البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الفلسفة و علم النفس

 موضوع النقاش : لما ذا لايوجد لدينا فلاسفة وهل عقمت الأمة العربية ?أم أننا خارج التاريخ ?    قيّم
التقييم :
( من قبل 25 أعضاء )

رأي الوراق :

 عبدالرؤوف النويهى 
10 - ديسمبر - 2005

جمعتنى ندوة من الندوات الفكرية ، منذأكثر من عشر سنوات ويزيد ، مع الأستاذ الدكتورحسن حنفى  صاحب الدراسات الفلسفية العديدة ومنها الدراسة الرائدة والملحمية {من العقيدة إلى الثورة }  و سألته آنذاك  لماذا لايوجد عندنا فلاسفة ? أم نظل عالة  على أفكار وفلسفة أو روبا وأمريكا?????أم أن الغرب  يحتكر العلم والفلسفة ونحتكر  نحن الفضلات الساقطة    منهم??????أتذكر حقيقة وبدون شك أن الإجابة كانت تبريرية  أكثر منها ردا على تساؤلاتى ... نحن أساتذة فى دراسة الفلسفة والفلاسفة ، ,لكن هل يأتى الزمن الذى يجود علينا بفيلسوف  أمثال  جان بول سارتر،  أو نيتشة، أو را سل أوهيجل  أوسيبينوزا أو .. أو ....?????????عموما أنا فى إنتظار جودو  ،  تبا لك يا صمويل بيكت  ،  أقصد الفلاسفة....ومازال سؤالى فى إنتظار الإجابة .

 30  31  32  33  34 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
مقال فى العبودية المختارة 00إتين دى لابويسيه (11)    كن أول من يقيّم
 
لقد وضع كسينوفون  ،وهو مؤرخ جاد من أئمة المؤرخين اليونانيين ، كتابا تخيل فيه حوارا بين سيمونيد وبين طاغية سيراقوصة هيرون حول كروب الطاغية 0
هذا الكتاب ملىء بنظرات نقدية طيبة جادة  وان اتسمت مع ذلك فى رأيى بأقصى ما يمكن من اللطف 0
ليت طغاة الأرض وضعوا هذا الكتاب نصب أعينهم أنى وجدوا لتكون لهم منه مرآة لهم ! فلو فعلوا لتبينوا رذائلهم ولأخجلتهم مساعيهم 0
فى هذا الحوار يصف كسينوفون كرب الطغاة إذ يضطرهم الأذى الذى يلحقونه بالناس جميعا إلى خشيتهم جميعا  قائلا بين مايقول أن الملوك الفاسدين يستخدمون المرتزقة الأجانب فى شن الحروب فرقا من ترك السلاح فى يد   رعاياهم الذين أمعنوا فى غبنهم 0(هذا وإن يكن من الصحيح أن التاريخ قد شهد بين الفرنسيين أنفسهم  وفى الماضى أكثر من الحاضر  ملوكا صالحين جندوا جيوشا من الأمم الأجنبية لا عن حذر بل حرصا على بنى وطنهم وتقديرا منهم أن خسارة الأموال يبخس ثمنها فى سبيل صيانة الأرواح عملا بما يسند إلى سيبيون  وأظنه الأفريقى ، من قوله أنه يفضل لو أنقذ مواطنا على ان يدحر ألف عدو ) 0 لكن  الشىء المحقق هو أن يبلغ تلك الغاية التى هى تصفية المأمورين بأمره من كل رجل ذى قيمة ما 0 بحيث يحق لنا أن نوجه إليه التقريع الذى يفخر تيراسون  فى إحدى مسرحياته( تيرانس )بتوجيهه إلى مروض الأفيال :
ألأنك تأمر الأنعام ، تجرؤ هذه الجرأة ??
 
بيد أن هذا التحايل من قبل الطغاة على التغرير برعاياهم لا يمكن أن يتجلى على نحو يفوق تجليه فيما صنع كسرى إزاء الليديين إذ دحرهم واستولى على عاصمتهم سارد  وأسر كريسوس ملكهم الذى ضربت بتراثه الأمثال وعاد به إلى بلاده فبلغه أن أهل سارد قد ثاروا 0 وكان يسعه سحقهم إلا أنه رغب عن تدمير مدينة فاق جمالها الأوصاف ثم هو لم يكن يريد أن يجمد بها جيشا لحراستها 0فتفتق ذهنه عن حيلة كبيرة توصل بها إلى مأربه : فتح دور الدعارة والخمر والألعاب الجماهيرية ونشر أمرا يحض السكان على الإقبال على هذا كله0فكانت هذه الحيلة حامية أغنته إلى الأبد عن أن يسل السيف فى وجه الليديين 0فقد انصرف هؤلاء المساكين البؤساء إلى التفنن فى اختراع الألعاب من كل لون وصنف حتى أن اللاتينيين اشتقوا من اسمهم الكلمة التى يدولون بها على اللهو  فقالوا   لودى  وكأنهم يريدون أن يقولوا ليدى 0
 
صحيح أن الطغاة لم يعلنوا جميعا عما يسعون إليه من تخنيث الشعوب 0ولكن ما فعله هذا صراحة يتوخاه معظم الآخرين خفية0
والحقيقة هى أن تلك طبيعة العامة الذين تضم معظم المدن القسط الأوفر منهم ، فهم شكاك فيمن أحبهم ، سذج  حيال من خدعهم 0
فلا تظنن أن ثمة عصفورا يسهل اقتناصه بالصفافير  او سمكة تهرع إلى الطعم بمثل العجلة التى تسرع بها إلى العبودية كل الشعوب منجذبة ، كما نقول ، بأقل زغبة تفتح فاها وإنه لأمر عجيب أن تراها تندفع هذا الإندفاع ، يكفى فيه مجرد زغزغتها 0 المسارح والألعاب  والمساخر  والمشاهد والمصارعون  والوحوش الغريبة والميداليات واللوحات ، هذه وغيرها من المخدرات كانت لدى الشعوب القديمة طعم عبوديتها  وثمن حريتها وأدوات الإستبداد بها 0
هذه الوسيلة وهذا المنهج وهذه المغريات هى ما تذرع بها الطغاة القدامى حتى تنام رعيتهم تحت النير 0
 
هكذا تأخذ الشعوب المخدوعة إذ تروق لها هذه الملاهى وتتسلى بلذة  باطلة تخطف أبصارها فى تعود العبودية بسذاجة تشبه سذاجة الأطفال الذين تخلب لبهم الكتب المصورة فيحاولون فك حروفها  ولكن بتخبط أكبر 0
 
واكتشف الطغاة الرومانيون اكتشافا آخر فوق هذا كله : موائد العشرات (موائد يلتف حولها أفراد الشعب كل عشرة حول مائدة ) يكثرون من الدعوة إليها فى الأعياد تمويها على  هؤلاء الرعاع الذين لاينقادون لشىء مثلما ينقادون للذة الفم والذين ما كان يستطيع أشدهم مكرا وأقربهم إلى أسماعهم أن يترك وعاء حسائه ليسترجع حرية جمهورية أفلاطون 0
 
*عبدالرؤوف النويهى
5 - أبريل - 2007
مقال فى العبودية المختارة 00إتين دى لابويسيه (12)    كن أول من يقيّم
 
كان الطغاة يجودون برطل من القمح ونصف لتر من النبيذ وبدرهم وكان أمرا يدعو إلى الحسرة  أن يعلو عند ئذ الهتاف :
                        عاش الملك!
فما كان يخطر على بال هؤلاء الأغبياء أنهم كانوا يستردون جزءا مما لهم ، وحتى هذا الجزء ما كان الطاغية ليجود به عليهم لولا سبقه إلى سلبهم إياه 0
 
