البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات ضياء العلي

 98  99  100  101  102 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
غيوم وأمواج ( 1 )    كن أول من يقيّم

 
 
الأستاذ الأديب زين الدين هشام : عافاك الله وسلمك وحجاً مبروراً إن شاء الله .
شكراً لك غبطتك التي أفرحتنا بدورها وشكراً لك إطلالتك الكريمة من هذه النافذة التي بت أشعر فيها كأنني في بيتي وبين أهلي ، كما سرني تعليقك على الحكاية التي تحتوي مجموعة من العناصر المتشابكة ، النفسية والاجتماعية ، رغم أنها صيغت بشكل بدائي عبر الترميز بالحيوان إلى الشخصيات المختلفة وضمن محيط الطبيعة الخالصة وبحيث لا يوجد في هذه الحكاية أي رمز من رموز الحضارة سوى الإشارة من بعيد إلى عرس بنت السلطان الذي كان سبب هذه الرحلة ـ المغامرة . مع هذا ، أجد بأن نص هذه الحكاية يحمل بعداً نقدياً مذهلاً ، فالضبعة الجشعة والمرهوبة الجانب لا تأكل أحداً بلا سبب ودون تقديم مبررات مقنعة لالتهامه ، حتى في الوقت الذي تكون قادرة على أكله ، لأن دهاءها جزء من شخصيتها فلولا أنها كانت مداهنة ومحتالة  وتجيد النفاق لما استطاعت إدخالهم إلى بيتها بسهولة . ثم أن هذه المبررات " الأخلاقية " التي كانت تسوقها قبل أكلهم كانت ضرورية لإشعارهم بالذنب وبالعجز والدونية تجاهها وهي لم تتورع في استخدام كل الأساليب لإضعافهم والحصول عليهم لقمة سائغة . إنها القوة والطمع بمبررات شرعية فيها الكثير من العواطف التي ترتدي ثوب الإنسانية . هذا ما يحصل تماماً اليوم في السياسية ، كما أشرت ، وبحيث تم إدخال الدين أيضاً ضمن عناصر اللعبة ، كما هو حاصل تماماً اليوم وكما حصل سابقاً في التاريخ وصار كل طرف يستخدمه بحسب مصلحته ، وهذا خلاصة ما قاله الأستاذ صادق السعدي في تعليقه الأخير .
التاريخ الأسف لم يعلمنا شيئاً فهل سنتعلم من الحكاية ؟
تحياتنا الخالصة لك ولأحمد ياسين ( يا له من اسم جميل ) حفظه الله ورعاه آمين .
ومن أحمد ياسين إلى الأستاذ ياسين أبي أحمد الذي أحييه وأشكره على تعليقه وكلامه الطيب وأحمله سلامي إلى الحاجة أم أحمد مع كل المودة والتقدير .
لا أستطيع أن أزيد بالكلام على قصيدة الأستاذ السعدي سوى القول بأنني كنت قد قرأتها أول مرة  وأنا أظن بأن الأستاذ زهير هو من كتبها ( قرأتها من برنامج الإدارة حيث لا يظهر الإسم ) ثم استوى المعنى في ذهني عندما علمت بأنها للأستاذ صادق غير أنني " انقلبت " من الدهشة مرتين ، فيا له من شعر جميل .
كذلك أشكر مجدداً أستاذنا لحسن بنلفقيه على كل ما تفيض به نفسه السمحاء من مشاعر دافئة تشيع الاطمئنان في قلوبنا وتحيطنا بهذا الغلاف العازل الذي يجعل من هذا المكان شيئاً خاصاً بحق .
وكل التحية والشكر لأستاذي الغالي الساهر دائماً على رعاية الوراق والذي لم يبخل علي ، ولو لمرة واحدة ، بكل ما هو جميل وقيم من نبض قلمه الساحر ومشاعره النبيلة .
ومن وحي كل هذا ووحي مشاعري حيال هذا المكان سأنقل لكم في الفقرة التالية قصيدة للشاعر الهندي طاغور كتبها لأمه ، وأنا أعيد كتابتها هنا لأنها تحكي أشياء كثيرة تتجاوز مشاعر هذا الطفل الكبير نحو أمه .
 

