البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مجلس : الفلسفة و علم النفس

 موضوع النقاش : لما ذا لايوجد لدينا فلاسفة وهل عقمت الأمة العربية ?أم أننا خارج التاريخ ?    قيّم
التقييم :
( من قبل 25 أعضاء )

رأي الوراق :

 عبدالرؤوف النويهى 
10 - ديسمبر - 2005

جمعتنى ندوة من الندوات الفكرية ، منذأكثر من عشر سنوات ويزيد ، مع الأستاذ الدكتورحسن حنفى  صاحب الدراسات الفلسفية العديدة ومنها الدراسة الرائدة والملحمية {من العقيدة إلى الثورة }  و سألته آنذاك  لماذا لايوجد عندنا فلاسفة ? أم نظل عالة  على أفكار وفلسفة أو روبا وأمريكا?????أم أن الغرب  يحتكر العلم والفلسفة ونحتكر  نحن الفضلات الساقطة    منهم??????أتذكر حقيقة وبدون شك أن الإجابة كانت تبريرية  أكثر منها ردا على تساؤلاتى ... نحن أساتذة فى دراسة الفلسفة والفلاسفة ، ,لكن هل يأتى الزمن الذى يجود علينا بفيلسوف  أمثال  جان بول سارتر،  أو نيتشة، أو را سل أوهيجل  أوسيبينوزا أو .. أو ....?????????عموما أنا فى إنتظار جودو  ،  تبا لك يا صمويل بيكت  ،  أقصد الفلاسفة....ومازال سؤالى فى إنتظار الإجابة .

 28  29  30  31  32 
تعليقاتالكاتبتاريخ النشر
مقال فى العبودية المختارة ......إتين دى لا بويسيه (3)    كن أول من يقيّم
 
إن الشهام لا يخشون الخطر من أجل الظفر بمطلبهم كما أن الأذكياء لايحجمون عن المشقة ، أما الجبناء والمغلفون فلا يعرفون احتمال الضرورة  ولاتحصيل الخير وإنما يقفون عند تمنيه ، يسلبهم الجبن قوة العمل عليه ، فالرغبة فى امتلاكه إنما تلصق بهم بحكم الطبيعة . هذه الرغبة ، هذه الإرادة الفطرية أمر يشترك فيه الحكيم والملتاث ويشترك فيه الشجاع والجبان ، به يودون تلك الأشياء  التى يجلب اكتسابها السعادة والرضا. شىء واحد لا أدرى كيف تركت الطبيعة الناس  بلا قوة على الرغبة فيه : الحرية التى هى مع ذلك الخير الأعظم  والأطيب حتى أن ضياعها لايلبث أن تتبعه النواكب تترى  وما يبقى بعده تفسده العبودية  وتفقده رونقه وطمعه .الحرية  وحدها هى ما لا يرغب الناس فيه لا لسبب فيما يبدو إلا لأنهم لو رغبوا فيها لنالوها ،حتى لكأنهم إنما يرفضون هذا الكسب الجميل لفرط سهولته .
 
يالذل شعوب فقدت العقل ويا لبؤسها ، يا لأمم أمعنت فى أذاها وعميت عن منفعتها ،تسلبون أجمل مواردكم وأنتم على السلب عيان ،تتركون حقولكم تنهب ومنازلكم تسرق وتجرد من متاعها القديم الموروث عن آبائكم ! تحيون نوعا من الحياة لا تملكون فيه الفخر بملك ما حتى لكأنها نعمة كبرى فى ناظركم  لو بقى لكم ولو النصف من أملاككم وأسركم وأعماركم ؛ وكل هذا الخراب ،هذا البؤس وهذا الدمار يأتيكم لاعلى يد أعدائكم بل يأتيكم يقينا على يد العدو الذى صنعتم أنتم كبره والذى تمشون إلى الحرب بلا وجل من أجله  ولاتنفرون من مواجهة الموت بأشخاصكم فى سبيل مجده . هذا العدو الذى يسودكم إلى هذا المدى ليس له إلا عينان ويدان وجسد واحد ، ولاهو يملك فوق ما يملكه أقلكم على كثرة مدنكم التى لا يحصرها العد إلا ما اسبغتموه عليه من القدرة على تدميركم . فأنى له بالعيون التى يتبصص بها عليكم إن لم تقرضوه إياها ? وكيف له بالأكف التى يصفعكم إن لم يستمدها منكم ?إنى له بالأقدام التى يدوسكم بها إن لم تكن من أقدامكم? كيف يقوى عليكم إن لم يقو بكم ? كيف يجرؤ على مهاجمتكم  لولا تواطؤكم معه? أى قدرة له عليكم إن لم تكونوا حماة للص الذى ينهبكم ، شركاء للقاتل الذى يصرعكم ، خونة لأنفسكم ? تبذرون الحب ليذريه . تؤثثون بيوتكم وتملأونها حتى تعظم سرقاته . تربون بناتكم كيما يجد ما يشبع شهواته . تنشؤن أولادكم حتى يكون أحسن ما يصيبهم منه من جرهم إلى حروبه  وسوقهم إلى المجزرة  ولكى يصنع منهم وزراء مطامعه ومنفذى رغباته الإنتقامية .تتمرسون بالألم كيما يترفه فى مسراته  ويتمرغ فى ملذاته  القذرة ،وتزيدون  وهنا ليزيد قوة  وشراسة  ويسومكم بلجامه . كل هذه الألوان من المهانة  التى إما البهائم لاتشعر بها  أو ما كانت تحتملها يسعكم الخلاص منها  لو حاولتم لا أقول  العمل عليه  بل محض الرغبة فيه .اعقدوا العزم ألا تخدموا تصبحوا أحرارا . فما أسألكم مصادمته  أو دفعه بل محض الإمتناع عن مساعدته . فترونه كتمثال هائل  سحبت  قاعدته فهوى إلى الأرض بقوة  وزنه  وحدها وانكسر .
 
