اللتان لايقربهما أحد ولو كان أردأ الناس صنفا إلا أثارتا فيه بعضا من الإحترام ، هؤلاء القوم لا دوام لهم فى كنف الطاغية : فهم يؤولون إلى ما آل إليه الجميع ولا يجدون مفرا من أن يعرفوا بخبرة مرة ما هو الطغيان 0 خذ مثلا هؤلاء الثلاثة الأفاضل :سينيكا وبوروس وترازياس 0 الأولان منهما كان من نكد طالعهما أن عرفا الطاغية فترك لهما إدارة أشغاله وأكن لهما التقدير والإعزاز ، خاصة وأن أولهما كان قد تعهده فى طفولته وكان له فى ذلك ضمان لصداقته ، ولكن ثلاثتهم يشهد موتهم الأليم شهادة كافية بأن حظوة السيد الردىء ليس أقل من ضمانها 0 وفى الحق أى ضمان يرتجى من رجل قسا قلبه حتى شمل كرهه مملكته المذعنة لأمره ونضبت فيه معرفة الحب فلم يعد يعرف إلاكيف يعدم نفسه ويدمر امبراطوريته ?? فلو قلنا أن هؤلاء الثلاثة إنما تردوا فى هذه العواقب لحسن خلقهم كفى أن نسدد النظر حول نيرون لنرى أن الذين لقو حظوته واستقروا فيها بأرذل الوسائل لم يدم زمنا 0 من الذى سمع عن حب استسلم له صاحب بلا حد ? عن إعزاز بلا قيد ? من الذى قرأ فى أى زمن من الأزمنة عن رجل ولع بإمرأة ولهاعنيدا ملازما كولع نيرون هذا قبل يوبيا ? ثم بعد ئذ دس لها السم !ألم تقتل أمه أجريبينا زوجها كلوديوس حتى تفسح له الهيمنة على الامبراطورية ? ألم تبذل ما وسعت ، ألم تقبل طواعية على كل إثم إعلاء له ? ومع هذا ما لبث ابنها هذا ، رضيعها ، امبراطورها الذى صنعته بيدها ، ما لبث أن جحدها مرارا أن انتزع حياتها فى النهاية ، وأنه لعقاب ما كان أحد ينكر أنه جزاؤها المستحق لو أن يدا أخرى أنزلته بها غير يد من مكنته0 أى رجل كان أسهل انقيادا وأكثر سذاجة أو بالأصح أكثر بلها من الأمبراطور كلوديوس ? أى رجل ركبته إمرأة مثلما ركبته مسالينا ? ومع هذا أسلمها أخيرا ليد الجلاد ! إن الغباوة تلازم الطغاة دائما حتى حين يريدون اسداء الحسن إذا أرادوا اسداءه ، ولكنهم حين يريدون البطش بالمقربين إليهم يسيتقظ فيهم لا أدرى كيف القليل من فصاحتهم 0 ألا تعلم هذه النادرة التى فاه بها هذا الذى رأى صدر المرأة التى شغف بها أيما شغف حتى بدا كأنه لايستطيع الحياة بدونها ، رأه عاريا فداعبها بهذه المزحة : هذا العنق الجميل قد يقطف قريبا لو أردت? لهذا كان معظم الطغاة القدامى يلاقون حتفهم على أيدى المقربين إليهم الذين إذ عرفوا طبيعة الطغيان لم يستطيعوا الاطمئنان إلى إرادة الطاغية بقدر ما حذروا قوته 0 هكذا قتل دوميسيان أتين وقتلت كومودس إحدى محظياته كما قتل أنطونان على يد مارسان ، وهكذا فى سائرهم 0 إن من المستيقن أن الطاغية لايلقى الحب أبدا ولا هو يعرف الحب 0 فالصداقة اسم قدسى وجوهر طاهر ، إنها لا تعرف لها محلا إلا بين الأفاضل ولاتؤخذ إلا بالتقدير المتبادل وليس بإغدق النعم 0 فالصديق إنما يأمن إلى الصديق لما يعرقه من استقامته ، ضمانته هى استقامته وصدق طويته وثباته 0 فلا مكان للصداقة حيث القسوة ، حيث الخيانة ،حيث الجور 0 فالأشرار إذا اجتمعوا تآمروا ولم يتزاملوا ، لاحب يسود بينهم وإنما الخشية ، فما هم بأصدقاء بل هم متواطئون |