20 - يناير - 2010
أحاديث الوطن والزمن المتحول
غيوم وأمواج (2 )    كن أول من يقيّم

 

غيوم وأمواج

دعاني سكان الغيوم ، يا أماه ، قالوا : " هنا نلعب منذ نفيق ، وحتى يزول النهار ، نلعب مع الفجر الذهبي ، نلعب مع القمر الفضي "
قلت : «  ومتى أبلغ ذراكم ؟ "
قالوا : «  تعال حتى حافة الأرض وارفع ذراعيك نحو السماء ، تُخطف إلى قلب الغيم "
قلت : " وأمي ؟ إنها تنتظرني في البيت ؟ فكيف أتركها وأذهب ؟ "
حينئذ ، ابتسموا ، ومادوا ، ومضوا ،
على أني أعرف لعبة أجمل من لعبهم ، يا أماه : " سأكون الغيم ، وتكونين القمر ، سألفك بذراعي وتأوينا السماء الزرقاء " .

******
ودعاني سكان الأمواج ، يا أماه ، قالوا : " هنا نحن نغني ، من الصبح حتى المساء ، إنا نسير ونسير ، ولا ندري أين نمر «  .
قلت : «  وكيف أنضم إليكم . " .
قالوا : «  تعال حتى حافة الشط قف ، واغمض عينيك ، تحمل إلى سطح الموج ،
 قلت : " وأمي ؟ إنها تريدني في البيت كل مساء ، فكيف أتركها وأذهب ؟ "
حينئد ، ابتسموا ، ورقصوا ، وغابوا .
على أني أعرف لعبة ألذ من لعبهم ، يا أماه : " سأكون الموج ، وتكونين الشط البعيد ، سأجري وأجري وأنذثر ضاحكاً على حضنك ونكون معاً ، أنا وأنت لا يدري في الدنيا بنا بشر

طاغور : من ديوان ( الهلال ) ترجمة يوحنا قمير
 

20 - يناير - 2010
أحاديث الوطن والزمن المتحول
البلان والعوسج    كن أول من يقيّم

 
مساء الخير أستاذ لحسن :
 
قرأت باهتمام ما كتبته في تعليقاتك السابقة واسمح لي أن أقول ملخص ما فهمته :
تجتمع في هذه النباتات التي ذكرتها حتى الآن وهي : العوسج والغرقد والعليق ، صفة واحدة مشتركة وهي كونها نباتات شوكية .
ويبدو لي بأن كلمة عوسج هي القاسم المشترك بين هذه الأصناف النباتية وأنها تعني الشوك ولا تعني نباتاً أو فصيلة نباتية بعينها لذلك أتت مرادفة للنوعين فتم الخلط بين العوسج والغرقد من جهة ، والعوسج والعليق من جهة أخرى .
فالغرقد Lycium ( الذي هو عوسجة كبيرة ) يشمل عدة أنواع من الشجر الشوكي كما ظهر في الصور الموجودة على الرابط المدرج في تعليق الأستاذ يحيى وهو من فصيلة الباذنجانيات Solanacées .
وأما العوسج بمعنى العليق Ronce , mûrier sauvage فلقد ورد على هذا النحو أيضاً لدى ابن سينا وكذلك في معجم Larousse ( عربي ـ فرنسي ) وهو من فصيلة الورديات Rosacées .
وأما ما ورد في تعليقك بعنوان " العوسج وخرز العقيق " عن لسان العرب فهو يعني نوعاً آخر من الشوك ( كما فهمت بحسب الوصف ) هو نبات البلان  Ballan المنتشر كثيراً في المناطق الشرقية لحوض البحر الأبيض المتوسط  ( يقال له أيضاً النتش في فلسطين ) والذي نراه في الصورة فوق ويسمى باللاتينية :
Poterium Spinosum
 من فصيلة الورديات Rosacées واسمه بالفرنسية Pimprenelle épineuse
أرجو أن يكون ما فهمته صحيحاً وكل التحية لك والسلام .
 
 

22 - يناير - 2010
نباتات بلادي
لأنَّ ...    كن أول من يقيّم

 

لأنّ، لأنّ، لأنّ
 
شاعر
الرياح تتغلغل في طاقيته
من حزنه يخترقه الجنون
لا استقرار
عبر الفصول،
نموذجه غير معلن
كأنها رواية لم تتم كتابتها
وفي الطبقة الكثيفة من الجو
احترق حظه الاخير
والشاعر عصفور الصباح المبكر
ينقر حبة الهدوء
من حديقة الصمت.
وهناك،

البحيرة الناعسة
وصراخ المجموعات الطائرة
والضجيج
هتك الأفق
امتلأ الصباح بالفجر الزاهر
وغمامات تسبح عند حدود السماء
فوق نهير منسيّ
تسبح الغمامات الهاربة،
والشاعر العصفور المبكر
يتأمل هذا المحيط
من الغرابة الطبيعية.
•••

