بانتظار العودة إلى السؤال     ( من قبل 2 أعضاء ) قيّم
أعزائي : مساء الخير
كنت قد وعدت الأستاذ وحيد بالعودة حين تتاح لي الفرصة ، وها أنا أعود اليوم رغبة مني بوصل ما انقطع بيننا من حوار .
نحن بانتظار المقال الذي حدثتنا عنه يا أستاذ وحيد : " متى تموت وتحيا الفلسفة ? " للأستاذ حسن حنفي الذي يشاركنا هنا من حيث لا يدري ، والذي سيعيد ربما عربة القاطرة إلى سكتها . وبالمناسبة ، ورداً على سؤالك ، فأنا لم يتسن لي الحصول على عدد المجلة الذي ذكرته لي حتى الآن .
يثير الأستاذ النويهي في مقالته الأخيرة قضيتين هامتين : موضوع الترجمة ومشكلاتها ، ومسألة فهم النصوص الفلسفية المكتوبة بلغة أخرى . وهما مسألتان مختلفتان تماماً وإن بدتا كأنهما مسألة واحدة ، لأن فهم النص الأدبي أو الفلسفي المكتوب بلغة غير اللغة الأم للمتلقي ، ليس من البديهيات حتى ولو كان القارىء للغة الأجنبية مجيداً لها . فلكل لغة فضاؤها المعرفي ومنطقها الخاص بها ، وإتقان لغة من اللغات لا يعني بالضرورة تبني مفاهيمها المعرفية ولا الانسجام مع تركيبتها الذهنية ، بالإضافة إلى أن العلاقة الحميمة بلغة من اللغات هي مسألة نفسية لأنها تتعلق بالمعاش من التجربة الإنسانية ، لذلك ، فإن بعض النصوص الأدبية ، كالشعر مثلاً ، تبقى بعيدة عن الإدراك الكامل لها لأنها نصوص معاشة . سقت هذا المثل لأقول بأن مسألة فهم النص من المترجم ذاته ليست بديهية على الإطلاق .
لم أقرأ الترجمات التي تحدث عنها الأستاذ النويهي ولا يمكنني بالتالي الحديث عنها وعن مدى مسؤوليتها في عدم تقديم نصوص سارتر بالشكل الصحيح ، إلا أن ما أعرفه عن فلسفة سارتر يجعلني أرجح بأنها تعبر عن حالة نفسية وفكرية ارتبطت بقوة بإرهاصات وتمخضات ما أنتجته الحرب العالمية الثانية من إحباطات ظهرت نتائجها في الفن والأدب والفلسفة وسائر مجالات الحياة الثقافية . هذه الفترة الزمنية ، وهذه الحالة النفسية التي رافقتها ، عشناها نحن بطريقة مغايرة تماماً ، هي تزامنت عندنا مع فترة المد القومي وإنطلاقة المقاومة الفلسطينية ، ولم نتعرف بها إلا عن بعد .
فأوروبا عقب حربين عالميتين مدمرتين ، كانت قد فقدت تلك المرجعيات المقدسة المتعالية التي بنت عليها أمجادها : هي كانت قد فقدت سلطة الدين كمرجعية أخلاقية ، والثقة بقدرة العقلانية ونظامها المرتكز على تقديس العلم ، فالعلم والحداثة قدما وسائل الدمار وقنبلة هيروشيما ، وكانت الفلسفات الكلية ، كالشيوعية قد بدأت بتقديم ضحاياها هي أيضاً ، ولم يعد للأنسان بفقدانه لتلك المرجعيات من ملاذ لذاته المفككة . فالتاريخ ليس قطاراً يسير إلى الأمام ، والقيم الإنسانية التي نادى بها عصر الحداثة باتت في موضع التساؤل . وأما الحرية الإنسانية ، فأين هي حدودها ?