من يلتقط اليوم الدرهم ويأكل حتى التخمة مسبحا بحمد تيبريوس ونيرون  وبسخاء عطائهما لاينبس بحرف يزيد عما ينبس به الحجر  ولاتصدق عنه خلجة تزيد عما يصدر عن الجذع المقطوع حين يرغم غدا  على أن يترك أملاكه لجشع هؤلاء الأباطرة  المفخمين  وأطفاله لشهواتهم ، لا بل دمه نفسه لقسوتهم 0
ذلك كان شأن الشعب الجاهل دائما : مفتوح الذراعين مستسلما للذة التى كانت الأمانة تقتضى بالإمساك عنها ، فاقد الإحساس بالغبن  والألم  اللذين كانت الأمانة تستدعى الشعور بهما 0
إنى لا أرى اليوم  أحدا يسمع حديثا عن نيرون إلا ارتعد لمجرد ذكر اسم هذا المسخ الكريه ، هذا الوباء الشنيع القذر الذى لوث العالم أجمع ، ومع هذا فلاسبيل إلى إنكار أن هذا السفاح ،هذا الجلاد ، هذا الوحش الضارى  حين مات ميتة لاتقل خزيا عن حياته  قد أثار بموته هذا  حزن الشعب الرومانى النبيل  الذى راح يتذكر ألعابه وولائمه حتى أوشك على الحداد –هذا ماكتبه كورنيليوس تاسيت ، وهو مؤلف جاد محقق فى طليعة من يوثق بهم0
 ولا أظننا سنعجب لذلك كثيرا إذا تذكرنا ما صنعه هذا الشعب من قبل حين مات يوليوس قيصر الذى استهان بالقوانين وبالحرية معا  والذى لا أرى فى شخصه مزية ما لأن انسانيته التى كثر الحديث عنها فى كل معرض ومقام كانت أبلغ ضررا من قسوة الوحوش الضارية ، فالحقيقة هى أن هذه الحلاوة المسمومة هى التى سكرت طعم العبودية لدى الشعب الرومانى ، ولكنه ما إن مات حتى شرع هذا الشعب ولماتزل ولائمه بفمه وعطاياه بذاكرته فى تكريمه وتكديس المقاعد المنتشرة فى الميدان العام ليوقد منها النار التى تحوله ترابا  ثم بنى له نصبا تذكريا ملقبا إياه بأبى الشعب (هذا ما جاء بعالية النصب ) وأبدى له من مظاهر التشريف ميتا مالم يكن ينبغى إبداؤه لحى إلا إذا أردنا أن نستثنى قاتليه 0 ثم لقب وكيل الشعب ،هذا أيضا لم ينس الأباطرة الرومان التلقب به الواحد بعد الآخر لما كان لهذه الوظيفة من الحرمة والقداسة ثم لأن القانون اقتضاها  للدفاع عن الشعب وحمايته فى ظل الدولة 0
بذا أرادوا اكتساب ثقة الشعب كأنما كان هم هذا الأخير هو سماع الاسم لا الشعور بنتائجه 0 وما يحسن عنهم صنعا طغاة اليوم الذين لا يرتكبون شرا مهما عظم دون أن يسبقوه بكلام منمق عن خير الجماعة  وعن الأمن العام : لأنك تعلم حق العلم ، يا لونجا ، ثبت الصيغ المحفوظة التى يريدون بها تغذية فصاحتهم وإن جانبت الفصاحة غالبيتهم لنفورها من وقاحتهم 0
كان ملوك آشورومن بعدهم ملوك ميديا لا يظهرون علانية إلا بعد وقت متأخر بقدر المستطاع ليتركوا الجمهور فى شك أهم بشر أم شىء يزيد  وليسلموا لهذه الأحلام أناسا لا ينشط خيالهم إلا حيث يعجزون عن الحكم على الأشياء عيانا 0
 
هكذا عاشت فى ظل الأمبراطوية الآشورية شعوب متعددة ألفت خدمة السيد الغامض وخدمته طائعة بمقدار جهلها  أى سيد يسودها ، لا بل هى كانت لاتكاد تعلم  إن كان لمثل هذا السيد وجود فخشيت جميعها بعين الاعتقاد واحدا لم يره أحد قط0
كذلك ملوك مصر الأوائل كانوا لايظهرون علانية إلا وقد حملوا على رؤوسهم حينا قطا وحينا فرعا وحينا نارا ، تقنعوا بها وتبرجوا كالمشعوذين  وبذا أثاروا بغرابة المنظر المهابة والإعجاب فى نفوس رعاياهم ، وكان أجدر بالناس لولا فرط حمقهم وعبوديتهم  ألا يروا فى هذا كله ، على ما أعتقد ، إلا مدعاة للهو والضحك 0
 
إنه لأمر يدعو إلى الرثاء أن نسمع بأى الوسائل تذرع الطغاة  حتى بؤسسوا طغيانهم وإلى أى الحيل التجأوا دون أن تتخلف الكثرة الجاهلة فى كل زمان عن ملاقاتهم  فلا يرمون شبكة إليها إلا ارتموا فيها وخلا تغريرهم بها من المشقة حتى أنهم إنما ينجحون فى خداعها أكبر النجاح حين يسخرون منها أكبر السخرية 0
 
*عبدالرؤوف النويهى
5 - أبريل - 2007
مقال قى العبودية المختارة 00إتين دى لابويسيه (13)    كن أول من يقيّم
 
ثم  ماذا أقول عن  مخرقة أخرى تلقفتها الشعوب القديمة كأنها نقد لازيف فيه ? لقد دخل فى اعتقادها أن إبهام بيروس ملك الإيبيريين  كان يصنع المعجزات ويشفى مرض الطحال ، ثم جملوا القصة فأضافوا  ان هذه الأصبع قد ظهرت سليمة وسط الرماد لم تصبها النار بأذى بعد أن احترق الجسد كله 0
 
هكذا يصنع الشعب نفسه الأكاذيب كيما يعود وليصدقها ، هذه الحكايات قد سجلها كثير من الناس ولكن على نمط لا يترك مجالا للشك فى أنهم لم يعدوا نقلها عما تردد فى جلبة المدن وعلى أفواه العامة 0منها أن  فاسبا سيان  رجع من آشور فمر بالأسكندرية متوجها إلى روما فصنع فى طريقه المعجزات : قوم العرج ورد البصر إلى الأعمى وأتى عجائب أخرى من هذا القبيل لا يغفل فى رأيى عن زيفها إلا من أصابه عمى يغلب عمى الذين ينسب إلى فاسباسيان شفاؤهم 0
 
إن الطغاة  أنفسهم يعجبون لقدرة الناس على احتمال ما يصبه على رؤوسهم من الإساءة لإنسان مثلهم ، لهذا احتموا بالدين واستتروا وراءه ، ولو استطاعوا لاستعاروا نبذة من الألوهية سندا لحياتهم الباطلة 0
 
إليك بسالمونيوس الذى تروى العرافة فى ملحمة فرجيل  أنه يرقد الآن فى قاع الجحيم  عقابا له على هزئه بالناس إلى حد جعله يريد تقمص جوبيتر أمامهم 0
 
لحقه شديد العذاب إذا ابتغى 0
محاكاة جوبيتر رعده 0
فشد أربعة جياد صواهل إلى عربته الفانية 0
ثم علاها  ممسكا  بشعلة  من النار الساطعة 0
وجرى فى سوق اليدا  ناثرا الرعب بين سكانها 0
المجنون إدعى ملك السماء وإدعى بالصاج 0
محاكاة الرعد الذى يأبى دويه المحاكاة ؛
ولكن جوبيتر  رماه بالصاعقة الحقة 0
فقلب عربته فى زوبعة من النار 0
غطتها هى وجيادها وبها  وصاعقته 0
كان النصر قصيرا ولكن العذاب مقيم 0
 
فإذا كان هذا المأفون لا يزال يلقى هذا العقاب  فى الدار الأخرى  بينما هو لايعدو أن ركبته نزوة من الحمق فيقينى  أن من تذرعوا بالدين تحقيقا لشروهم ينتظرهم كيل أعظم 0
 
أما طغاتنا  نحن فقد نثروا فى فرنسا رموزا لا أدرى كنهها  كالضفادع والزنابق والقارورة والشعلة الذهبية ، وكلها أشياء لا أريد أيا كانت ماهياتها  أن أثير التشكك فيها ما دمنا  ومادام أجدادنا  لم نر مدعاة للارتداد عن تصديقها  إذ وهبنا على الدوام ملوكا طيبين فى السلم  شجعان فى الحرب  حتى ليخال المرء أنهم وإن ولدوا ملوكا لم تسوهم الطبيعة على غرار الآخرين وإنما اختارهم الله القادر على كل شىء قبل أن يولدوا لحكم هذه المملكة والحفاظ عليها 0
 
وحتى لو لم يكن الأمر كذلك لما أردت الخوض فى الحديث عن صحة قصصنا  ولانقدها نقدا دقيقا  حتى لا أفسد جمالا قد يتبارى فيه شعراؤنا  أمثال رونسار  وباييف وبلاى الذين لا أقول أنهم حسنوا شعرنا  بل خلقوه خلقا جديدا  وبذا تقدموا  بلغتنا  تقدما يجعلنى أجرؤ على الأمل فى ألا تعود بعد ذلك لليونانية  واللاتينية  مزية عليها  سوى حق الأقدم 0
 