 بيد أن الأطباء محقون بلا شك إذ ينهون عن لمس الجروح التى لابرء منها ،ولا أظننى أسلك مسلكا حكيما إذا أردت أن أسدى هنا الموعظة  إلى الشعب بعد أن فقد كل معرفة منذ أمد طويل وصار فقدان حساسيته بالألم دليلا كافيا على أن مرضه قد صار مميتا .لنحاول إذن أن نتبين لو أمكن ذلك كيف استطالت جذور هذه الإرادة العنيدة ،إرادة العبودية ،إلى هذا المدى البعيد حتى صارت محبة الحرية نفسها تبدو اليوم كأنها شىء لا يمت إلى الطبيعة بسبب.
*عبدالرؤوف النويهى
24 - مارس - 2007
دَستور    كن أول من يقيّم
 
الدستور فارسي معرب معناه القانون ويستعمل بمعنى الدفتر الذي تدون فيه قوانين الملك واسماء الجند ويكون أيضا بمعنى الاستئذان. والاختلاف في امر الدستور قديم. فقد تنازع في شأنه والحق في تعريفه فريقان. أحدهما يفتح أوله ويزعم أنه على وزن خرطوم. والآخر يشكك في هذا الوزن ومرجعيته ويدعي فتح الدال على فهو عنده على وزن تنّور. و ويستعمله العامة في مصر ويريدون به معنى الاستئذان والدخول الى المكان الذي لا يباح الدخول إليه إلا بقول: دستور. ولفظ الدستور له وقع السحر وأثره عند الكثيرين ويتوقعون منه الخير العميم لاسيما النساء تردده كثيرا في حضرة السحرة ومجالس تحضير الجن: دستور يا اسيادنا دستور. ترددها مصحوبة بالخوف والرجاء أن يجد صاحب الدستور حلا لمشكلاتهن بعد أن استعصت واستفحلت. لكن الاكثرية ما زالت تشكك بجدوى الدستور وأثره السحري كمفتاح حل لمغاليق المعضلات ولو أحضروا ألف عفريت.وما يزيد الحاكم إصرارا على النظر الى الدستور من وجهين اختلاف الناس في تعريفه. كما أنه كائن غريب لا يصلح لمزاج وقابلية الامة على هضمه.ولأنه في فتح الدال له معنى، وفي ضمها له معنى آخر. وإن كانوا قد اتفقوا على وحدة الجذر والاشتراك من وجه. لذا نرى الرصافي يرفع عقيرته منددا معلنا سخطه على الدستور:
 
    علم ودستور ومجلس أمة       كل عن المعنى الصحيح محرّف
 
وقرر البعض جعله مؤقتا حلا لهذا الاشكال وغلقا لابواب الريح خصوصا ريح التدخل الخارجي، حتى تستقر آراء الناس وأقوالهم في ضبط رسمه أو حدّه. ومن صفات الدستور المؤقت أنه لا يسقط الا بالاكراه .عندها ينكشف المستور عن الدستور، وتسقط من ثقوبه ثعابين السحرة. ويهرع الناس كعادتهم لهول كل قيامة يصرخون: دستور يا اسيادنا دستور. والاسياد في حالة طواريء لاتنقطع ليس على أبواب المدينة فحسب، بل عند كل زقاق وعتبة دار. يحملون عصيّهم وحبالهم و(جرابين الافاعي) ترقص على مزمار الحاوي ولا تعمل الا بأمر كبير السحرة. وحُشر الناس هلعا يتوسلون: دستور، دستور. في الصغر شاهدتُ كيف تُخلع أنياب الافاعي بطرق بدائية: تقترب من الافعى، من فمها على وجه التحديد، فتفتحه كعادتها مبرزة أنيابها، فيدخلون قطعة صغيرة من الاسفنج في فمها، ما أن تطبق الافعى عليها، حتى تُسحب القطعة من فمها وقد علقت بها الانياب.
صادق السعدي
25 - مارس - 2007
مقال فى العبودية المختارة .....إتين دى لابويسيه (4)    كن أول من يقيّم
 
أولا،إنه لأمر لا أظن الشك يتطرق إليه أننا لو كنا نعيش وفاقا للحقوق  الممنوحة لنا من الطبيعة  والدروس التى تلقنناإياه لكنا طيعين للوالدين بالطبع .خاضعين للعقل .غيرمسخرين لأى كان .فالطاعة التى يحملها كل منا لأبيه وأمه دون أن يهديه إليها إلا صوت الطبيعة أمر الناس جميعا شهود عليه كل عن نفسه . فأما العقل وهل يولد معنا أم لا  فمسألة تقارع فيها الأكاديميون  ولم تتخلف مدرسة من المدارس الفلسفية عن الخوض فيها ، ولا أظننى أجانب الصواب إذ أقول أن بنفوسنا بذرة طبيعية من العقل تذدهر فى شكل الفضيلة إذا تعهدناها بالنصيحة الطيبة والقدوة الحسنة  ولكنها على العكس كثيرا ما تغلبها الرذائل فتخمد وتنفق . غير أن الشىء المحقق هو أنه إذا كان فى رحاب الطبيعة شىء واضح ، باد للعيان ولايجوز أن نعمى  عنه  فذلك أن الطبيعة ، هى وزيرة الخالق وآمرة الخلق ، قد سوتنا جميعا على شبه واحد حتى لكأنها ، إذا جاز التعبير ، قد صبتنا فى ذات القالب ، وذلك حتى يعرف كل منا فى الآخر رفاقه أوبالأصدق إخوته . وإذا كانت الطبيعة وهى توزع هباتها قد اسبغت على البعض مزية جسدية  أو عقلية  .وإذا كانت رغم ذلك لم تتركنا فى هذه الدنيا كأننا فى حقل مغلق  ولم تفوض الأقوياء والمكرة بافتراس الضعفاء كقطاع طرق أطلق سراحهم فى الغابة فلذلك دليل على أنها إذ أعطت العض نصيبا أكبر والبعض الآخر نصيبا أصغر لم تهدف إلا إلى أن تترك المجال للتعاطف الأخوى  حتى يظهر وجوده  مادام البعض يملك قوة العطاء والبعض الآخر الحاجة إليه . فإذا كانت هذه الأم الطيبة قد جعلت لنا من الأرض قاطبة سكنا وأنزلتنا جميعا بنفس المنزل  وهيأتنا على ،موذج واحد كيما يتسنى لكل منا ان يتأمل نفسه  ويقترب من معرفتها فى مرآة الآخرين ن وغذا كانت قد وهبتنا جميعا تلك الهبة الإلهية الكبرى ، هبة الصوت والكلم حتى نزيد تعارفا تعارفا وتآخيا وحتى تتلاقى إرادتنا بالإعراب المتبادل عن أفكارنا ، وإذا كانت قد جهدت بكل السبل حتى توثق عرى التحالف والإجتماع بيننا ، وإذا كانت قد بينت فى كل ما تصنع أنها لاتهدف إلى توحيدنا  جميعا  بقدر ما تهدف إلى أن نكون جميعا آحادا ، فقد إرتفع بذلك كل شك فى أننا جميعا أحرار بالطبيعة ، مادمنا رفاقا ، وامتنع أن يدخل فى عقل عاقل أن الطبيعة قد ضؤبت علينا الرق  بينما هى آلفت بيننا .
 