من هنا ، جاءت وجودية سارتر " اللقيط " ، كما كان يرى نفسه ، والذي أعاد طرح سؤاله الوجودي مرتكزاً إلى ذلك العدم الذي كان يعيشه ( فهذا الإحساس الداخلي الذي عاشه ليس مشتركاً لكل البشر ، فالقليل من أبناء الشرق يعيشون حالة نفسية مماثلة من الإحساس الكلي بالفردانية ، وبأنه وحده أبداً في مواجهة مصيره ، وضمن ثقافة ملحدة تماماً ، وضمن إحباطات تلك الفترة بالذات ، هذه تجربة خاصة بفئة من البشر لم يعشها المترجم بالضرورة ).
انطلاقاً من تجربته الوجودية ، صاغ سارتر فلسفته مفترضاً بأن : الإنسان محكوم بحريته المطلقة . " لا يوجد شيء في السماء ، لا خير ولا شر ولا من يعطيني الأوامر " ، كان يقول . انطلاقاً من هذا ، على الإنسان شق طريقه بنفسه ومن دون مساعدة . هو بالتالي المسؤول الأول والأخير عن أفعاله ، أمام نفسه وأمام الآخرين .
هذه الحرية التي هي الأساس ، هي مشروع الإنسان الذي كان يطمح إليه سارتر وهو من كان يحكم عليه سلفاً بأنه مستحيل ، لأن السلوك الإنساني ما هو برأيه إلا محاولات فاشلة ويائسة لإجراء تصالح ما بين ما هو : في الأنا . وما هو للأنا . ( بعبارة أخرى بين الرغبة والواقع رغم عدائيته الشديدة لمذاهب علم النفس وذلك لانتقاده الشديد لمفهوم اللاوعي ) . لأن فلسفته كلها ترتكز على دور الوعي .
فما هو في الأنا : هو الكائن . وما هو للأنا : فهو الوعي . فالوعي هو الموضوع وهو الحرية الغير قابلة للتحديد ، هي جوهر لا يوصف لأنه لم يتحقق بعد . هي إذاً غير موجودة بعد فالوجود عند سارتر يسبق الجوهر . ( فالإنسان هو مشروع كائن حر لن يتحقق ) .
والوعي المنوط به تحقيق الحرية هو وجود مركب ، هو محتمل ( افتراضي غير مؤكد ) وهو مزور ومصطنع ( لأنه متعال ، غير واقعي ) وهو مؤقت ، محكوم بظروفه الآنية .
وهذا ما يدفع الإنسان لأن يجيد الكذب على نفسه وعلى الآخرين ويتخلى لهم أحياناً عن حريته ، وهذا هو الوجه الآخر للحرية التي تريد التنصل من المسؤولية لأن الاختيار هو التزام .
من هنا تكررت كثيراً في مسرحياته وأدبياته مسألة التشديد على لحظة الخيار وإبرازها لأن الخيار الحر هو التزام أخلاقي يطبع كل الحياة .
هذا النمط المتشائم من الفكر والتجربة المريرة من الإحساس بالوحدة وبأنه أسير قدر يرتكز على الصراع والصدام الدائم بين حريتين متناحرتين ، وتحليله للحب والرغبة والكره والسادية والمازوشية ، وتبريره للعنف ، هذه النظرة المتشائمة للأنا وللآخر هي ما جعلته يقول في إحدى مسرحياته بأن : " الجحيم هو الآخر " . أظن بأن كل هذا بحاجة لظروف نفسية مشابهة معاشة للإنسان لكي يتمكن من فهم هذه الفلسفة وسبر غورها .
أما الحديث عن الاستراتيجيات الثقافية الغافلة ، وغياب المأمون ، أو مآمين العصر عن دورهم ، فهو حديث ذو شجون ، ولا بد من مؤسسات ترعى وتخطط وتقوم بتجميع وغربلة مجهود جماعي ، و تحمي أيضاً الإنسان من جهل الإنسان .
|