لأن الرعد يهبط من السماء
اذا لمع سقط
في السهل الضيق
يرتاح هنيهات
يحلم بمشواره الارضي
يتمزق مثل خيط بكرة.
يا ترى

هل الحياة ركّبت هكذا؟
لا!
لنهدئ روعنا

قبل ادانتها
ولا تبحث عن جواب صدفي
قريب من القلب والعقل،
الهواء والليل وكأس من الشاي
لأنّ، لأنّ، لأنّ.
•••
 
ت. بريكسينوي
(شاعر روسي)
ترجمة وضاح يوسف الحلو
* مع التحية لسلوى وشكرها على ملفها الرائع هذا والذي أرجو أن لا أكون قد تطفلت عليه بهذه القصيدة الحزينة .

25 - يناير - 2010
رسائل مجهولة المصدر ..
فلسفة وشعر    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :

 

يقول الشاعر الإنكليزي تينيسون ( Tennyson ) وهو من شعراء القرن التاسع عشر :
 
يا زهرة في جدار متصدّع
إنني انتزعتك من بين الشقوق
وأقبض عليكِ ، هنا في يدي ، بجذورك وكيانك كلّه
أيتها الزهرة الصغيرة ــ آه لو أستطيع أن أفهم
ماذا تكونين ــ جذورك وكيانك جملةً وتفصيلاً
إذاً لعرفت الله والإنسان .
 
ويقول جوته شاعر الألمان الأكبر :
 
سرت في الغابة وحيداً مع نفسي
ما كنت أبحث عن شيء يشغل بالي
رأيت تحت الظلال زهرة صغيرة
تضيءُ كالنجوم
كالعيون الجميلة
قلت : أقطفها ؟
قالت : أأوذى وأتحطَّم ؟
خلعتها من جذورها
             حملتها إلى الحديقة
                     عند المنزل الضيق
                              غرستها هناك
                                       في مكان هادىء
                                                 هي الآن تنمو
                                                          وتتألق ازدهاراً ...
 
وأما سبينوزا ، أشهر فلاسفة القرن السابع عشر فكان يقول : 
 
سأكتبُ عن الكائنات البشرية ، و كأنني أكتبُ عن الخطوط و السطوح و الاجسام الجامدة . وقد حرصتُ على ان لا اسخر أو العنَ أو أكرهَ الأعمال البشرية بل افهمها ، ولذلك نظرتُ الى العواطف .. لا باعتبار كونها رذائل و شرور في الطبيعة البشرية و لكن بوصفها خواص لازمة لها كتلازم الحرارة و البرودة و العواصف و الرعد و ماشابهها لطبيعة الجو . "
 
" على الرغم من انّني أجدُ أحياناً بطلان النتائج التي جمعتها بعقلي و تفكيري الطبيعي ، و لكن هذا لن يزيدني إلاّ اقتناعاً ، لأنّني سعيد في التفكير و جمع المعلومات و لا أضيّع أو قاتي في التحسّر و الحزن ، بل انفقها في السلام و الصفاء والسرور . "
ولنا عودة إلى سبينوزا لاحقاً .
 

17 - فبراير - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
العقل والقلب    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :

 
هناك طريقان للمعرفة يجتمعان ويختلفان منذ الأزل ويتفاعلان فيما بينهما لبناء حياتنا العقلية هما : المعرفة الحدسية المباشرة المرتكزة إلى الشعور الباطن ، والمعرفة المنطقية التي نتوصل إليها بالتفكيروالاستدلال العقلي . تجلت هذه الثنائية المعرفية في فلسفتي أرسطو وأفلاطون كمثال ساطع لما يمكن إدراكه بالعقل ، وما يمكن معرفته عن طريق الكشف الصوفي وهو ما دعي بالعرفة الاستشراقية . غالباً ما يعبر الوعي ، في حياتنا اليومية ، عن إدراكه لهذه الازدواجية ذات التأثير المتبادل بثنائية " العقل والقلب " .
 