غير أن الحقيقة هى أن الجدل فيما إذا كانت الحرية حقا طبيعيا أم لا   لن يكون إلا تحصيلا للحاصل  مادمنا لا نسترق كائنا دون أن نلحق الأذى به  ومادم الغبن أكره الأشياء إلى الطبيعة  التى هى مستودع العقل .
 
إذن يبقى أن الحرية شىء طبيعى  ويبقى بهذا عينه أننا (فيما أرى ) لانولد أحرارا وحسب  بل نحن أيضا مفطورون على محبة الذود عنها . فإن أتفق بعد ذلك أن ساورنا شك فيما أقول  وإن بلغ من فسادنا  أننا لم نعد نستطيع تمييز مصالحنا  ولامشاعرنا الطبيعية  لم يبق إلا أن أكرمكم الأكرام الذى تستحقون  وأن أترك الحيوانات التى لاتمت إلى المدنية بصلة تصعد المنبر  لتعلمكم  ما هى طبيعتكم  وما وضع وجودكم .
إن الحيوانات (أخذ الله بعونى ) إذا البشر لم يصموا آذانهم لسمعوها تصرخ فيهم  :
عاشت الحرية !
*عبدالرؤوف النويهى
25 - مارس - 2007
الحرية وابن المجنونة ...    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :
 
 
 
اخترت هذا الفصل من كتاب نيتشه الشهير : " هكذا تكلم زارادشت " مساهمة مني في هذا النقاش ولو عن بعد :
 
دوحة الجبل
 
وارتقى زارا ذات مساء الربوة المشرفة على مدينة ( البقرة الملونة ) فالتقى هناك فتى كان يلحظ فيما مضى صدوده عنه ، وكان هذا الفتى جالساً إلى جذع دوحة يرسل إلى الوادي نظرات ملؤها الأسى ، فتقدم زارا وطوق الدوحة بذراعيه وقال : - لو أنني أردت هز هذه الدوحة بيدي لما تمكنت . غير أن الريح الخفية عن أعيننا تهزها وتلويها كما تشاء . هكذا نحن تلوينا وتهزنا أياد لا ترى .
 
فنهض الفتى مذعوراً وقال : - هذا زارا يتكلم ! وقد كنت موجهاً أفكاري إليه .
 
فقال زارا : - ما يخيفك يا هذا ? أليس للإنسان وللدوحة حالة واحدة ? فكلما سما الإنسان إلى الأعالي ، إلى مطالع النور ، تذهب أصوله غائرة في أعماق الأرض ، في الظلمات والمهاوي .
 
فصاح الفتى : - أجل إننا نغور في الشرور ، ولكن كيف تسنى لك أن تكشف خفايا نفسي ?
 
فابتسم زارا وقال : - إن من النفوس من لا نتوصل إلى اكتشافها إلا باختراعها اختراعاً .
 
وعاد الفتى يكرر قوله : - أجل إننا نغور في الشرور . قلت حقاً يا زارا ، لقد تلاشت ثقتي بنفسي منذ بدأت بالطموح إلى الارتقاء ، فحرمت ايضاً ثقة الناس ، فما هو السبب يا ترى ? إنني أتحول بسرعة فيدحض حاضري ما مضى من أيامي ، ولكم حلقت فوق المدارج أتخطاها وهي الآن لا تغتفر لي إهمالي . إنني عندما أبلغ الذروة أراني دائماً منفرداً وليس قربي من يكلمني ، ويلفحني القر في وحدتي فترتجف عظامي ، وما أدري ما أتيت أطلب فوق الذرى !
 
إن احتقاري يساير رغباتي في نموها ، فكلما ازددت ارتفاعاً زاد احتقاري للمرتفعين فلا أدري ما هم في الذرى يقصدون . ولكم أخجلني سلوكي متعثراً على المرتقى ، ولكم هزأت بتهدج أنفاسي . إنني أكره المنتفضين للطيران . فما أتعب الوقوف على الذرى العالية .
 
ونظر زارا إلى الدوحة يتكىء الفتى عليها ساكتاً فقال : - إن هذه الدوحة ترتفع منفردة على القمة وقد نمت وتعالت فوق الناس وفوق الحيوانات ، فاذا هي أرادت أن تتكلم الآن بعد بلوغها هذا العلو فلن يفهم أقوالها أحد . إنها انتظرت ولم تزل تتعلل بالصبر ، ولعلها وقد بلغت مسارح السحاب تتوقع انقضاض أول صاعقة عليها .
 
فهتف الفتى متحمساً : - نطقت بالحق يا زارا ، إنني اتجهت إلى الأعماق وأنا أطلب الاعتلاء ، وما أنت إلا الصاعقة التي توقعتها . تفرس في ، وانظر إلى ما آلت إليه حالتي منذ تجليت لنا ، فما أنا إلا ضحية الحسد الذي استولى علي .
 
وكانت الدموع تنهمر من مآقي الفتى وهو يتكلم ، فتأبط زارا ذراعه وسار به على الطريق . بعد أن قطعا مسافة منها قال زارا : - لقد تفطر قلبي ، إن في عينيك ما يفصح بأكثر من بيانك عما تقتحم من الأخطار . إنك لما تتحرر يا أخي ، بل ما زلت تسعى إلى الحرية ، ولقد أصبحت في بحثك عنها مرهف الحس كالسائر في منامه .
 
إنك تريد الصعود مطلقاً من كل قيد نحو الذرى ، فقد اشتاقت روحك إلى مسارح النجوم ، لكن غرائزك السيئة نفسها تشتاق الحرية أيضاً .
 
إن كلابك العقورة تطلب حريتها فهي تنبح مرحة في سراديبها ، على حين أن عقلك يطمح إلى تحطيم أبواب سجونك كلها . وما أراك بالطليق الحر فأنت لم تزل سجيناً يتوق إلى حريته ، وأمثال هذا السجين تتصف أرواحهم بالحزم غير أنها وا أسفاه مراوغة شريرة .
 
على من حرر عقله أن يتطهر مما تبقى فيه من عادة كبت العواطف والتلطخ بالأقذار ، لتصبح نظراته براقة صافية . إنني لا أجهل الخطر المحدق بك ، لذلك استحلفك بحبي لك وأملي فيك الا تطرح عنك ما فيك من حب ومن أمل .
 