فلا شك فى أنى سوف أسىء إلى نظمنا ( ولا أنكر أنى أستخدم هذه الكلمة طواعية  لأنه إذا كان من الحق أن البعض قد جعل من النظم صنعة آلية  فمن الحق أيضا  أن هناك عددا كافيا من القادرين على استرجاع نبله ومقامه الأول )، أقول أنى أسىء إلى نظمنا لو أنى جردته من حكايات الملك كلوفيس الجميلة بعد أن رأيت بأى رشاقة وسهولة  يسبح فيها وحى  رونسار فى فرنسوياته 0
إنى أحس أثر الرجل فى المستقبل ، إنى أعرف توقد فكره وأعلم لطفه :لسوف يوفى الشعلة الذهبية حقها مثلما صنع الرومان بدورعهم :
                       دروع السماء الملقاة على أرضنا
كما يقول فرجيل ، ولسوف يرفق بقارورتنا رفق الأثينيين بسلة اريكتون ولسوف يجعل الناس تشيد بشعاراتنا مثلما شاد الأثينيون بغصن الزيتون الذى لا زلوا يحفظونه فى برج منيرفا 0لهذا كنت أتجاوز الحد يقينا لو أنى أردت تكذيب كتبنا وجريت فى مراتع شعرائنا 0
ولكنى أعود إلى موضوعى الذى لا أدرى كيف أفلت منى خيطه  ألحظ أن الطغاة كانوا يسعون دائما كيما يستتب سلطانهم إلى تعويد الناس على أن يدينوا لهم لا بالطاعة  والعبودية فحسب  بل  بالإخلاص كذلك 0
_فكل ماذكرت حتى الآن عن الوسائل التى يصطنعها الطغاة ليعلموا الناس كيف يخدمونهم طواعية إنما ينطبق على الكثرة الساذجة من الشعب 0
إنى أقترب من نقطة هى التى يكمن فيها على ما أعتقد زنبلك السيادة  وسرها  ويكمن أساس الطغيان وعماده 0
إن من يظن أن الرماحة والحرس  وأبراج المراقبة  تحمى الطغاة يخطىء فى رأيى خطا كبيرا 0
 
ففى يقينى أنهم إنما يعمدون إليها مظهرا وإثارة للفزع لا ارتكانا إليها 0فالقواسة تصد من لاحول لهم لاقوة على اقتحام القصر ولكنها لا تصد المسلحين القادرين على بعض العزم 0ثم أن من السهل أن تتحقق أن أباطرة الرومان الذين حماهم قواسوهم يقلون عددا عمن قتلهم حراسهم 0
 
فلا جموع الخيالة  ولافرق المشاة ولا قوة السلاح تحمى الطغاة 0
 
*عبدالرؤوف النويهى
7 - أبريل - 2007
حامد ربيع    كن أول من يقيّم
 
الأخ خالد..
بخصوص كتاب "سلوك المالك.." تحقيق حامد ربيع, فهو غير موجود على الشبكة, كما أن الكتاب نفسه غير متوفر بالمكتبات, ولم أعثر إلا على هذا الرابط للتعريف بالكاتب:
تجب الإشارة هنا إلى أنني لم أقصد بالأهمية: كتاب "سلوك المالك.. نفسه" والذي هو الكتاب المحقَّق القديم لصاحبه ابن أبي ربيع, فهو كتاب محدود الأهمية بالنسبة لكتب التراث, إلا أن حامد ربيع قد جعله مجرد نموذج لكيفية التعامل مع التراث, ثم توسع في عرض مسألة التراث بشكل عام, وهذا ما كنت أود الإشارة إليه, وهذا التقديم يقع في ما يقرب من ثلاثة أضعاف الكتاب نفسه, وهو من التقديمات التي فاقت في أهميتها الكتاب نفسه, مثل كتاب "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" الذي كان مقدمة لكتاب "المتنبي" للأستاذ محمود محمد شاكر.
إهداء الكتاب كان:
"إلى كل من لم يعمر قلبه سوى الإيمان بقدسية تعاليم أجداده.. إلى كل من ظل صامدا إزاء موجات التحلل التي تحيط بنا.. إلى كل من أحاط ثقته في تاريخنا الإسلامي بحائط صلب لا تنفذ منه معاول الهدم والتخريب.. إلى كل من وقف ثابتا لا تعنيه السهام المصوبة إليه.. إلى كل من لم ير في الدم الذي ينساب من جسده سوى ضريبة يدفعها للأجيال القادمة"
أما تصدير الجزء الأول فكان:
"رغم مضي قرابة ثلاثين عاما فلا أزال أذكر ذلك اليوم الذي قادتني فيه الأقدار لأن التقي بالشيخ "حسن البنا", كنت صبيا, وكان يجلس إلى جواري قريب, كان يشعر بما تعتمله نفسي من تمزقات. ونظر إلى الشيخ الوقور وقال عقب فترة صمت: "اذهب يا بني وأكمل ثقافتك وانهل من مصادر العلم فنحن في حاجة إلى مثلك". وتمضي الأيام, وأمضي قرابة عشرة أعوام معتكفا في "دير سان فرانشيسكو" على مشارف روما بمدينة الفاتيكان, وأعود إلى العاصمة التي عرفت طفولتي, ولأنتمي إلى أعظم جامعة في الشرق الأوسط. وتبدأ قصة جديدة من المعاناة: كيف أُدخل الفكر السياسي الإسلامي في تلك الجامعة وعلى وجه التحديد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية, حيث لا يزال يتألق فيها الفكر والكهنوت الكنسي? وتقف مني جميع العقبات, إن جهالة القرن العشرين التي يتصدرها ويحمل لواءها مُدَّعو الثقافة العلمية تأبي علينا أن نعود إلى تقاليدنا وتراثنا, ولكنني أشعلها حربا بلا هوادة, سوف أحمل هذا الصليب وأسير به نحو قمة الجبل , لأنني واثق أن أمتنا لن تقف على قدميها إن لم تعد إلى تعاليم آبائنا, تنهل منها رحيق القيم وقصة البطولة وعظمة الإنسانية المسلمة. وإذ أرى من حولي قلوبا خاوية وعقولا جاهلة ونفوسا ضعيفة فإن هذا لن تكون له من نتيجة سوى زيادة في الإصرار وقوة في الصمود, إن من يعارض ذلك ليس إلا شخصا سيء النية عميل للقوى الأجنبية التي يعنيها أن تظل أمتنا عل حالها من الجهل والتجهيل.
فهل يستطيع أولئك الذين على عاتقهم هذا الواجب أن يخرجوا سيوفهم وأن ينضموا إلى جيش التحرير الفكري?
أما تصدير الجزء الثاني فكان:
وتمضي الأيام وتصبح الحقيقة واقعا, ويخرج الحلم إلى حيز الوجود, ها قد قدر لنا أخيرا أن نخرج إلى النور هذه الوثيقة التي يجب أن تقلب رأسا على عقب جميع المفاهيم المتداولة في فقه السياسة: ليس مكيافيللي هو من خلق علم السياسة, وليس الفقه الأوروبي هو الذي عرف نظرية أعمال السيادة, ولسنا في حاجة لأن نبحث عن الفقه الألماني لنجد هدما لم قدمته لنا الثورة الفرنسية ونظرية القانون الدستوري على أنه الإعجاز الفكري والتنظيري , ولندع جانبا تلك الادعاءات عن أصالة المدرسة السلوكية ومتغيرات العملية السلوكية كما قدمها فرويد وكما زعم الفقه الأمريكي بأنه صاغها وأبدعها.
هنا في قلب الأمة الإسلامية, وفي أزهى عصورها, عقب أن ترك هارون الرشيد بصماته على حضارة العالم فأضحى السلام الإسلامي هو محور الوجود , إليه تتطلع الأبصار وحوله تخفق الأفئدة, تكامل فقه الإنسان السياسي: في عظمته كقيم.. وفي دستوره كممارسة.. وفي بنائه كنظام."
دمعت عيني فعلا وأنا أكتب هذين التصديرين لرجل قُدِّر له أن يكتب في النيام.
*يحيي رفاعي سرور
8 - أبريل - 2007
نبش القبور للبحث عن الأصنام    كن أول من يقيّم
 
إن تطور المنطقة العربية لا بد وأن يقودنا إلى مفهوم الإسلام المكافح  والإسلام كحركة تحرر فى العالم المعاصر ينطلق من ظواهر ثلاث لابد وأن تتكامل ليتكون من مجموعها نسيج واحد للتعامل الحركى ؛ اصلاح ، اكتشاف الذات، تأكيد للإرادة الواعية 0
لابد من اصلاح النظام السياسى الإسلامى لا فقط كأسلوب للتعامل بين الحاكم والمحكوم  بل كعقيدة  من حيث التصور والإدراك للنظام الإجتماعى 0 بل إن هذا الإصلاح يجب أن يتسع ليشمل  إعادة كتابة الفقه 0قفل باب الإجتهاد أضحى لغوا لامعنى له 0
 محاولات الخمينى لاتزال تحمل طابعا بدائيا بحيث لايمكن الاعتماد عليها فى بناء نظامى يتفق والواقع المعاصر 0
البحث عن الذات واكتشاف حقيقة تلك الذات على المستوى الاجتماعى والفردى ، العالمى والقومى ، يأتى فيكمل ذلك العنصر الأول لأنه  يعنى اكتشافا للأصالة وتمكينا للتاريخ القديم من أن يترابط مع التاريخ المعاصر 0
 إنه عملية إحياء للتراث ليس بمعنى نبش القبور للبحث عن الأصنام وإنما دفع بدم جديد فى جسد قادر على الحركة 0
إنه يعنى تجديدا للذات التاريخية فى مواجهة ذلك الآخر الذى هو الغرب الإستعمارى أولا والكاثوليكية الإستفزازية ثانيا والماركسية المتحفزة ثالثا 0
كل هذه الحقائق لابد وأن تقود إلى تأكيد الذات الذى يعنى المعرفة بالوظيفة الحضارية 0
 
