العشائرية بعينين أوروبيتين
من الأمور التي ميزت نمط الإنتاج الذي كان سائدا في المغرب العربي كما في أغلب مناطق العالم في القرون الوسطى:- انتظام أغلب السكان في مجموعات قروية أو قبلية معتمدة على نفسها بصورة كلية أو شبه كلية.
وهذه سمة لما سماه البعض ب " نمط الإنتاج الآسيوي".
غير أن الشمال الإفريقي يعطينا نموذجا مخالفا لهذا النمط من الإنتاج الذي ساد فيما سمي بالمجتمعات الهيدروليكية (مصر، الهند، الصين، اسبانيا المسلمة)فهذه المجتمعات تتميز بإنجاز أعمال استصلاح كبيرة موجهة للزراعة المسقية أو، على العموم، بأشغال كبرى ذات أغراض متنوعة أنجزت من طرف مجموع السكان تحت إشراف بيروقراطيا.
لقد أخضعت تلك الجموع الى نظام سخرة معمم من قبل الملك الذي كان يجسد المصالح العليا للجماعة. أنجزت هذه الأعمال في جنوب اسبانيا و في مصر و لكنها لم تنجز على الإطلاق في شمال إفريقيا بالرغم من وجود سهول كبيرة (سهول الغرب بالمغرب الأقصى، الشلف و المتيجة بالجزائر و المجردة في تونس) كان من الممكن استصلاحها إلى مناطق زراعة مسقية، غير أن هذا لم يحدث. لماذا ?.
هل كانت اليد العاملة قليلة إلى حد لم يسمح بالتفكير في القيام بتلك الأعمال ?
إن ازدهار زراعة كثيفة كان سيمكن من رفع عدد السكان،لكن انتشار الحياة الرعوية و نصف الرعوية شكل عقبة أخرى.
مع ذلك يبقى السبب الرئيسي هو صلابة البنيات القبلية التي كانت تحد من سلطات الملوك و تحول دون تعبئتهم للسكان و تسخيرهم.و يجب أن نلاحظ أن أغلب المجتمعات الهيدروليكية تشكلت في فترات بعيدة من التاريخ القديم، في ظروف إيديولوجية و اجتماعية، جعلت السكان يقبلون سلطة ملك اله تساعده بيروقراطيا من الرهبان -المهندسين.
ألم تتوفر هذه الشروط في شمال إفريقيا ?
.يحتمل أن تكون شروط التعبئة قد توفرت في عهد ما قبل الاحتلال الروماني مكنت من إنجاز أشغال كبرى، فالمعالم الميغاليتية العديدة الموجودة شمال إفريقيا و على الخصوص تلك الموجودة في الجزائر، لم يكن إنجازها ممكنا إلا من قبل قادة يتمتعون بأعداد كبيرة من السكان.و يمكن أن يكون الاحتلال الروماني بقضائه على قوة الملوك البربر و إدخاله لنمط الإنتاج العبودي قد تسبب في اندثار هذه الأشكال من التعبئة الجماعية التي كانت في بداياتها.
خلاصة القول:إن البنية القبلية سبب رئيسي في عدم مسايرة شمال إفريقيا التطور التاريخي للمجتمعات الهيدروليكية بمعنى آخر إنها سبب رئيسي في تخلفه.
ترجمت عن" Yves Lacoste
|