إنك لم تزل تشعر بالكرامة ولم يزل الناس يرونك كريماً بالرغم من كرههم لك وتوجيههم نظرات السوء إليك ، فاعلم أن الناس لا يبالون بالكرماء يمرون بهم على الطريق ، غير أن أهل الصلاح يهتمون بهم ، فإذا ما صادفوا في سبيلهم من يتشح الكرامة دعوه رجلاً صالحاً ليتمكنوا من القبض عليه لاستعباده .
 
إن الرجل الكريم يريد أن يبدع شيئاً جديداً وفضيلة جديدة ، على حين أن الرجل الصالح لا يحن إلا الى الأشياء القديمة ، وجل رغبته تتجه إلى الإبقاء عليها .
 
لا خطر على الرجل الكريم من أن ينقلب رجل صلاح ، بل كل الخطر عليه في أن يصبح وقحاً هداماً .
 
لقد عرفت من الناس كراماً دلت طلائعهم على أنهم سيبلغون اسمى الأماني ، فما لبثوا أن هزأوا بكل أمنية سامية ، فعاشوا تسير الوقاحة أمامهم ، وتموت رغباتهم قبل أن تظهر ، فما أعلنوا في صبيحتهم خطة إلا شهدوا فشلها في المساء .
 
قال هؤلاء الناس : ما الفكرة إلا شهوة كغيرها من الشهوات .
 
وهكذا طوت الفكرة فيهم جناحيها فتحطما ، وبقيت وهي تزحف زحفاً وتدنس جميع ما تتصل به .
 
لقد فكر هؤلاء الناس من قبل أن يصيروا أبطالاً ، فما تسنى لهم إلا أن يصبحوا متنعمين ، يحزنهم شبح البطولة ويلقي الخوف في روعهم .
 
استحلفك بحبي لك وأملي فيك الا تدفع عنك البطل الكامن في نفسك اذ عليك أن تحقق اسمى امانيك .
 
هكذا تكلم زارا .......
 
  
 
هكذا تكلم زرادشت ( كتاب للكل ولا لأحد ) للفيلسوف الألماني : فريدريك نيتشه
ترجمة : فيلكس فارس ــ مكتبة صادر ، بيروت ، لبنان ، نسخة مطبعة الإتحاد 1948 .
 
 
*ضياء
25 - مارس - 2007
مقال فى العبودية المختارة ....إتين دى لا بويسيه (5)    كن أول من يقيّم
 
الكثير منها لايكاد يقع فى الأسر إلا مات .فكم السمك يترك الحياة إذ يترك الماء ،كذلك هى تترك الضوء وتأبى العيش بعد فقدان حريتها الطبيعية ؛ فلو كانت لها مراتب لجعلت من الحرية عنوان نبالتها .
فأما البقية من أكبرها إلى أصغرها ،فهى لاتستسلم للأسر حين نقتنصها  إلا بعد أن تظهر أشد المقاومة  بالأظافر  والقرون  والمناقير  والأقدام معلنة بذلك عن مدى اعزازها لما تفقد . ثم هى تبدى لنا بشتى العلامات الجليلة مدى احساسها بمصابها حتى أننا لنعجب  إذ نراها تؤثر الضوى على الحياة  كأنها إنما تقبل البقاء لترثى ما خسرت  وليس لتنعم بعبوديتها .
 
هل يقول الفيل شيئا آخر حين يقاتل دفاعا عن نفسه  حتى يستفد قواه ويرى ضياع الأمل ووشوك الأسر  فإذا هو يغرس فكيه محطما على الشجر سنيه ، هل يقول شيئا آخر سوى رغبته الشديدة فى البقاء حرا تلهمه الذكاء فتحثه على مساومة قناصيه لعلهم يتركون له الحرية  ثمنا لعاجه ولعله يفتدى به حريته ?إنا نستأنس الجياد منذ مولدها لندربها على خدمتنا ،فإذا كنا مع ذلك حين نجىء إلى ترويضها نعجز عن ملاطفتها إلى الحد الذى لايجعلها تعض الحكمة وتنفر من المهماز  فما هذا فى اعتقادى إلا شهادة منها  بأنها إنما تقبل خدمتنا كارهة لا مختارة . ماالقول إذا ?
 حتى البقر أنً تحت النير
وشكا فى أقفاصه الطير .
كما عن لى قوله حينا شغلنى فيه نظمنا الفرنسى  . لأنى وأنا أكتب إليك  يالونجا  مازجا بالكلام أشعارى  التى لا أقرؤها أبدا ، لا أخشى قط أن يجرك ما تبديه  من الرضا عنها إلى جعلها مدعاة للفخر .
 
خلاصة القول أنه لما كانت جميع الكائنات الحاصلة على الحس تشعر إذ تحصل عليه بألم خضوعها  وتسعى وراء حريتها ، ولما كانت  الحيوانات وهى المجعولة  لخدمة الإنسان  لا تستطيع  أن تألف العبودية  دون أن تبدى احتجاجا يعرب عن الرغبة فى الضد ،فما هى تلك الرذيلة التى استطاعت أن تمسخ طبيعة الإنسان ، وهو وحده المولود حقيقة ليعيش حرا ، وأن نجعله ينسى ذكرى وجوده الأول  وينسى الرغبة فى استعادته ?
*عبدالرؤوف النويهى
25 - مارس - 2007
مقال فى العبودية المختارة ....إتين دى لابويسيه (6)    كن أول من يقيّم
 
هناك ثلاثة أصناف من الطغاة : البعض يمتلك الحكم عن طريق انتخاب الشعب والبعض الآخر بقوة السلاح  والبعض الثالث بالوراثة المحصورة فى سلالتهم .
 
فأما من انبنى حقهم على الحرب فنعلم جيدا أنهم يسلكون ،كما نقول ،فى أرض محتلة . وأما من ولدوا ملوكا فهم عادة لا يفضلونهم قط لأنهم وقد ولدوا وأطعموا على صدور الطغيان يمتصون جبلة الطاغية وهم رضاع وينظرون إلى الشعوب الخاضعة لهم نظرتهم إلى تركة من العبيد ويتصرفون فى شؤون المملكة كما يتصرفون فى ميراثهم ،كل بحسب استعداده الغالب نحو البخل أو البذخ . أما من ولاه الشعب مقاليد الدولة  فينبغى فيما  يبدو أن يكون احتماله أهون . ولقد يكون الأمر كذلك على ما أعتقد لولا أنه ما إن يرى نفسه يرتقى مكانا يعلو به الجميع  وما إن يستغويه هذا الشىء الغريب المسمى العظمة حتى يعقد النية على ألا يتزاح من مكانه قط . ثم أن هذا الرجل لايلبث  أن يشرع عادة فى اسناد القوة التى سلمه الشعب إياها إلى أبنائه . وما أن يتلقف هؤلاء هذه الفكرة  حتى نشهد شيئا عجبا : نشهد إلى أى مدى يبزون سائر الطغاة  فى جميع أبواب الرذائل بل فى قسوتهم  دون أن يروا سبيلا إلى تثبيت دعائم الاستبداد الجديد سوى مضاعفة الاستعباد وطرد فكرة الحرية  عن أذهان رعاياهم حتى يعفو عليها النسيان رغم قرب حضورها فى ذاكرتهم .
 