في الحالات العادية ، هناك توازن حاصل بين العقل المنطقي والعقل العاطفي . فالعاطفة تغذي وتزود عمليات العقل المنطقي بالمعلومات (الرغبات ) بينما يعمل العقل المنطقي على تنقية تأثيرات العقل العاطفي ويعترض عليها في أحايين كثيرة . غير أن المشاعر ضرورية للتفكير ، بل أن الرغبات والمشاعر كانت ولا زالت دافعنا الأول إلى التفكير . والتفكير هو أمر عارض ، بل هو ملكة مضافة إلى الوجود الطبيعي للإنسان ، فكيف نشأ التفكير ؟
 
 

18 - فبراير - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
الثقافي والفطري    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :

 

عندما وجد الإنسان نفسه عارياً في الطبيعة لأول مرة ، ولم يكن له من وجوده سوى ذلك الجسد الثقيل بغريزته وطاقاته وفطرته الأولى كان عليه أن يتدبر أمره : أن يبحث عن قوته ، أن يحمي جسده ويعتني به ، وأن يتابع مراحل نمو ذلك الجسد وتغيراته وحاجاته منذ الولادة وحتى الموت . لم يكتف الإنسان بالفطرة والغريزة لفهم ومرافقة تطورات حياته في نموها وتبدلها بل أخذ يضيف إليها مما استنبطه بذكائه، فكان المسكن والملبس والطعام والعناية بالبدن وطرق تدبير الولادة والدفن والصيد والحرب … ثم عمد إلى تخزين هذه المعارف وحفظها في الذاكرة عن طريق المشاركة والتعلم والطقوس والحكايات والأساطير . هذه الإضافة التي نشأت بفعل الحاجة ، وتمحورت حولها ، هي معطى وجودي آخر ضروري مواز ومرافق لوجود الإنسان في البيئة والزمن ووسط غيره من أفراد المجموعة التي ينتمي إليها . بردنا الثقافة إلى عناصرها الأولى التي استلزمت نشأتها يمكننا تعريفها على أنها : المعرفة الغير فطرية التي استنبطها الإنسان بعقله المفكرأو اكتسبها عن غيره تلبية لحاجات وجوده الاجتماعي .
فالإنسان ليس مجرد كائن فيزيولوجي مادي تسيره غريزته ومكوناته الطبيعية الكامنة فيه والتي تتشابه لديه مع غيره من المجتمعات الحيوانية ، ولا يمكننا أن نفصل لدى الإنسان بين نشاطه ونتاجه المادي ، ونتاجه ونشاطه الذهني والعقلي . من الصعب كذلك أن نفصل ما بين الإنتاج الفكري والذهني من جهة ، والمكون العاطفي الوجداني في الذات المفكرة من جهة أخرى لأن الحالة الانفعالية كالإحساس بالجوع أو الخطر أو الحب أو الغضب كانت الدافع والمحرض الأول على التفكير ، وهي في غالب الأحيان موجهة للتفكير .
 
 

18 - فبراير - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
سبينوزا يصف الطبيعة الإنسانية    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :

هذه الفقرة هي جزء من مقال للأستاذ أحمد أغبال بعنوان : " مبادىء الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا "منشور في مدونته الخاصة .
 