الإسلام هو المنظم لحركة الرفض ، هو المحور لأبعاد الوظيفة الحضارية ، وهو الجوهر الذى لابد وأن تنطلق منه العروبة القومية  وهو بعبارة أخرى أكثر دقة وتحديدا هو الخالق لنظام القيم الذى يجب أن يسود تطوراتنا السياسية 0
 
                    دكتور / حامد ربيع   
         كتاب (نظرية الأمن القومى العربى
 والتطور المعاصر للتعامل الدولى فى منطقة الشرق الأوسط )
        دار الموقف العربى 0 طبعة 1984  ص21
*عبدالرؤوف النويهى
8 - أبريل - 2007
مفهوم المعاصرة أو الواقعية    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم
 
هناك ظاهرة.. ابن تيمية نقد منطق أرسطو, في حين أن أحدا من الصحابة لم يفعل ذلك. هل يمكن القول مثلا أن ابن تيمية "جدد" الخطاب الإسلامي? لا.
ظاهرة أخرى.. المقاومة الإسلامية المسلحة في العراق تستخدم سلاح "الهاون", في حين أن أيا من المعارك التي خاضها الصحابة لم يستخدم فيها هذا السلاح? هل يمكن القول أن ثم "تغير" في طبيعة العلاقة بين الحق والباطل في المنظور الإسلامي? لا.
والسؤال الآن: إذا لم نعتبر هاتين الظاهرتين تجديدا في الإسلام, فما التوصيف الملائم لهما? لنتأمل جيدا حتى لا نقع ضحية السذاجة أمام كل كلمة مثل "جديد" أو "معاصر" أو "واقعية" في أي مقالة نقرأها :
الإسلام هو الحق..
لكن هذا الحق لا يبدو إلا من حيث هو في صراع مع الباطل..
هناك خاصية ثابتة جوهرية في الباطل هو أنه "كل ما هو مقطوع عن الله"..
ورغم أن الباطل ثابت من حيث المضمون إلا أنه متغير في الزمان من حيث الشكل..
ولما كان الحق لا يبدو إلا في صراع مع الباطل..
ولما كان الصراع هو نوع من العلاقة التي تقتضي نوعا من الملائمة..
كان شكل الحق ملائما لشكل الباطل الذي هو في صراع معه كلما تغير الزمان..
تغير شكل الحق كأثر من آثار تغير شكل الباطل يعني أن الحق في كل عصر من العصور يطرح تصورات جديدة لم تكن موضع نقاش في العصر السابق له, ويعني أن الفقه يعالج قضايا جديدة لم يكن يعالجها من قبل.. وهذه هي المعاصرة.
عملية تلاؤم شكل الحق مع شكل الباطل في الزمان, هي معاصرة, أما عملية تغير شكل الحق من عصر لعصر, وهي العملية التابعة للمعاصرة بهذا المعنى, فهي الإصلاح. أي جعل الحق من حيث المضمون يصلح لمواجهة هذا الباطل الجديد الذي لم يكن من قبل..
أما أن نتصيد ونفهم ونُلَوِّن كل كلمة لها دلالة على أي تغير زماني أو بنائي مثل: "الاجتهاد" أو "الإصلاح" أو "التجديد" أو "الترابط بين الماضي والحاضر" أو "الواقعية", أن نفهم هذه الكلمات بمعنى أنها دعوة إلى تغيير أو تجديد مفهوم الحق, فهذا أمر يدعو إلى الاستنكار, ولا يُعقَل أن يصدر عن عاقل, لأن الحق "كمضمون وليس كشكل" لو تغير في الزمان, لكان شيئا زمانيا, ولكن الحق هو الذي يضبط حركة الزمان, فلا بد أن يكون مفارقا للزمان من حيث المضمون, أي أن الحق لو كان شيئا في الزمان لكان باطلا.
الخلاصة: الحق والباطل أصلا ومن حيث المضمون, مفهومان مفارقان للزمان, لأنهما معرفان بدلالة النسبة مع الله (الحق هو ما كان موصولا إلا الله, والباطل هو ما كان مقطوعا عن الله) , لكن الحق والباطل في الزمان, متغيران في الشكل بتغير الإنسان في الزمان.
بهذا المعنى فقط يمكن, لو استخدمنا كلمة مثل التجديد أو المعاصرة أن نفهم أننا معاصرون, بمعنى أننا نعي الشكل المعاصر للباطل, مجددون, لأننا نجدد من القضايا التي نثيرها في مواجهة الباطل, ومن الأسلوب الذي نعرض به تلك القضايا, ولا يعني هذا إطلاقا أننا قد جددنا مفهومنا عن ماهية الحق وماهية الباطل نفسها. وأننا واقعيون, بمعنى أننا نستطيع تماما رد مفردات الواقع إلى عناصره الأولى من الحق أو من الباطل, أي قراءة الواقع جيدا. أي القدرة على رد الشكل (الذي هو الواقع) إلى المضمون (الذي هو الحق أو الباطل المفارقان للزمان).
ما كان يقصده الدكتور حامد ربيع بأن الثورة الخومينية تحمل طابع بدائي لا يعتمد عليه هو أنهم لا زالوا أسرى المشكلة التي بين علي رضي الله عنه, ومعاوية, رضي الله عنه, وليس عندهم القدرة على تتبع أشكال الباطل في الزمان (هذا لو افترضنا جدلا أن موقفهم من علي ومعاوية هو الحق). وكل دورهم في المعرفة مؤسس على بعث نصوص الأئمة دون أي نظر لمحتواها من حيث الضرورة المعاصرة لها.
أما لفظ إصلاح العقيدة, الوارد في المقالة التي أوردها الأستاذ النويهي فلا أعتقد أن الدكتور حامد يعني بها شيئا مما يراد بمفهوم تجديد الخطاب الديني حاليا, لأنني قرأت مقدمته لكتاب "سلوك المالك.." جيدا, إنه في أكثر من موضع يلح على دور السلطة وطبيعتها في الإسلام, بل ويؤكد على وظيفتها الرسالية في الخارج, بل ويؤكد على طبيعتها المسَيطِرَة, بل وأكثر من ذلك, إنه يقر بفكرة تخويل الأمة حق استخدام القوة ضد الدولة لضبط سلوكها, وكل ذي عينين يرى أن تلك الدعوة لا تتفق على الإطلاق مع مضمون ما يسمى "تجديد الخطاب الديني" حاليا, والذي يدور, رغم تعدد أشكاله, في فلك عزل الدين عن الدولة.
أرجو أن نكون على مستوى مناسب من عمق الفكر ونحن نقرأ.
*يحيي رفاعي سرور
9 - أبريل - 2007
استدراك .    كن أول من يقيّم
 
كلمة "إصلاح العقيدة" الواردة في المقالة تفهم في سياق البيئة التي كان يتوجه "حامد ربيع" إليها في كتاباته, إنها البيئة الناصرية التي كانت البيئة الأكثر بعدا عن مفاهيم الإسلام, وإذا كان الأمر كذلك, فإصلاح العقيدة, وفي ضوء كتابات "حامد ربيع" الداعية إلى إحياء التراث, لا يعني إلا إصلاح العقيدة الحالية عن الإسلام, أي العقيدة الباطلة عنه, إنه يعني إصلاح الخلل في العقيدة وليس إصلاح العقيدة بالمعنى المطلق, أكثر العلمانيات ضراوة في الدول الغربية لم تتحدث صراحة عن ضرورة تغيير محتوى العقيدة بالمعنى المطلق, فكيف يقصد ذلك "حامد ربيع"!.
*يحيي رفاعي سرور
9 - أبريل - 2007
انتقام الأهواء ..    كن أول من يقيّم
 