فكلمة الحق هى أنى أرى بعضا من الاختلاف بين الطغاة  ولكنى لا أرى اختيارا بينهم لأن الطرق التى يستولون بها على زمام الحكم ليكاد يختلف : فمن انتخبهم الشعب يعاملونه كأنه ثور يجب تذليله ، والغزاة كأنه فريستهم ، والواثون كأنه قطيع من العبيد امتلكوه امتلاكا طبيعيا .
 
فهب فى هذا الموضع  أن الصدفة شاءت أن يولد نمط جديد كل الجدة من البشر ،لا ألفة لهم بالعبودية  ولا ولع بالحرية   ولا يعلمون ما هذه ولا تلك بل يجهلون حتى اسميهما ، ثم خيروا بين الرق وبين الحياة أحرارا ، فعلام يجمعون ?
 لا مجال للشك فى أنهم سوف يؤثرون طاعة العقل وحده على خدمة رجل ما – هذا إلا إذا كان هؤلاء هم شعب إسرائيل الذى نصب طاغيا عليه بغير إكراه  ولا احتياج : وأنه لشعب لا أقرأ قصته أبدا دون أن يتملكنى حنق عظيم حتى لأكاد أتجرد من الإنسانية فأفرح بجميع ما نزل عليه بعد ئذ من البلايا .
 
ولكن طالما بقى بالإنسان أثر من الإنسان فهو يقينا لاينساق إلى العبودية لا عن حد سبيلين : إما مكرها وإما مخدوعا . مكرها  إما بسلاح أجنبى مثل مدينتى أسبرطة وأثينا إذ قهرتهما قوات الإسكندر ، وإما بطائفة من مجتمعه مثلما حدث فى أثينا فى زمن أسبق حين استولى بيسيستراتس على مقاليد الحكم . فأما الخديعة  من حيث تؤدى أيضا إلى فقدان الحرية  فرجوعها إلى تغرير الغير  يقل فى أكثر الأحيان عن رجوعها إلى كون الناس يخدعون أنفسهم بأنفسهم .  مثال ذلك  شعب سيراقوصة (عاصمة صقلية ) إذ هجم عليه الأعداء من كل جانب  ولها فكره عن كل شىء إلا عن الخطر الحاضر  فرفع ديونيسسيوس إلى الرياسة  دون نظر إلى المستقبل  وأسند إليه قيادة الجيش ولم يدرك إلى أى حد  قواه إلا حين رجع هذا الداهية منتصرا كأنه غزا مواطنيه لا أعدائهم  فتسمى باسم القائد ثم بالملك المطلق . وإنه لأمر يصعب على التصديق  ان نرى الشعب متى تم خضوعه يسقط فجأة فى هاوية من النسيان العميق لحريته إلى حد يسلبه لقدرة على الاستيقاظ لاستردادها  ويجعله يسرع إلى الخدمة صراحة وطواعية  حتى ليهيأ لمن يراه أنه لم يخسر حريته  بل كسب عبوديته .
 
صحيح أن الناس لايقبلون على الخدمة فى أول الأمر إلا جبرا وخضوعا  للقوة  ولكن من يأتون بعدهم يخدمون دون أن يساورهم أسف ويأتون طواعية ما أتاه السابقون اضطرارا . ذلك من ولدوا  وهم مغلولوالأعناق  ثم اطعموا وتربوا فى ظل الاسترقاق  دون نظر إلى أفق أبعد  يقنعون بالعيش مثلما ولدوا . ثم أنه لما كان التفكير فى حال مختلفة  أو فى حق آخر  لايطرأ على بالهم ،فهم يأخذون وضعهم حال مولدهم مأخذ الأمر الطبيعى .
 
ومع هذا فما من وارث إلا نظر أحيانا فى مستندات أبيه ليرى هل يتمتع بحقوق تركته أم أن غبنا  قد لأصابه  أو اصاب سلفه . لكن لاشك  أن العادة مع سيطرتها  علينا  فى كل مجال  لا تظهر قوة تأثيرها مثلما تظهر  حين تلققننا العبودية وحين تعلمنا . مثلما قيل عن ميثريدات  الذى صار السم عنده شرابا مألوفا ، كيف نجرع سم الاسترقاق دون الشعور بمرارته ???
 
لاجدال فى أن للطبيعة  نصيبا كبيرا  فى توجيهنا  حيث تشاء  وأننا نولد على ما تدخره لنا من فطرة حسنة  أو سيئة  . ولكن لا مناص من التسليم  بأن سلطانها  علينا  يقل عن سلطان العادة  لأن الاستعداد الطبيعى  مهما حسن يذهب هباءا إ ذا لم نتعهده . فى حين أن العادة  تفرض علينا صوغها  أيا كان هذا الاستعداد .
 
 
*عبدالرؤوف النويهى
26 - مارس - 2007
مقال فى العبودية المختارة ...إتين دى لابويسيه(7)    كن أول من يقيّم
 
فالبذور التى تنثرها فينا  يد الطبيعة  ضئيلة واهية إلى حد لا يجعلها تحتمل أقل غذاء منافر لها ،فرعايتها لاتتم بمثل السهولة التى تتبدد بها وتفنى ،شأنها شان أشجار الفاكهة ؛ كل شجرة منها لها طبيعتها وتؤتى ثمارا غريبة غير ثمارها إذا طعمتها .
 
كذلك الأعشاب : كل عشب له خاصيته وطبيعته وتفرده ولكن البرد والجو ثم التربة  ويد البستانى تعين نموه كثيرا  أو تعوقه كثيرا حتى أن النبات الذى نراه فى قطر  لانكاد نعرفه فى قطر آخر .
 