تمثل الطبيعة الإنسانية في نظر سبينوزا كيانا لا يختلف عن الكائنات الطبيعية الأخرى من حيث أنها تخضع جميعها لقوانين طبيعية. فكما أن بنيتنا العضوية والفيزيولوجية تخضع لهذه القوانين كذلك تخضع لها بنيتنا النفسية بما تنطوي عليه من انفعالات ومشاعر وأهواء ورغبات. ولذلك لزم التعامل مع الطبيعة الإنسانية ودراستها مثلما يدرس أي كائن طبيعي آخر. وأما المبدأ الأساسي الذي يتحكم في الكائنات الإنسانية فهو مبدأ الكاناتوس canatus principal أو قانون الشهوة الذي يمثل الدافع الحيوي وإرادة الحياة، وهو ما عبر عنه سبينوزا بقوله: "كل شيء يكافح من أجل الحفاظ على البقاء بقدر المستطاع وبقدر ما له من قوة". يقوم هذا المبدأ مقام المصادرة الأساسية التي تنبني عليها الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا. يقول بهذا الصدد:
"ولما كان العقل لا يرغب في ما ليس موافقا للطبيعة، فإنه بقضي بأن يحب كل امرئ نفسه، وأن يسعى لما فيه مصلحته وإلى ما هو مفيد له بالفعل؛ ولا ويرغب إلا بما يفضي بالإنسان إلى مزيد من الكمال؛ ويقضي، بكل تأكيد، بأن يكافح كل فرد من أجل الحفاظ على وجوده بقدر المستطاع. والواقع، أن هذا الأـمر ضروري وبديهي مثلما هو بديهي أن الكل أكبر من الجزء"[1]
إن قانون الشهوة هو ما يجعل الإنسان كائنا أنانيا بامتياز. هذا هو تصور سبينوزا للإنسان: إنه أناني بطبعه.  تلك بديهية لا تحتاج إلى برهان في نظره. إنها عبارة عن مبدأ قبلي يفرض نفسه بوصفه حقيقة متعالية عن ظروف الزمان والمكان. ومما يلزم عن هذا المبدأ أن يتصرف كل امرئ وفقا لما يرى فيه مصلحته الخاصة.
وبحكم طبيعته ونوازعه الشهوانية أصبح الإنسان مؤهلا – بالفطرة -  لأن يكون لغيره عدوا. وإذا تصورناه وهو في حالة الطبيعة، حيث لا وجود للدولة والقانون، فإن وضعه لا بد أن يكون محكوما بالصراع. يصف سبينوزا الإنسان وهو في حالة الطبيعة بقوله:
"..يتحدد الحق الطبيعي لكل إنسان حسب الرغبة والقدرة، لا حسب العقل السليم. وليس الجميع مؤهلا طبيعيا للتصرف وفقا لقوانين العقل السليم وقواعده، بل إن جميع الناس ولدوا، على العكس من ذلك، في حالة من الجهل المطبق، وقبل أن يتعلموا أسلوب الحياة الصحيح ويكتسبوا العادات الفاضلة، يكون الجزء الأكبر من حياتهم قد انقضى، حتى وإن كانوا على قدر كبير من التربية. إلا أنهم يكونون في غضون ذلك مضطرين للعيش والحفاظ على وجودهم، بقدر المستطاع، بدافع الرغبة الشهوانية التي تكون مستقلة غير تابعة لغيرها[=متحررة من ضوابط العقل]. لم تمنحهم الطبيعة موجها آخر سواه، فحرمتهم من القدرة على العيش طبقا للعقل السليم. ولذلك لم يكونوا ملزمين بأن يعيشوا وفقا لأوامر العقل المتنور مثلما أن القط ليس مضطرا لأن يعيش طبقا للقوانين المتحكمة في طبيعة الأسد. ومن ثمة، فإن كل ما يعتقد الفرد الواقع تحت سيطرة الطبيعة بأنه نافع له، وسواء أكان منقادا في ذلك بالعقل السليم أو مدفوعا بقوة انفعالاته، يكون له الحق المطلق في طلبه والاستيلاء عليه بأنجع الطرق، وسواء أكان ذلك بواسطة القوة أو التحايل أو التوسل أو أية وسيلة أخرى. وبالتالي، فإنه لابد أن ينظر إلى كل من يَحُولُ دون تحقيق هدفه على أنه عدو له"[2]  
في حالة الطبيعة يعيش الإنسان وفقا لمبدإ الشهوة، ويكون شغله الشاغل هو تحقيق مصلحته بكل الوسائل المتوفرة ولو على حساب الآخرين. ولم يكن بوسعه أن يتصرف في ضوء العقل السليم، لأن معظم تصوراته للرغبة والمنفعة توجهها الغرائز الشهوانية والانفعالات التي لا تهتم بما وراء اللحظة الراهنة والموضوع المباشر. والسبب في ذلك أن الإنسان جزء من الطبيعة، واقع تحت قوانينها. ومن قوانينها الأساسية أن لكل موجود حق مطلق على ما يقع في نطلق قدرته، وأن كل شيء يحاول الحفاظ على وجوده والبقاء على وضعه بقدر ما له من قوة من غير أن يراعي في ذلك أي شيء آخر. هذا هو حال الإنسان في الطبيعة، لا يملك سوى أن يسلك وفقا لما تمليه عليه طبيعته، مثله في ذلك مثل سائر الموجودات الطبيعية، ولا فرق في ذلك بين الأذكياء والأغبياء من الناس. ولذلك، فإن كل من يتصرف وفقا لقوانين الطبيعة إنما يمارس حقه الطبيعي المطلق. وإذا كان ذكيا فإنه يستخدم قدراته العقلية وفقا للمنطق الطبيعي، وبذلك يظل خاضعا لقانون الشهوة دون غيره، يسعى إلى السيطرة على كل ما يقع تحت قدرته، و"تمتد حقوق الفرد إلى الحد الأمثل الذي ترسمه القدرة المشروطة [بالمتغيرات الطبيعية]"