�يير هاسنر/ ترجمة وتقديم عبد الرحمان العمراني
يتضمن المقال الذي نترجمه لبيير هاسنر، مجلة commentaire 2006 أحد أبرز دارسي العلاقات الدولية الفرنسيين، تأملات فلسفية وسياسية في غاية الجدة والرصانة والعمق حول موضوع الأهواء ،ويلح هاسنر منذ البداية، مستعيرا في ذلك تعبير ستانلي هوسمان على حاجتنا اليوم إلى جغرافية سياسية للأهواء تنضاف إلى خرائط الأحداث العسكرية وأماكن تواجد الثروات• ومنذ البداية ينبهنا هاسنر أنه ينطبق على الأهواء ما ينطبق على الطبيعة ذاتها: لايمكن ترويضها والتحكم فيها إلا بفهمها وإدراك طبيعة الآليات التي تحركها والدينامية التي تولد وتفرخ وما يرتبط بها من مشاعر باتت تتراوح بين الرأفة الكوسموبولوتية والتألم عن بعد والكراهية العمياء التي تتغذى من الشعور بالخوف، وما قد ينتج عن هذا الخوف وتلك الكراهية من فظاعات أصبحت أحد لوازم الحياة الدولية وحياة المجتمعات، مهددة باستنهاض أكثر الغرائز بدائية وابتعادا عن مقتضيات الحداثة والحضارة• إن السفر الذي يقودنا خلاله هاسنر عبر الرسم والتحليل، وعبر استثمار مختلف الأساطير والميثولوجيات والأفكار التي أطرت الفهم الفلسفي للأهواء، من توكديد إلى غيفل، ومن توماس هوبز الى بيرنانوس ومن أفلاطون الى نيتشه، إن ذلك السفر الطويل يجعلنا نقف، كما سيلاحظ القارئ، على الطابع المعقد والمركب للأهواء، وعلى قدرتها على إنتاج الأضداد والمرور من النقيض إلى النقيض، كما يظهر واضحا من خلال منطوق تلك العريضة التي رفعت إلى الثوار الفرنسيين قبل سنة 1789 والتي أوردتها حنا آرنت في كتابها حول الثورة الفرنسية، تلك العريضة التي ابتدأت بـ باسم الرأفة وباسم حب الإنسانية رجاء كونوا لا إنسانيين!!• ثم إن هذا السفر الطويل الذي يدعونا إليه هاسنر في ثنايا الأهواء المعاصرة المنتشرة والمختبئة في أعماق النفوس اختفاء جذور الشجرة الكثيفة تحت الأرض، يجعلنا نقف على سذاجة تلك الأطروحات الاحتفالية (نموذج أطروحة نهاية التاريخ لفوكو ياما) والتي كانت قد بشرت بزوال التيموس، أي تلك المناطق في النفس البشرية القابعة بين العقل والغرائز حسب أفلاطون• وانتصارالاستعراف في مجتمعات ديمقراطية ليبرالية ينتصر فيها العقل على الأهواء بصورة أوتوماتيكية وسهلة• إذ تلك الأطروحات التي تستعير من المثول الدينية ولو بطريقة لاواعية فكرة الخلاص الأدبي تصطدم بالواقع العنيد الذي لاتنفك الأهواء المنفلتة من عقالاتها تضعه أمامنا بصور مروعة، صور الدم المسفوح والأشلاء الآدمية الممزقة والمطحونة• هل تنجح الأهواء في الانتقام بشكل دائم? إن مقالات هاسنر تنتهي بنبرة تفاؤلية، والفقرة الأخيرة تبرز الحاجة حسب رأيه إلى استنبات أهواء معتدلة قادرة في نفس الوقت وبشكل متزامن على محاربة المغامرة المدمرة والسلبية والتزمت الأعمى والتشكيك المعمم• في سياق انتقاد الطابع التقليدي والضيق للمفاهيم الجيوسياسية التي لايزال يستعملها هنري كيسنجر، كتب ستانلي هوفمان، منظر العلاقات الدولية الشهير يتعين اليوم إضافة خريطة للأهواء إلى خريطة القاعدة العسكرية وأماكن تواجد الثروات• ولست ادعي هنا، في هذا المقام صياغة جغرافية سياسية جديدة للأهواء وإن كنت أعتقد، مثل هوفمان بحاجتنا الملحة إليها اليوم، ولكني أود على سبيل التمهيد، نهج مسلكين لتوضيح الأمر• من جهة أولى أود أن أقدم بعض الإشارات حول دور الأهواء، فيما لازلنا ندعوه إلى اليوم بـ العلاقات الدولية وهي علاقات صارت تتموقع، أكثر فأكثر، عند نقاط التقاطع بين المحلي / الخصوصي والعالمي / المعولم، في تشابكهما المتعدد والمتنوع• ومن جهة أخرى سأحاول استخلاص بعض الدروس ذات الطابع العام، وذات الصلة بمواصفات النظام الدولي في القرن الذي دخلناه والذي يظهر، مثل وصف نيرون في البريتانيكا كغول ناشئ• في معظم المجالات، وفي أغلب الحالات، يتأكد اليوم الطابع العالمي للمشاكل المطروحة، وإذا كانت الحلول لهذه المشاكل تقتضي نوعا من الحكامة العالمية، أو في الأقل، تضامنا عالميا فإنه عادة ما يتم عرقلة هذا النوع من الحلول من خلال صراع المصالح، وبنيات نفوذ وسلطة، دولتية وغير دولتية، ولكن كذلك من خلال عنف تمارسه تيارات تعمل باسم خصوصية تتخذ صفة ردود الأفعال الدفاعية أو نزعات عولمية ضاغطة، متشددة ومتصارعة• وفي مواجهة هذه الخصوصيات النكوصية - الرد فعلية إذا صح التعبير - والنزعات العولمية الجارفة والمؤقنة من غلبتها، فإن المدافعين عن التعاون والتضامن والتسامح لا يجدون، كأدوات للتحرك غير استنهاض الاعتبارات العقلانية أو الأخلاقية والتي غالبا ما تنقصها قوة وحيوية وجموح الأهواء• إنها وضعية تعيد إلى الذاكرة، وتفيد في توصيفها تلك الادبيات الرائعة من قصيدة الشاعر ويليام ييت william yeate• - سقطت الأشياء جانبا، لم يعد المركز قادرا على حملها• هي الفوضى السابحة فوق العالم• الأحسن والأجدر تنقصه حرارة الإيمان• والأسوأ والأفظع مملوء بالعاطفة الجياشة• وليس مطلوبا ولا مطروحا بالطبع أن تطلب من الحكومات الديمقراطية والمنظمات الدولية تقليد ولا مجاراة المتشددين والمتزمتين على صعيد الأهواء، ولكن علينا أن نتذكر درس هيغل الذي أكد أن لاشيء سام يتم أو يتحقق دون حرارة العواطف، وكذا درس سبينوزا الذي يذكرنا هو الآخر باستحالة هزيمة العواطف السيئة دون أن نضع في مواجهتها عواطف إيجابية• وليس واردا بالطبع أن ننكر الفرق بين العقل والعاطفة، ولا أن نجعل من العقل مجرد أداة ووسيلة طيعة لخدمة العواطف الجياشة• المطلوب والمطروح والوارد إثارة الانتباه الى حقيقة أساسية تكمن في أنه ينطبق على الأهواء ما ينطبق على الطبيعة ذاتها: لا يمكن توجيهها إلا بالتكيف مع مقتضياتها، إما بمعرفتها وترويضها وإما بأمثلتها عبر البحث فيها عن مصادر القوة والإلهام• ولكنني مع ذلك، أسجل ابتعادي عن أي مفهوم سيكولوجي أو أخلاقوي للعلاقات الدولية، فهذه العلاقات، بادئ ذي بدء، تهم مجموعات بشرية، وتستدعي وجود مؤسسات دوليتة وغير دولتية، ولا يمكن، برأيي، أن نمر، باسم السيكولوجيا أو باسم الايتيقا، من الفردي إلى الجماعي بدون شكل ما من الوساطة أو التوسط، خاصة وأن العلاقات الدولية، مثلها في ذلك مثل السياسة هي خليط من المصالح والأفكار والعواطف الجياشة، وعادة ما يتم استخدام هذه الأخيرة - أو توجيهها - من خلال لعبة مصالح، وفي سياقات تتسم بوضعيات تفوّق أو ضعف، صعود أو انحلال، وكل هذا ضمن ميثولوجيات واساطير تحيل تارة إلى فكرة الخلاص، وتارة إلى كابوس الكارثة• غير أنه في زمن الارهاب والتزمت الديني والكبرياء الامبراطوري وايديولوجيات التطهير العرقي، والذي عوض زمن التوتاليتاريا والتزمت الايديولوجي، لا يمكننا ان نلتف عن السؤال الجوهري والعميق الذي يفرض نفسه والذي يمكن صياغته على النحو التالي: لماذا اصبحت الافكار اليوم حتى العالمية منها والمصالح حتى المتقاربة أو القابلة للتوفيق بينها مولدة للعنف والتوتر عوض الحوار والتعاون? ان محاولة تلمس عناصر