تخيل رجلا رأى أهل مدينة البندقية – وهم قلة من الناس  يعيشون أحرارا  حتى ليأبى أقلهم جاها أن يتوج ملكا على جميعهم ، ولدوا ونشأوا على ألا يعرف أى منهم مطمعا إلا الإدلاء بأحسن النصح  من أجل الحفاظ على الحرية  والسهر عليها ،تربوا منذ المهد وتشكلوا على ألا يمدوا أيديهم إلى سائر نعم الأرض مجتمعة  عوضا عن ذرة من حريتهم – أقول تخيل  رجلا رأى هؤلاء القوم ثم ذهب بعد أن غادرهم إلى أرض ينشر عليها سلطانه من لقبناه بملك الزمان ، أراض يرى أناسا لايولدون إلا لخدمته ولايعيشون إلا لدوام قوته ،ترى  هل يظن أن هؤلاء وأولئك من عجينة واحدة  أم أن الأرجح أنه سوف يعتقد أنه ترك مدينة آدمية  ودخل حظيرة للدواب ?
 
يحكى أن ليكورج (مشرع اسبرطة ) قد ربى كلبين خرجا من بطن واحد ورضعا ذات الثدى ، فجعل أحدهما  يسمن فى المطبخ  وترك الآخر يجرى فى الحقول وراء أبواق الصيد . فلما أراد أن يبين لشعب لاسيدومونيا  أن الناس هم ما تصنع بهم  تربيتهم  جاء بالكلبين  وسط السوق  ووضع بينهم  حساء وأرنبا ، فإذا أحدهما يجرى إلى الطبق والآخر وراء الأرنب .
فقال ليكورج : ومع هذا فهما أخوان !
هكذا نجح بفضل قوانينه ودستوره فى أن ينشىء سكان لاسيدومنيا تنشئة  جعلت كلا منهم يفضل الموت ألف ميتة على أن يختار لنفسه سيدا آخر سوى القانون والعقل.
*عبدالرؤوف النويهى
28 - مارس - 2007
من وحي حديث دار أمس بيني وبين صديق    كن أول من يقيّم
 
الإنسان هو فعله, والنتيجة المترتبة على ذلك هي: أن الإنسان الذي يخلق أفعاله بحيث تناسب شيئا آخر غيره, هو لا شيء, إذ فعله كان لغيره لا له, وهو غير صادق, لأن الناس تتوقع أن يكون كل فعل هو تعبير عن فاعله لا غير, وهذا الإنسان الذي يخلق أفعاله لتناسب غيره إذاً يخدع الناس, ونستطيع القول أن هذا الشخص "لاشيء" من حيث لم يعبر عن نفسه, فنفسه غير موجودة, وهو "غير صادق" من حيث عبر عن نفسه بفعل غيره, مع أنه ليس غيره, فكل إنسان ليس له مثيل.
لكن مقولة أن "كل إنسان ليس له مثيل" لا تحل مشكلة الصدق, بل تجعلها مشكلات, فإذا كان "كل إنسان ليس له مثيل", وإذا كان المجتمع يرفض هذه اللامماثلة ويحتم على أفراده نوعا من "القولبة", بحيث يحمل كل منهم "متلازمة" من الصفات التي يجب ألا تختلط بـ"متلازمة" أخرى, أيكون المجتمع حين ذاك ضد إنسانية الإنسان التي تأبى إلا اللامماثلة.. فيكون الإنسان مخيرا بين الصدق مع نفسه من حيث هو كائن فرد, وبين الصدق مع نفسه من حيث هو كائن في المجتمع? الشخص الصالح الذي يخطئ.. هل هو صادق لأنه عبر عن نفسه في صلاحه وفي خطئه, أم هو غير صادق لأنه جمع بين "متلازمتين" فرق بينهما المجتمع, أعتقد أن الشخص الذي يعيش في "متلازمة أخلاقية" فرضها المجتمع, لا يحيد عنها, هو غير صادق مع نفسه, طالما أنه لا يحيد عنها نزولا على رغبة المجتمع لا رغبته هو.
لكن لو قلنا ذلك, لكانت نظرتنا إلى الصدق هي نظرة تحمل قدرا من استبعاد فضيلة "التماثل مع المجتمع", فهل الفضيلة تستبعد الفضيلة? وهل الصدق ضد الأخلاق? الحقيقة أن الذي وضعنا في هذا المأزق هو أننا نتحدث دائما عن المجتمع وكأنه دائما هو سفير الأخلاق, والأمر على خلاف ذلك لو تدبرنا الأمر. إن المجتمع ليسعى لحفظ الأخلاق أحيانا, ولكنه يعبث بها أحيانا كثيرة أخرى, فالأخلاق ليست "متلازمات جامدة", إذ أن الإنسان هو إرادات مستقلة متعارضة, وما وضْعها في شكل "متلازمات جامدة" إلا تحكما من المجتمع على أفراده, وتسلطا منه عليهم. لا.. بل إن المجتمع ليقف أحيانا ضد الأخلاق بصراحة, فالزانية التي تود لو تكون شريفة, واللص الذي يود لو يكون عفيفا, كل منهما يحول المجتمع بينهما وبين الأخلاق, إنه لا يغفر لهما خطأهما الأول, ويحيطهما باليأس الذي لا مخرج منه إلا بمزيد من الخطيئة. إن المجتمع لا يغفر ذنوب أفراده, فكيف يكون "التماثل معه" هو عنوان الفضيلة? إن المجتمع يحافظ على اللص لصا, وعلى الزانية زانية حتى يمارس عليهما غروره وتسلطه, فكيف يكون هو ملتقى الفضائل?
إن اللص والزانية الذين هم كذلك لأن المجتمع فرض عليهم ذلك, ليسوا بأقل نفاقا من الشريف والعفيفة الذين هم كذلك لأن المجتمع فرض عليهما ذلك, كلاهما لا يعبر في فعله عن إرادته بل إرادة غيره, وكلاهما غير صادق.
مشكلة صدق الإنسان مع نفسه, تحسم فقط عندما يكون الفرد مسؤولا أمام الله لا أمام المجتمع.
إن هذا الشعور ليجعله صادقا مع نفسه في حالة اكتسابه الفضيلة أو في حالة ارتكابه الرذيلة, كلاهما على حد سواء.
إن هذا الشعور ليجعله صادقا مع نفسه, لأنه عندما يتعامل مع الله فهو يتعامل مع الإله الذي توجه إليه بمحض حريته وكامل إرادته, لا مع المجتمع الذي قد ولد فيه قسرا.
إن هذا الشعور ليجعله صادقا مع نفسه لأن الله أعلم بعبده من المجتمع بأفراده, فالمجتمع يحبس أفراده في متلازمات أخلاقية أو غير أخلاقية لا محيد عنها, لكن الله غفر للبغي التي أطعمت هرة.
إن فضيلة الصدق لفضيلة ممتعة, فبها يرى الإنسان نفسه, وأي متعة تفوق رؤية الإنسان نفسه كما هي, المجتمع فقط هو من يذهب بجمال الصدق وروعته, حين يجعله عبئا ثقيلا على الفرد, لا يتخفف منه إلا بتملق المجتمع بالفضيلة... أو بالرذيلة.
إنني صادق مع نفسي حينما أصلى, وصادق مع نفسي حينما أقترف ذنبا..
من أراد أن يفعل الخير فليفعله ولو كان المجتمع يأبى ذلك, ومن كان قد اكتسب, يوما ما, خطيئة, فليرفع رأسه أما المجتمع قائلا: "أيها المجتمع القاسي.. الأعمى.. المغرور, إنني أخطأت لكن ليس في حقك أنت, بل في حق الله الذي يغفر ذنبي دائما, وليس لك أن تحاسبني, "
 