ولما كانت حالة الطبيعة خالية من السلطة السياسة، وحيث أن الدفاع عن النفس حق طبيعي، فإن هذا الحق مشروط بالقدرة على استعمال القوة. لا حق في الدفاع عن النفس، إذن، إلا لمن له قدرة على ذلك. يمكن القول بعبارة أخرى: إنه بانتفاء القدرة ينتفي الحق.
وبسبب جهل الإنسان بقوانين العقل انعدمت فيه الروح الخلقية. ليس في حالة الطبيعة، إذن، شيء من قبيل السلطة السياسية والتشريعات الوضعية أو الإلهية والأخلاق. يقول سبينوزا:
"من اللازم وصف حالة الطبيعة على أنها حالة لا وجود فيها لا للدين ولا للقانون، وبالتالي لا وجود فيها للخطيئة والذنب"
ليس في الطبيعة معيار للتمييز بين الخير والشر ولا بين العدل والجور. وبعبارة واحدة، لا وجود فيها لمعاني الأخلاق. وهذا رأي ينسجم تمام الانسجام مع تعاليم بولس الرسول الذي نسب إليه سبينوزا قوله بأنه لا وجود للخطيئة قبل الشريعة، وبهذا المعنى يمكن فهم الآية الكريمة:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً". يقول سبينوزا:
"إن الحق والقانون الطبيعيين اللذان ولد الإنسان في أحضانهما وعاش في كنفهما لا يٌحَرِّمَانِ إلا الأشياء التي لا رغبة لأي أحد أو التي لا يستطيع أحد نيلها: فهما لا يٌحَرِّمَانِ العنف، ولا الحقد، ولا الغضب، ولا الخداع، ولا أية وسيلة من الوسائل التي توحي بها الرغبة الشهوانية"
ولذلك كانت القدرة أو القوة هي المعيار الوحيد للحق. في حالة الطبيعة لا يكون البقاء إلا للأقوى. ولكن القوة لا تدوم، فالقوي اليوم ضعيف غدا. ومع خوار القوة تتعطل آليات الكاناتوس وتتقلص حدود الحق تدريجيا إلى أن تصل إلى المستوى الذي يصبح معه الحفاظ على البقاء أمرا مستحيلا. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الاسترشاد بالعقل باعتباره الوسيلة الكفيلة بضمان الأمن والبقاء للجميع.  
إن الاسترشاد بالعقل يعني الارتقاء فوق الأهواء الشخصية، وتجاوز نزعة التمركز حول الذات. ذلك هو السبيل الوحيد لإقامة علاقات التعاون بين الناس. يخبرنا العقل بأن التعاون المتبادل هو الكفيل بتوفير الأمن على الحياة والممتلكات لكل فرد. فإذا كان العقل يحث الأفراد على إقامة روابط اجتماعية فيما بينهم على أساس من التعاون المتبادل، فإن الغرائز الشهوانية تدفع كل فرد إلى التمركز حول الذات، فيصير أنانيا. وإذا تغلبت الغرائز على العقل، أدى ذلك إلى نشوب صراعات طاحنة بين الأفراد.
نخلص من ذلك كله إلى القضية التالية: الشهوة تفرق الشمل والعقل يجمعه. إن للعقل، إذن، دلالة اجتماعية من حيث أنه يمثل الشرط الضروري لتأسيس المجتمع وتقوية الروابط الاجتماعية. وأما الرغبة الشهوانية والانفعالات فإنه من شأنها أن تقوض دعائم الاجتماع والمعاشرة والتآلف. يقول سبينوزا بهذا الصدد:
"إنه طالما عانى الناس من الغضب والحسد أو من أي انفعال ينشأ عنه الحقد، يتشتت شملهم ويعارض بعضهم بعضا. وبذلك يكون الخوف منهم أعظم، لاسيما وأنهم أكثر قوة واحتيالا ودهاء من الحيوانات الأخرى. ولما كان الناس أكثر عرضة لهذه الانفعالات، فإنه من الطبيعي أن يكون بعضهم لبعض عدوا"
الانفعالات، إذن، هي مصدر الصراع المدمر للوجود البشري. إن الصراع، بطبيعته المدمرة، مناقض لمبدإ الكاناتوس الذي تكمن وظيفته في الحفاظ على البقاء. وأما يجعل الإنسان قادرا على تجنب الخصومات والنزاع فهو الاسترشاد بالعقل. يكتسي العقل هنا دلالة أكسيولوجية؛ إنه القوة الدافعة للفرد نحو الآخرين، يدفعه إلى إقامة علاقات إيجابية معهم، ويضفي طابعا أخلاقيا على سلوكه إزاءهم، ويضمن، بالتالي، الاستقرار والأمن للمجتمع.
 