الاجابة عن مثل هذا السؤال تدفعنا إلى تحليل دور الاهواء والعواطف، وعلينا لفهم هذا الدور الالتفات والتركيز على وضعيات حقيقية وموضوعية اكانت روحانية (القطيعة مع التقاليد وازمة المرجعيات) او سياسية (تحلل الامبراطورية، تحلل الدول) أواقتصادية( الطابع البارز والمدوي للفوارق ، فشل الاندماج عبر العالم••إلخ) أو تقنية (التطور المذهل لوسائط الاتصال، انمحاء الاحساس بالمسافة ، الاتجاه إلى تنامي وتنوع وسائل الاختراق والتدمير) هشاشة المجتمعات في ظل التعقد المتزايد للرهانات المطروحة• وكما كتب جان ليفتونليس صحيحا ذلك القول المأثور ان لا جديد تحت الشمس، فمن المؤكد ان العواطف الانسانية الموغلة في القدم تستمر في تحريك دواخلنا وخيالنا، لكنها تقوم بذلك ضمن شروط اخرى وفي سياق وضع تكنولوجي جديد• وهذا يغير كل شيء••(1) ومن بين عناصر هذا الوضع التكنولوجي الجديد التي تمس وتغذي العواطف هناك الفكرة المفزعة، فكرة الدمار الشامل، دمار قد يتاح التحكم في ازراره لطائفة أو لاشخاص، تلك هي خطورة التقاطع بين التطرف والتزمت والتكنولوجيات التي كان قد اشار إليها فريق المحافظين الجدد المحيطون ببوش، والتي كانت المرة الوحيدة ربما التي اقتربوا فيها من طرح فكرة تشبه الافكار• هنالك أيضا تطور المواصلات ووسائط الاتصال التي افضت إلى ما اسماه IRICH BECK بعولمة العواطف والتي تفضي بدورها إلى عولمة العنف• يكتب إيريك بيك بهذا الخصوص إن الجديد هو تداخل العالمي والمحلي في تشكيل التوترات ويتحدث عن بروز نوع من الرأفة الكوسمبويوليتية التي تحرك دواخل الناس وتدفعهم إلى اتخاذ المواقف وقد تولى ايريك بيك تحليل طبيعة وحدود هذه الرأفة التي تخلق ما اسماه بـ الالم أو التألم عن بعد والشروط التي يوفرها مثل هذا الشعور بالألم عن بعد في ميلاد كراهية كوسموبوليتية التي تنتهي بالاستغناء عن موضوع ملموس وماثل تنصب عليه الكراهية الجامحة وفي نفس الوقت تضاعف من وقع هذه الكراهية• ومن المفيد الاشارة إلى ان عولمة العواطف وتنوع الترجمات المحلية لتلك العواطف بقدر ما ينسف قدرة واستراتيجيات الدول القومية بقدر ما يمنحها فرصا ومناسبات لإعمال تلك القوة وتلك الاستراتيجيات بطرق مختلفة• من المأثور عن نيشته قوله إن الدولة غول بارد يتعدى في برودته كل غول آخر، لكن الدولة غول قد يتحول بتصرفاته واستخداماته عن بعد إلى غول حارق يتعدى في سخونته وحرارته أي غول آخر• تطور وديالكتيك العواطف ان ما يهمنا هنا هو الطابع العاطفي للحياة الاجتماعية والسياسية، وإنا كنا نشدد على الاهواء اكثر من العواطف والاحاسيس، فذلك لان الاهواء تدمج بين حرارة العواطف وديمومة الاحاسيس وهو ما يعطيها امكانية تشكيل تلك القوة الديناميكية الحيوية القادرة على التأثير في مسار تطور المجتمعات وفي علاقاتها المتبادلة• يعتبر في اطار تصنيف الأهواء المؤثرة في توجيه سلوك الشعوب وقادتها على ثلاث اصناف• لقد وضع توكديد اليوناني هذا التصنيف الذي استعاره بعده توماس هوبز في مؤلفه الشهير التنين وآخرون بعده: هناك أولا الخوف والبحث عن الأمان، ثم هناك الرغبات والشهوات الدافعة للبحث عن الخيرات المادية، تلكم الخيرات التي ترتبط حسب الحالات وأحكام القيمة اما بالشرف او بالكبرياء•• والتي ترتبط كذلك اما بالبحث عن المجد او بما اسماه هيغل بالاستعراف (اي البحث عن اعتراف الآخرين) وهناك ايضا الحب والكراهية، او عواطف مثل الصداقة والتضامن، الحقد والرأفة، واحاسيس أخرى من قبيل الغضب واليأس• اخيرا وربما هذا هو الاساسي، هنالك تلك الاهواء المختلفة والمركبة الناجمة عن تطور الفوارق التي تميز بين مختلف الفاعلين والتي تتمظهر من خلال الشعور بالمقت والرغبة في الانتقام• وبدون شك فإن التجاوزات الاكثر خطورة تجد مصدرها اما في صف المهيمنين الخائفين من ضياع سلطتهم، واما في صف من كانوا في عداد المهيمن عليهم ثم اصبحوا لتوهم في عداد المهيمنين، تأتي أكبر التجاوزات من الشعور بالغيظ الذي ينتاب الخاسرين، او من الرغبة في الانتقام التي تحدو الرابحين الجدد• معالجتان تحليليتان، أو على الاصح، اسطورتان مؤسستان توضحان بجلاء الديالكتيك المركب للكبرياء والخوف والرغبة في التملك والتراكم• المعالجة الأولى نجدها عند هوبز في سياق نظرتيه حول الخروج من حالة الطبيعة، فيما نجد المعالجة الثانية عند هيغل في سياق ما يسميه بصراع السيد والقن• عند هوبز يتحدد منطلق الاشياء بالندرة، ومسار الاشياء يتحدد بالبحث اللامحدود، و غيرالقابل للاشباع عن السلطة• غير ان اللحظة المركزية والحاسمة تصنعها تلك المواجهة بين العاطفتين المتصارعتين: الكبرياء وما يولده من رغبة في البحث عن المجد، والخوف وما يلازمه من رغبة في البحث عن الامان• الاولى تدفع الى الحرب فيما تفضي الثانية الى البحث عن السلم، غير ان الانسان لا يعيش فقط بالأمن ومن أجله، فحينما يتحقق الامن - يضيف هوبز - تبدأ رحلة البحث (اللامحدود) لا محدودية البحث عن السلطة عن الغنى والثروة - وهو ما كان موضوع جون لوك الاثير• اما عند هيغل، فان موضوع الصراع الأول والمؤسس يدور حول الاستعراف وهو مفهوم يحتل مكانة مركزية في بنائه النظري• فان كان يلفه بعض الغموض، وهو يعني قياس مدى الاعتراف بقوة طرف ما بمدى خضوع الطرف الآخر له، وذلك في وضعية صراع محتدم بالطبع• في هذا السياق، فان المنتصر يكون هو ذلك الذي اختار المراهنة والتضحية بحياته في سبيل المجد، اما المنهزم، فهو ذاك الذي فضل السكينة والخضوع على الموت• لكن النتيجة قد تنقلب، فبينما لا يعرف المنتصر القوي (السيد) غير البحث اللامحدود عن اشباع النزوات والرغبات معرضا حياته دوما للخطر في سبيل بحثه عن المجد، يتمكن المنهزم من تحويل الطبيعة، وتحويل ذاته نفسها عبر الجهد والعمل• ان العالم المعاصر هو عالم مركب، عالم التقنية والصناعة وعالم الثروة والمنافسة• والبورجوازي هو سليل القن ووارثه، لكن هيمنته تعرضت وتتعرض للتحدي المزدوج وذلك عبر مسارين متناقضين: (مسار الاستيتيقي / الجمالي والروائي الخيالي الرافض للتنميط والذوق الوحيد، ومسار الحنين الى الفتوحات الفردية والفضائل الحربية وهو الحنين الذي عبرت عنه الايديولوجيا الفاشية في زمانها وشكل مستنبتها المذهبي• وعلى النقيض من ذلك تماما، فإن التمرد ضد الفوارق القائمة على المال والرأسمال، والمقترن بالرأفة من حال الطبقات المسحوقة هو ما صاغ الايديولوجيا الشيوعية في المحصلة النهائية، وقد كان ذلك موضوع المؤلف الشهير للمؤرخ الفرنسي فرانسوا فوري - ماضي وهم le passe d;une illusion الشغف بالهيمنة المطلقة عبر العنف، والشغف، الذي لا يقل عنفا وضراوة بالمساواة المطلقة• وبانتقام المسحوقين شكلا المادة المذهبية والسياسية للقرن العشرين، بين 1917 و1989 (2)• لقد بدا لمدة، كما لو أن الشغفان معا قد تمت هزيمتهما بانتصار الديموقراطية الليبرالية وسيادة القانون، وسلطة السوق وتداخل الاقتصاديات والتعددية السياسية• لقد ظهر للبعض في