*يحيي رفاعي سرور
29 - مارس - 2007
ابن تيمية فيلسوف عصر النهضة. (44)    كن أول من يقيّم

رأي الوراق :
 
الحديث عن الحرية كان في إطار حصر قيمة عصر النهضة في الخروج على منطق أرسطو, تمهيدا للقول بأن قيمة هذا العصر ليست إلا نتاجا فكريا بسيطا للحضارة الإسلامية, ذكرنا أن الحرية كما عرفها الغرب ليست حرية, بل هي محض انفعال غير موجه, وذكرنا أيضا أن الحرية تفقد معناها وقيمتها لو اتجهنا إليها مباشرة دون استنباطها من سلب العبودية, بمعنى أنني حر من كل ما أنا لست عبدا له, وبهذا فقط نستطيع توليد مفهوم "الحق" من مفهوم "الحرية", فيجب تحديد موضوع العبودية أولا.
للتأكيد على هذه الفكرة, طرحنا "كانط" كنموذج للتخبط الناشئ عن التوجه "الانفعالي" المباشر نحو الحرية, دون أي حسم لمفهوم العبودية وموضوعها, تمثل هذا التخبط في تمزيق الحرية بين المواطن والدولة, مما نشأ عنه تخبط في وجهة النظر المتعلقة بحق الدولة وحق المواطن, فللأول حرية القول والرأي, حيث المواطن "كائن عارف", وللثاني حرية الفعل والواقع, من حيث هو "قطعة آلية" على حد تعبيره.
ذكرنا في التعليق على هذا أن الحرية ليست لها قيمة طالما كانت مشروطة بعدم المساس بالواقع, إذ أن الحرية أصلا موضوعها الواقع, لكن هنا لنا تعليق آخر. هذا التعليق يتحدث عن سخرية الواقع من الأفكار غير المعبرة عنه, ومن ثم, من الأفكار الباطلة, هل "واقع" كانط كان معبرا عن فكرته?.. لا.
المفروض أن "كانط" قد اقتصر فيما يخص المواطن على حرية القول, لقد مارس تلك الحرية بنشره كتاب "الدين في حدود العقل وحده", وذلك في عام (1793) فصدر قرار من مجلس الوزراء مخاطبا "كانط" فيما نصه:
"نحن نرجو لك الحسنى, لأنك لا بد تدرك كم أنت مسؤول أمام واجبك بوصفك معلما للشباب, وأمام واجباتنا وأغراضنا الوطنية المعروفة جيدا. ونرجو من سيادتك الشريفة أن تتحلى بالمسؤولية الواعية, ونأمل منكم, تجنبا لعدم رضانا العالي, ألا ترتكب أمرا من الأمور, بل تستخدم مكانتك ومواهبك ووفقا لما يمليه واجبك , في تحقيق نوايانا الوطنية, وإلا فإن استمرارك في هذا الطريق سيؤدي بنا حتما إلى اتخاذ إجراءات غير مرضية لك" (من كتاب "كانط" لعبد الرحمن بدوي)
وكان رد "كانط" صاحب "حرية القول" في مقدمة كتابه "النزاع بين الكليات الجامعية":
"إن إنكار واستنكار ما يقتنع به المرء أمر مهين دنيء لكن السكوت في حالة كهذه هو واجب المحكومين, وحتى لو كان كل ما يقوله الإنسان صحيحا فليس من الواجب أن يصرح بكل الحقيقة علانية" (المرجع نفسه)
عبد الرحمن بدوي يبرر له فعلته تلك بشكل يدعو للاستنكار, فيقول:
"حقا, إن هذا الموقف لن يدخله في زمرة شهداء حرية الفكر, ولكنه أيضا لا يشينه, لأنه لم يتراجع عن رأيه, ولم ينافق السلطة, ولم ينقلب على ما اعتقد أنه الحق. كل ما هنالك هو أنه آثر الصمت, وانسحب من ميدان البحث الحر في الأمور المتعلقة بالدين, وكان شعاره في سلوكه هذا هو: "لا أقول إلا ما أعتقد أنه حق, ولكني لا أصرح بكل ما أعتقد أنه حق" (المرجع نفسه)
هذا التخبط من "كانط" ومن "بدوي" يعود في الأساس إلى خلل في مفهوم الحرية, هل هي حق للإنسان, أم هي حق على الإنسان, لو كانت الحرية هي حق للإنسان لساغ له التنازل عن هذا الحق, حتى دون إبداء مبررات, أما لو كانت الحرية هي حق على الإنسان, لكانت ممارستها تكليفا لا خيار له فيه, لكن "كانط" في مقالته "ما هو عصر الأنوار" يعتبر الحرية حق على الإنسان, فيقول:
"فمن الخطير مثلا أن يعمل أحد الضباط الذي تلقى أمرا من رئيسه فكره في ذلك الأمر لمعرفة مدى أهميته ومنفعته, فلا يكون عليه إلا تنفيذ الأمر وطاعته, ولكن إذا أردنا أن نكون عادلين, فلا ينبغي أن نمنعه, من حيث هو كائن عارف, أن يبدي ملاحظاته حول الأخطاء التي تبدو له في أمور الحرب, وأن يعرضها على الجمهور ليحكم عليها, وبالمثل, فإن القس موكول إليه تعليم المقبلين على التنصر وفق تعاليم الكنيسة التي يخدمها, لأنه قبل هاته المهمة تحت هاته الشروط. ولكن, من حيث هو كائن عارف, فإنه يتمتع بكامل الحرية, وأكثر من ذلك فإن عليه أن يبلغ الجمهور كل أفكاره, بعد أن ينقحها ويمحصها , وذلك فيما يتعلق بأخطاء تلك التعاليم".
الحرية ليست حقا لنا بل هي حق علينا, ولكن كونها حقا هو أمر مستحيل طالما لم نحدد من هو صاحب الحق, نحن أحرار لأننا مكلفون بالتحرر من كل ما سوى الله, لأن الله فقط له حق العبودية, وهذا ما يجعل للحرية معنى.
قارن بين موقف إمام أهل السنة "أحمد ابن حنبل" في محنته الشهيرة, وبين موقف "كانط", أحمد ابن حنبل هو الرجل الفرد الذي هزم حاكمه, دون أن يتفوه بكلمة "حرية", أما "كانط" فهو الرجل الذي خنع لحاكمه, بعد أن تغنى كثيرا بالحرية.
لكن يصعب علينا ترك مقالة "أبو الفلسفة الحديثة!" المذكورة دون أي فائدة تذكر, الحقيقة أن الفائدة هي في المقطع الأخير منها, تحديدا: في الكلمة الأخيرة, وهي للأسف فائدة لنا لا له, يقول في آخر المقالة:
"هناك أمارات كثيرة تدل على أن المجال قد خلا للبشرية الآن كي تمارس الفكر تحرية, وإن الحواجز التي كانت تحول بينها وبين ذلك , والتي كانت تعترض قيام عصر الأنوار وخروج الإنسانية عن حالة القصور التي يكون الناس أنفسهم مسؤولين عنها, إن هاته الحواجز قد أصبحت الآن تقل شيئا فشيئا. ومن وجهة النظر تلك فإن هذا القرن هو قرن الأنوار , أو أنه عصر فريدريك"
طبعا تذكرون فريدريك, إنه ذلك الإمبراطور الذي ألقى "نيتشة" باللوم على حكام الغرب, لأنهم لم يحذوا حذوه, وهو الإمبراطور الذي اضطُهد "كانط" بعد رحيله, وهو الذي قال فيه "ول ديورانت": "لو لم يكن فريدريك لما كان "كانط" ", وهو الذي قيل فيه إنه: "تلميذ العرب", وقالت فيه "زجريد هونكة" في كتابها "شمس العرب تشرق على الغرب":
"كان تقديره للفكر العربي هو أساس نظرته إلى للعالم التي رفعته عن بقية معاصريه وأسلافه, ودفعت به لحب كل ما هو عربي وتقديره".
"فريدريك" هذا رجل ظريف, وفائدته بالنسبة لنا هو أنه أحد معابر الفكر الإسلامي إلى ألمانيا, الأمر الذي جعلها متميزة إلى حد ما عن الفلسفة الفرنسية والإنجليزية وسابقة عليها. أما تحديد مسار الفكر الإسلامي إلى أوروبا بشكل عام, وهو الأمر الذي ستحل به تلك المفارقات, فهو حدث أقوى من ظهور رجل مثل "فريدريك", هذا الحدث يتضمن إمكانية, بل وضرورة, إعادة كتابة تاريخ الفلسفة بأقلام عربية.. عربية جدا.
*يحيي رفاعي سرور
30 - مارس - 2007
مقال فى العبودية المختارة ...إتين دى لابويسيه (8)    كن أول من يقيّم
 