18 - فبراير - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
في طريق البحث عن العقل (1 )    ( من قبل 2 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :

كانت أكثر الفلسفات السابقة على ديكارت من يونانية وإسلامية قد جعلت العقل من ملكات النفس وجعلت من النفس جوهراً متعالياً مفارقاً للمادة .  يشذ ديموقريطس وأتباعه عن هذه القاعدة لأنه قال بأن النفس مادة متحركة انفصلت عن الجسم الأزلي المتحرك الأول الذي هو العالم وأنها من أدق الجواهر وأسرعها حركة . لكن الفكر السائد في عصر ديكارت كان دينياً مغرقاً بالروحانيات وبالسؤال عن كيفية إحكام سيطرة الروح على البدن .
 
كان من الصعب على ديكارت أن يحل معضلة ثنائية الروح والبدن لكن الفكرة الثورية المركزية التي تمحورت حولها فلسفته كانت هي الوعي ، وأن العقل يعرف نفسه بشكل مباشر أكثر من معرفته لأي شيء آخر " أنا أفكر إذن أنا موجود " ، وأنه يعرف العالم الخارجي عن طريق أثر ذلك العالم في إدراكه الخاص . لذلك ، يجب على كل فلسفة أن تبدأ بدراسة عقل الفرد وذاته .
  
 أفكار رينيه ديكارت هذه كانت الأكثر انتشاراً  في الفترة التي عاش فيها سبينوزا  لأنه أعاد للعقل مكانته وجعل التفكير مساوياً للوجود ، أي أنه جعل من العقل والتفكير جوهر الوجود ، وفصل بين الفكر ـ الذي هو من ملكات الروح ـ والجسد . هذه الثنائية : عقل ومادة ، جسد وروح ، كانت المحور الذي بنى عليها تصوراته وكانت الغاية منها إحكام سيطرة العقل على البدن ، أي  بجعل أرواحنا تتحكم بأجسامنا عن طريق العقل ، وجعل من الغدة الصنوبرية  الموجودة في الدماغ مكان التقاء الروح بالبدن .
بالمقابل كان الإنكليزي توماس هوبز قد نفى وجود الروح والعقل معاً واعتبر الفكر نوعاً من الوهم وأن كل ما نعرفه هو وجود أجسام في حركة ، معتبراً حركتها غريزية فطرية ليس لها سوى هدف واحد : حب البقاء ، أي أنه لم يعترف إلا بوجود المادة ( كديموقريطس ) وقد مهد بذلك لمجيء دارون والفلسفات المادية الأخرى . قانون الطبيعة الأوحد هو القسوة وصراع البقاء . الإنسان والحيوان وكل الموجودات تقتل لكي تعيش ، وقوانين المجتمع هي مجرد ظلال لقوانين الغابة التي جئنا منها أي بأنه لا يوجد قوانين مبرمة ولا أحكام عادلة ولا أخلاق ولا عدالة ولا حتى ملكية خاصة . الحق الوحيد هو القوة والقدرة على مواصلة الحياة والدفاع عنها بكل السبل الممكنة بما فيها القتل والغدر والكذب والخديعة ... بالاختصار ، هوبز هو من قال بأن " الإنسان هو ذئب لأخيه الإنسان " وأنه لا بد بينهما من وسيط : الدولة أو القانون الوضعي الذي نشأ عنه العقد الاجتماعي .
 
 

20 - فبراير - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
في طريق البحث عن العقل (2 )    ( من قبل 1 أعضاء )    قيّم

رأي الوراق :

الجهل بقدرة الجسد :
 
كانت الفلسفة قد نسبت العقل والتفكير ، كما أسلفنا في التعليق السابق ، إلى قدرات الروح والنفس ، وكان الشغل الشاغل للدين والفلسفة هو كيفية إحكام سيطرة الروح على البدن لأنها جعلت منهما متضادين في الطبيعة .
أهم ما جاءت به فلسفة سبينوزا هو معارضتها لهذا التناقض وإعادة الاعتبار لما أسمته بذكاء الجسد : هناك بعض الأفعال التي تدهش النفس دون أن تكون قادرة على نسبتها لنفسها وهي من قدرات الجسد ، بشرط أن نعتبر الجهاز العصبي من مكونات هذا الجسد ، وبحيث أن أفعاله الذاتية تنم عما يجول في فكرنا . من هنا يمكن اعتبار اللاوعي نوعاً من " ذكاء الجسد " .
 
ينفي سبينوزا بشدة مبدأ تعارض النفس والجسد لأنهما بحسب فلسفته يجتمعان ليؤلفان الإنسان ولديهما هدف مشترك هو : المحافظة على البقاء .
 