مرحلة ما تميزت بفوران الحماس، انه بعد حربين، مدمرتين، وثورتين شموليتين توتاليتاريتين، فإن انتصار المغامرة السياسية والعقلانية للقرن الثامن عشر هي قيد التحقق بشكل كاسح، تلكم المغامرة الانسانية، بل الثورة التي قامت وتأسست في البدء على استبدال الاهواء بالمصالح، او حسب تعبير دافيد هيوم - استبدال الاهواء العنيفة والساخنة بأهواء باردة وهادئة• لقد استعار ألبرت هيرشمان، الذي تتبع أطوار هذه الثورة في توطئة كتاب اشتهر به حملة مونستيكو الشهيرة إنه من الجميل والمفرح حقا بالنسبة للناس ان يوجدوا في وضعية تدفعهم فيها المصالح الى الاعراض عن الاهواء التي تجعلهم أميل الى الشر (3)• تلك هي الوضعية التي وصفها فرانسيس فوكوياما نهاية التاريخ مستعيدا ومستعيرا بذلك فكرة كوجيف أحد شراح هيغل• إنها كذلك الوضعية التي كان توقعها نيتشه في إحدى مقاطع كتابه الشهير هكذا تحدث زرادشت• من خلال ما أسماه الانسان الاخير، في مقابل ماكان يسميه بالانسان المتسامي surhomme• وإذا أردنا توصيفا آخر لهذه الوضعية باستخدام عبارات أفلاطونية هذه المرة، أمكننا القول بأنها وضعية تتميز بزوال التيموس أي ذلك الجزء الحار من النفس والذي يشغل المكانة الوسطية بين العقل والغرائز، واختفاء الشجاعة والشرف أي اختفاء تلك العواطف والاهواء التي تضع الهوية المميزة - والمعارضة - لأفراد أو فئة عن أفراد آخرين او قلة أخرى• غير أن السؤال لاينفك يطرح نفسه، وبشكل شبه تراجيدي: هل يمكن قمع او كبت التيموس على الامد البعيد? وهل يمكن لاختفاء التيموس ان يضمن وجود قاعدة وأفق لقيام المجتمعات? لقد حاول فوكوياما، في كتابه نهاية التاريخ والانسان الاخير• (وهو ما لم يتمكن من القيام به في المقالة الاصلية التي ألهمت الكتاب) لقد حاول الاجابة عن ذلك السؤال التراجيدي بصياغة واستخدام مفهومي Mesothumia و Megalothumia•(4) يشير المفهوم الاول الى الرغبة في الاستعراف، وهي رغبة يرى أنه وقع اشباعها والاستجابة لها بالكامل في الديموقراطية العصرية من خلال الاعتراف المعمم والمتبادل بكرامة الانسان• لكن المشكلة أن الرغبة في الاستعراف كما وضعها هيغل في قلب الصراع بين السيد والقن، هي رغبة في الاعتراف بالتفرد والاختلاف، والادهى من ذلك هي رغبة في الاعتراف بالتفوق، وهو ما يدعوه فوكوياما بالـ Megalothumia، الذي يعتبر ان الديموقراطية العالمية الكوسمويوليتية قد نجحت في إزاحته نهائيا لصالح تجسيد المفهوم الاول - لكن قد يكون الحادي عشر من شتنبر2001 إيذانا بعودة قوية لـ Megalothumia للاستعراف العفيف!? وإذا كانت المجتمعات قد قامت وتأسست، حسب روني جيرار على ثقافة التضحية وعرفت القرابين وأكباش الضحية، فقد أمكن النظر الى الاقتصاد المعاصر برمته كتجاوز لتلك الثقافة من أساسها، لكن جون بيير دبوي• يحذرنا من إنه ليس مضمونا ولا مؤكدا أن يتم التمكن في آن واحد وبشكل متزامن من رفض ثقافة التضحية وطرد غواية الرغبة• إن الخروج من عالم التضحية يترافق مع هيجان المنافسة، واندفاع الأهواء الحديثة العصرية التي تحدث عنها ستاندال، أي الرغبة، الحسد، والكراهية المستكينة والعاجزة ـ وهذه الأهواء العصرية قادرة على استنهاض التوموس من مرقده، ومع استنهاضه بالطبع تحريك العنف والبحث عن أكباش ضحية، بل والانغماس في ثقافة تضحية قاتلة ومدمرة• إنها المفارقة الكبرى حقا، أن ينجرَّ وينحدر مجتمع انبثق في تكوينه في الأصل، من الخوف من الموت العنيف، ومن محاولة استبدال الاهواء بالحساب العقلاني النفعي، أن ينحدر وينجر الى نقيض كل تلك الخصال السلوكية أي الى العنف الحربي الانتحاري• قد يظهر هذا العنف أحيانا كمجرد دعوة للغرائز البدائية التي كبتتها الحضارة المعاصرة ـ لكن الظاهر ان غرائز اليوم ليس لها لا صفاء وبراءة إنسان ما قبل الحداثة، ولا تلك القساوة الطبيعية التي كانت لصيقة به، هو الذي كان يعتبر الصيد والحرب والقساوة والفتوة والشجاعة والشهامة خصال الرجولة الأولى• إن للأهواء العصرية طابع رد فعلي ـ Réactif: ضد أهواء أخرى وضد نفسها هي كذلك• لقد سبق لي أن تحدثت في مقال سابق عن جدلية البورجوازي والبدائي غير المتحضر والتي نجد تمظهرا لها في الحرب غير المتوازنة بين مجتمع متطور يسعى الى استبدال المخاطرة الفردية بالتقنية وأشخاص أو مجموعات يسعون، خلافا لذلك تماما الى إرهاب وتدمير مجموعات بشرية مدنية، بل والقضاء على مجمل الحضارة والتضحية بأنفسهم كذلك في سبيل ذلك، وقد أوضحت كيف أنهما حتى في تعارضهما وصراعهما فإن البورجوازي والبدائي المتبربر يظلان مرتبطين ارتباطا حميميا• وإذا كانت الحداثة قد شكلت مسلسلا هائلا لتبرجز البدائي المتبربر فإن بإمكانها كذلك إلهام حركية معاكسة والدفع إليها، أي بربرة البورجوازي وذلك كرد فعل على ردود الافعال التي أثارها التبرجز الاول• ردود أفعال قد تقف عند حدود إذكاء الرغبة ولكنها قد تنتقل بسرعة صوب تغذية اليأس والانتقام الأعمى، ترجمة لكراهية تكون قد استقرت في القعر العميق للنفوس• يعني هذا أن الاهواء تتسم بخاصية الازدواجية والقدرة على الانقلاب على ذاتها بالمرور من النقيض الى النقيض: إن الخوف من الخوف قد يؤدي الى المغامرة والى ارتكاب الفظاعات• وكره الكراهية قد يؤدي الى كراهية الكارهين• والرأفة لحال الضحايا قد يؤدي الى ارتكاب أقسى درجات الانتهاك والتجاوز تجاه الجلادين، وحب الانسانية قد يدفع الى لا إنسانية التعامل تجاه أعداء الإنسانية (5)• كما أن النيهيلية (العدمية) قد تتحول الى تمرد عدمي ضد العدمية، وأخيرا فإن برودة الرؤية الدينية للعالم قد تؤدي الى إذكاء التزمت والتطرف (6)، وذلك عبر إذكاء البرودة تجاه برودة الرؤية الأولى• لأجل ذلك، فقد يكون من المفيد جدا، الانكباب ولو بشكل موجز، على مقاربة تاريخ وجدلية صنفي الأهواء الهيغيلية والهوبزية (نسبة الى هوبز): الخوف والكبرياء، ولكن كذلك تاريخ وجدلية الأهواء التي تنجم عن التقائهما، الإذلال والغضب، الكراهية والانتقام• الهوامش 1(Robert Jan LAFTON: Destroying the world or save it. New york. Mary holt 1999-2000- (2) هامش للمترجم : القرن العشرين القصير، كما وصفه المؤرخ الماركسي الانجليزي المعروف إيريك هوبسباون ، لأن تعريف المادة المذهبية والسياسية التي اخترقت أطوار هذا القرن حصل بين سنة 1917 ، تاريخ الثورة البلشفية و1989، تاريخ سقوط جدار برلين• 3) مونتيسكيو: روح القوانين• الكتاب 11 الفصل 20 (4) هامش للمترجم، يمكن ان نترجمهما مجازا بالاستعراف الهادىء والسلمي والاستعراف العفيف• 5) باسم الرأفة، باسم حب الإنسانية، رجاء كونوا لاإنسانيين• مقطع من عريضة قدمت للثوريين الفرنسيين قبيل 1789• أوردتها حنا آرنت في كتابها حول الثورة• 6)) بحسب تعبير الأنثروبولوجي وعالم الاجتماع الشهير إرنست كيلنر
*abdelhafid
11 - أبريل - 2007
مقال فى العبودية المختارة 00إتين دى لابويسيه (14)    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم
 