ويطيب لى  هنا  أن أتذكر حديثا جرى فى قديم الزمان  بين أحد المقربين إلى أكسركس ملك الفرس  الأعظم  وبين رجلين من لاسيدمونيا . أخذ اكسركس ، وهو يعد جيشه الضخم لغزو اليونان  ، يبعث رسله إلى المدن اليونانية  يطلبون إليها الماء والتراب  وهو تعبير كان يستخدمه الفرس إشارة إلى أنهم  يأمرون المدن بالاستسلام . إلا أثينا واسبرطة ،فقد تجنب أن يرسل إليهما أحدا ، ذلك أن الأثينين والاسبرطيين كان قد سبق لهم أن أمسكوا بسفراء  أبيه داريوس  فزجوا بعضهم فى الحفر والبعض الآخر فى الآبار  قائلين : خذوا ما تريدون من الماء والتراب ! كانوا قوما لايطيقون  ولو كلمة واحدة تمس حريتهم . غير أن الاسبرطيين بعد أن صنعوا هذا الصنيع أدركوا أنهم قد جروا على أنفسهم غضب الآلهة  وغضب تالثيبيوس ، إله الرسل، بنوع خاص ، فقرروا أن يرسلوا إلى اكسركس  مواطنين من بينهم ليمثلا بين يديه وليصنع بهم ما يشاء انتقاما لمن قتل من رسل أبيه . فتطوع رجلان  ليدفعا هذا الثمن  ، اسم أحدهما سبرثيوس  واسم الآخر بولس . وبينما هما فى الطريق  صادفا قصرا يملكه رجل فارسى اسمه هندران  ،كان الملك قد عينه واليا على جميع المدن الواقعة  على الساحل ،فرحب  بهما أكرم ترحيب  وأطعمهما بغير حساب  ثم سألهما  بعد أن أخذوا يتجاذبون أطراف الحديث لما يرفضان إلى هذا الحد صداقة الملك ?
قال : "أنظرا إلىً أيها الاسبرطيان واتخذا منى مثلا منه  كيف يعرف الملك تشريف من استحق وتذكرا أنكما لو صرتما من اتباعه  لرأيتما  من صنيعه ما رأيت  وأنكما  لو دنتما  له بالطاعة وعرف أمركما  لما خرج كلاكما عن أن يكون أميرا لمدينة  من مدن اليونان " .
فأجابه محدثاه : "لهذا ياهندران  لأمر لا تملك فيه إسداء النصح إلينا لأنك جربت النعمة التى تعدنا بها  ولكنك لا تعلم شيئا عن نعمتنا ؛ لقد ذقت حظوة الملك وأما الحرية  فلست تعرف ما مذاقها ولامدى عذوبته ،ولو فعلت لنصحتنا بالدفاع عنها لا بالرمح والدرع بل بالأسنان والأظافر " .
 
هذا الجواب وحده  هو الصدق ، ومع هذا فلاشك أن ثلاثتهم تحدثوا  وفاقا لنشأتهم ، فما كان للفارسى أن يستشعر الأسف على الحرية  وهو لم ينلها  قط  ولا للاسبرطى أن يحتمل التبعية بعد أن ذاق الحرية .
 
*عبدالرؤوف النويهى
30 - مارس - 2007
 28  29  30  31  32