لا يمكن لفعل النفس أن يكون مغايراً إذن لفعل الجسد  :
" إن النفس والجسم شيء واحد لا غير ، يـُتـَصـَوَّرَ تارة من جهة الفكر وطوراً من جهة الامتداد . يترتب على ذلك أن نظام الأشياء وترابطها يكون هو ذاته سواء تصورناه الطبيعة من جهة هذه الصفة أوتلك ، كما يترتب ، من هذا المنطلق ، أن نظام أفعال أجسامنا وانفعالاته موافق بالطبع لنظام أفعال النفس وانفعالاتها .
ورغم أن طبيعة الأشياء لا تسمح بالشك في هذا الموضوع ، إلا أنه يصعب باعتقادي حمل الناس على تأمل هذه النقطة بفكر غير منحاز ، اللهم إلا إذا أثبت هذه النقطة إثباتاً يقوم على التجربة ، سيما أنهم على يقين شديد من أن الجسم يتحرك تارة ويسكن أطواراً بأمر من النفس وحدها ، ويأتي أفعالاً أخرى عديدة تتوقف على إرادة النفس وحدها وعلى مهارتها في التفكير . في الحقيقة ، لم يبين أحد بعد ما يستطيع الجسم إداءه وما لا يستطيعه بقوانين الطبيعة وحدها ــ من حيث هي جسمانية فحسب ــ وبدون تكليف من النفس . وفعلاً ليس لأحد من المعرفة الدقيقة بتركيب الجسم ما يمكنه من تفسير جميع وظائفه . لست بحاجة إلى أن أشير هنا إلى ما يـُلاحظ في البهائم من بصير تفوق بصيرة البشر بكثير ، أو إلى ما يقوم به السائرون أثناء نومهم من أفعال لا يجرؤون على القيام بها في اليقظة . وهذا يكفي لإثبات أن الجسم قادر بقوانين طبيعته وحدها على أشياء كثيرة نحار بها النفس . وفضلاً عن ذلك ، لا أحد يعلم كيف تحرك النفس الجسم وما هي وسائلها ، وكم درجات الحركة التي تستطيع ، وبكم سرعة يمكنها أن تحركه ، وعليه فعندما يقول الناس أن أصل أفعال الجسم هذه أو تلك هي النفس التي لها سلطان على الجسم ، فهم لا يفقهون ما يقولون ، وكل ما في الأمر أنهم يعترفون ، بألفاظ مموهة ، بجهلهم للسبب الحقيقي للأفعال التي يتحدثون عنها بعد أن تملكتهم الدهشة ..." ( ص 164 ـ 165 ) كتاب " علم الأخلاق " لسبينوزا ترجمة : جلال الدين سعيد ـ تونس .

" قد يلقى مثل هذا الرأي حظوة عند ديكارت لأن هذا الأخير يسلم بأن النفس أو الفكر متحد خاصة بجزء معين من الدماغ هو تلك الغدة التي يطلق عليها اسم " الغدة الصنوبرية " فعن طريقها تشعر النفس بكل الحركات التي تحدث في الجسم وبالأجسام الخارجية ، أيضاً كما يمكن للنفس أن تحركها بمحض إرادتها في اتجاهات مختلفة ..". ص 354
" فهذا ما جاء على إثباته في الفصل الخمسين من الجزءالأول من " انفعالات النفس " حيث يستخلص أن النفس مهما كان ضعفها لا تكون عاجزة إذا أُحـْكـِمَ توجيهها في السيطرة علة أفعالها سيطرة كلية .... ماذا يقصد يا ترى باتحاد النفس بالجسم ؟ وما هو تصوره الواضح والمتميز لفكر شديد الارتباط بجزء صغير من الامتداد ؟ ..." ص 355
 
لا يشكل الوعي المكون الوجودي للإنسان كما قال ديكارت بل أن الإنسان بحسب سبينوزا هو وعي ورغبة ، وبحيث أن الوعي هو إدراك للرغبة وإدراك لنزوات وميول الجسد . فالنفس هي فكرة الجسد ، مما يجعل الفعل أحياناً سابقاً للتأمل ، ويكون بهما قوام الاستمرار ( Conatus ) : " يظن الناس أنفسهم أحراراً نظراً إلى وعيهم بأفعالهم الإرادية إلا أنهم لا يفكرون ، ولو بالحلم ، في الأسباب التي تجعلهم يرغبون ويريدون ، لأنهم يجهلون هذه الأسباب  ." يقول سبينوزا .
 
وبهذا يكون سبينوزا قد مهد لعودة فكرة اللاوعي التي ظهرت لأول مرة عند أفلاطون .
 
 

22 - فبراير - 2010
سؤال الكينونة ولعبة الحياة والموت
 98  99  100  101  102