الأمر يصعب على التصديق للوهلة الأولى  ولكنه الحق عينه ؛ هم دوما أربعة أو خمسة يبقون الطاغية فى مكانه ،أربعة أو خمسة يشدون له البلد كله إلى مقود العبودية ،فى كل عهد كان ثمة أربعة أوخمسة تصيخ أليهم أذن الطاغية ، يتقربون منه أو بقربهم إليه ليكونوا شركاء جرائمه وخلان ملذاته وقواد شهواته ومقاسميه فيما نهب 0
هؤلاء الستة يدربون رئيسهم على القسوة نحو المجتمع  لابشروره وحدها بل بشروره وشرورهم 0
هؤلاء الستة ينتفع فى كنفهم ستمائة يفسدهم الستة مثلما أفسدوا الطاغية ، ثم هؤلاء الستمائة يذيلهم ستة آلاف تابع ، يوكلون إليهم مناصب الدولة ويهبونهم إما حكم الأقاليم  وإما التصرف فى الأموال  ليشرفوا على بخلهم وقساوتهم  وليطيحوا بهم متى شأوا  تاركين إياهم يرتكبون من السيئات ما لايجعل لهم بقاء إلا فى ظلهم  ولابعدا عن طائلة القوانين  وعقوباتها إلا عن طريقهم 0
ما أطول سلسلة الأتباع بعد ذلك !إن من أراد التسلى بأن يتقصى هذه الشبكة وسعه أن يرى لا ستة آلاف ولا مائة ألف بل أن الملايين يربطهم بالطاغية هذا الجبل ، مثل جوبيتر إذ يجعله هوميروس يتفاخر بأنه لو شد سلسلته لجذب إليه الآلهة جميعا 0
من هنا جاء تضخم مجلس الشيوخ فى عهد يوليوس قيصر  وجاء خلق المناصب الجديدة وفتح باب التعيينات والترقيات على مصراعيه ،كل هذا يقينا لا من أجل إصلاح العدالة بل أولا وأخيرا من أجل أن تزيد  سواعد الطغاة 0
خلاصة القول إذن ،هى أن الطغاة تجنى من ورائهم حظوات وتجنى مكاسب ومغانم فإذا من ربحوا من الطغيان ،أو هكذا هيىء إليهم ،يعدلون فى النهاية من يؤثرون الحرية 0
فكما يقول الأطباء أن جسدنا لايفسد جزء منه إلا انجذبت أمزجته إلى هذا الجزء الفاسد دون غيره كذلك  ما إن يعلن ملك عن استبداده بالحكم إلا التف حوله كل أسقاط المملكة وحثالتها ، وما أعنى بذلك حشد صغار اللصوص والموصومين الذين لايملكون لبلد نفعا ولاضرا بل أؤلئك الذين يدفعهم طموح حارق وبخل شديد 0يلتفون حوله ويعضدونه لينالوا نصيبهم من الغنيمة وليصيروا هم أنفسهم طغاة مصغرين  فى ظل الطاغية الكبير 0
هكذا الشأن بين كبار اللصوص ومشاهير القراصنة ؛ فريق يستكشف البلد وفريق يلاحق المسافرين ، فريق يقف على مرقبة وفريق يختبىء ، فريق يقتل وفريق يسلب 0 ولكنهم وإن تعددت المراتب  بينهم وكانوا بعضا توابع وبعضا رؤوساء إلا أنه من أحد منهم إلا خرج بكسب ما ، إن لم يكن بالغنيمة كلها فيما انتشل 0
ألا يحكى أن القراصنة الصقليين لم تبلغ فقط كثرة عددهم حدا  لم يجعل بدا من ارسال بومبى أعظم قواد العصر لمهاجمتهم بل هم فوق ذلك قد جروا إلى التحالف معهم عددا كبيرا من المدن الجميلة والثغور العظيمة  التى كانوا يلوذون بها بعد غزواتهم لقاء بعض الربح مكافأة على إخفاء أسلابهم ?
هكذا يستعبد الطاغية رعاياه بعضهم ببعض ، يحرسه من كان أولى بهم احتراس منه لو كانوا يساوون شيئا ، وهكذا يصدق المثل : لايفل الخشب إلا مسمار من ذات الخشب 0
هاهو ذا يحيط به قواسته وحراسه وحاملو حرباته ، لا لأنهم يقاسون الأذى منه أحيانا بل لأن هؤلاء الضالين الذين تخلى الله عنهم وتخلت الناس  يستمرئون احتمال الأذى حتى يردوه إلى من أنزل بهم بل إلى من قاسوه مثلهم دون أن يملكوا إلا الصبر 0
غير أنى إذ أنظر إلى هؤلاء الناس الذين يجرون وراء كرات الطاغية  لتحقيق مآربهم من وراء طغيانه  ومن وراء عبودية الشعب على حد سواء  يتملكنى أحيانا كثيرة العجب لرداءتهم وأرثى أحيانا لحماقتهم :
 فهل يعنى القرب من الطاغية فى الحقيقة شيئا آخر سوى البعد عن الحرية واحتضانها بالذراعين ? إذا جاز التعبير ، ليتركوا ولو حينا مطامعهم ، وليتجردوا  ولو قليلا من بخلهم ، ولينظروا بعد ئذ إلى أنفسهم  وليقبلوا على معرفتها ؛لسوف يرون عند ئذ  أن أهل القرى والفلاحين  الذين يحلو لهم دوسهم بالأقدام طالما استطاعوا  وتحلولهم معا ماتهم معاملة أشر من معاملة السخرة والعبيد ، سوف يرون أن هؤلاء المستضعفين  هم مع ذلك أسعد حظا  وأوفر حرية بالقياس إليهم 0 فالأجير والحرفى  وإن استعبدا  يفرغان مما ضرب عليهما بأداء ما يطلب إليهما 0 ولكن الطاغية يرى الآخرين يتزلفون إليه ويستجدون حظوته ، فعليهم لا العمل بما يقول  وحسب بل عليهم أيضا التفكير فيما يريد وغالبا ما يحق عليهم أن يحدسوا ما يدور بخلده حتى يرضوه 0 فطاعتهم له ليست كل شىء بل تجب أيضا ممالأته والإنقطاع له  ويجب أن يعذبوا أنفسهم  وأن ينفقوا فى العمل تحقيقا لمراميه 0 ثم لما كانت نفوسهم لا تلذ لهم إلا إذا لذت له ،فليتركوا أذواقهم لذوقه وليتكلفوا ما ليس منهم  وليتجردوا من سليقتهم ، عليهم الانتباه لكلماته وصوته ولما يبدو منه من العلامات ولنظراته ، لينزلوا عن أعينهم وعن أرجلهم  وأيديهم وليكن وجودهم كله رصدا من أجل تجسس رغباته وتبين أفكاره 0
أهذه حياة سعيدة ?
أتسمى هذه حياة ?
هل فى الدنيا شىء أقسى احتمالا ، لا أقول على رجل ذى قلب  ولاعلى إنسان حسن المولد  وإنما على كائن حظى بقسط من الفهم العام أو له وجه إنسان لا أكثر ?
أى وضع أشد تعسا من حياة على هذا النحو لايملك فيها المرء شيئا لنفسه،مستمدا من غيره راحته وحريته وجسده وحياته ?0
 
*عبدالرؤوف النويهى
16 - أبريل - 2007
الحب يا صديقي 2    كن أول من يقيّم
 
                            الحب ياصديقي 2
 
الحب ياصديقي خالد العطاف , هو ما أردتُ أن أواجه فيه كراهية الغير ورفض الآخر , وهو في صلب الموضوع , فلا تتساءل كثيراً عن جنون هذه المداخلات , وانظر التعليق السابق لتعليقي , وستعرف بألمعيتك المشهودة سبب هذا التعليق , أعتذر منكم فليس لي باع في الفلسفة , ولا في السياسة , وكل ما أعرفه شعور غامض وغريب حول من يريدون مصادرة حرياتنا , وكنت أريد أن أقول : هو الحب ....وحسب , وأظن أن الأستاذ النويهي فهمني !
*محمد هشام
17 - أبريل - 2007
 30  31  32  33  34