مفهوم المعاصرة أو الواقعية     ( من قبل 1 أعضاء ) قيّم
هناك ظاهرة.. ابن تيمية نقد منطق أرسطو, في حين أن أحدا من الصحابة لم يفعل ذلك. هل يمكن القول مثلا أن ابن تيمية "جدد" الخطاب الإسلامي? لا. ظاهرة أخرى.. المقاومة الإسلامية المسلحة في العراق تستخدم سلاح "الهاون", في حين أن أيا من المعارك التي خاضها الصحابة لم يستخدم فيها هذا السلاح? هل يمكن القول أن ثم "تغير" في طبيعة العلاقة بين الحق والباطل في المنظور الإسلامي? لا. والسؤال الآن: إذا لم نعتبر هاتين الظاهرتين تجديدا في الإسلام, فما التوصيف الملائم لهما? لنتأمل جيدا حتى لا نقع ضحية السذاجة أمام كل كلمة مثل "جديد" أو "معاصر" أو "واقعية" في أي مقالة نقرأها : الإسلام هو الحق.. لكن هذا الحق لا يبدو إلا من حيث هو في صراع مع الباطل.. هناك خاصية ثابتة جوهرية في الباطل هو أنه "كل ما هو مقطوع عن الله".. ورغم أن الباطل ثابت من حيث المضمون إلا أنه متغير في الزمان من حيث الشكل.. ولما كان الحق لا يبدو إلا في صراع مع الباطل.. ولما كان الصراع هو نوع من العلاقة التي تقتضي نوعا من الملائمة.. كان شكل الحق ملائما لشكل الباطل الذي هو في صراع معه كلما تغير الزمان.. تغير شكل الحق كأثر من آثار تغير شكل الباطل يعني أن الحق في كل عصر من العصور يطرح تصورات جديدة لم تكن موضع نقاش في العصر السابق له, ويعني أن الفقه يعالج قضايا جديدة لم يكن يعالجها من قبل.. وهذه هي المعاصرة. عملية تلاؤم شكل الحق مع شكل الباطل في الزمان, هي معاصرة, أما عملية تغير شكل الحق من عصر لعصر, وهي العملية التابعة للمعاصرة بهذا المعنى, فهي الإصلاح. أي جعل الحق من حيث المضمون يصلح لمواجهة هذا الباطل الجديد الذي لم يكن من قبل.. أما أن نتصيد ونفهم ونُلَوِّن كل كلمة لها دلالة على أي تغير زماني أو بنائي مثل: "الاجتهاد" أو "الإصلاح" أو "التجديد" أو "الترابط بين الماضي والحاضر" أو "الواقعية", أن نفهم هذه الكلمات بمعنى أنها دعوة إلى تغيير أو تجديد مفهوم الحق, فهذا أمر يدعو إلى الاستنكار, ولا يُعقَل أن يصدر عن عاقل, لأن الحق "كمضمون وليس كشكل" لو تغير في الزمان, لكان شيئا زمانيا, ولكن الحق هو الذي يضبط حركة الزمان, فلا بد أن يكون مفارقا للزمان من حيث المضمون, أي أن الحق لو كان شيئا في الزمان لكان باطلا. الخلاصة: الحق والباطل أصلا ومن حيث المضمون, مفهومان مفارقان للزمان, لأنهما معرفان بدلالة النسبة مع الله (الحق هو ما كان موصولا إلا الله, والباطل هو ما كان مقطوعا عن الله) , لكن الحق والباطل في الزمان, متغيران في الشكل بتغير الإنسان في الزمان. بهذا المعنى فقط يمكن, لو استخدمنا كلمة مثل التجديد أو المعاصرة أن نفهم أننا معاصرون, بمعنى أننا نعي الشكل المعاصر للباطل, مجددون, لأننا نجدد من القضايا التي نثيرها في مواجهة الباطل, ومن الأسلوب الذي نعرض به تلك القضايا, ولا يعني هذا إطلاقا أننا قد جددنا مفهومنا عن ماهية الحق وماهية الباطل نفسها. وأننا واقعيون, بمعنى أننا نستطيع تماما رد مفردات الواقع إلى عناصره الأولى من الحق أو من الباطل, أي قراءة الواقع جيدا. أي القدرة على رد الشكل (الذي هو الواقع) إلى المضمون (الذي هو الحق أو الباطل المفارقان للزمان). ما كان يقصده الدكتور حامد ربيع بأن الثورة الخومينية تحمل طابع بدائي لا يعتمد عليه هو أنهم لا زالوا أسرى المشكلة التي بين علي رضي الله عنه, ومعاوية, رضي الله عنه, وليس عندهم القدرة على تتبع أشكال الباطل في الزمان (هذا لو افترضنا جدلا أن موقفهم من علي ومعاوية هو الحق). وكل دورهم في المعرفة مؤسس على بعث نصوص الأئمة دون أي نظر لمحتواها من حيث الضرورة المعاصرة لها. أما لفظ إصلاح العقيدة, الوارد في المقالة التي أوردها الأستاذ النويهي فلا أعتقد أن الدكتور حامد يعني بها شيئا مما يراد بمفهوم تجديد الخطاب الديني حاليا, لأنني قرأت مقدمته لكتاب "سلوك المالك.." جيدا, إنه في أكثر من موضع يلح على دور السلطة وطبيعتها في الإسلام, بل ويؤكد على وظيفتها الرسالية في الخارج, بل ويؤكد على طبيعتها المسَيطِرَة, بل وأكثر من ذلك, إنه يقر بفكرة تخويل الأمة حق استخدام القوة ضد الدولة لضبط سلوكها, وكل ذي عينين يرى أن تلك الدعوة لا تتفق على الإطلاق مع مضمون ما يسمى "تجديد الخطاب الديني" حاليا, والذي يدور, رغم تعدد أشكاله, في فلك عزل الدين عن الدولة. أرجو أن نكون على مستوى مناسب من عمق الفكر ونحن نقرأ. |